محمد مهنا: نوفيـلا سـومـورو








الفصـل الـأول


    ربما لهذا السبب أعطيته الكتاب؛ حبه للقراءة، ومقدرته على الفهم، مع سنوات عمره القليلة. الولد فقير مثل غالبية أقرانه من الطبقة الاجتماعية البسيطة، فقر والده المدقع أجبره على ترك المدرسة، رغم وصوله للسنة السادسة من التعليم الابتدائي، كان والده دائم التحايل على تعليمات حكومة الثورة بضرورة تعليم الأطفال إلزاميًا، ذلك البواب يستغل ضعف ابنه الجسماني، فيُغيِّبَهُ عن المدرسة كثيرًا على غير رغبة الولد، ورغم تعرضه لإنذارات الفصل المتتالية. الأب النوبي الأصل الحانق على تهجيره قسريًا من موطنه بعد  إنشاء السد العالي، لم يرض العيش في أسوان، ولم تبهره القاهرة عاصمة المحروسة، بأنوارها وضجيجها، جاءنا إلى مدينتنا الثغر منذ ثمانية أعوام، أي في العام 1960، ليس له ابن سوى هذا الولد الأسمر الجميل. كان في الرابعة من عمره عندما قدم سمير إلى الإسكندرية، بصحبة أبيه وأمه، وتفرده دون أخ أو أخت. جينات ذكائه لا أعلم من أين ورثها، شطارته في المدرسة حزّت في نفسي كثيرًا عندما تركها دون رجعة. عاهدت نفسي أن أعلّمه رغمًا عن أبيه، في استغناء عن مشوار المدرسة الصباحي، غير أنني فشلت في إعطائه دروسًا منتظمة؛ لأن والده دفع به إلى العمل بالمخبز القريب من عمارتنا التي يحرسها، ولكنني لم أعدم الحيلة التي أجعله يواصل بها القراءة؛ فروائيٌ مثلي ينشر رواية في العام أو مجموعة قصصية، لن يُعْجِزَه أن يُحَبِّبَ الولد الأسمر في القراءة، وهو كان سعيدًا بكتبي التي أدفعها إليه ليقرأها. مهارته في اكتساب عادة القراءة، تساويها مهارته في العمل كصبي خباز في الفرن، يجيء كل ليلة لوالديه بالخبز الطازج، ولي بالعقل المتلهف على استيعاب المزيد من الكتب والجرائد التي أعيرها له. يقرأ.. يستوعب.. ويناقشني.. وأسعدُ به.

    لم يكتف بقراءة الروايات العربية؛ بل كان يطلب مني الروايات المترجمة، أفرح به، وألعن جهل والده الذي سرَّبه من التعليم؛ لأنني كنت أطمح في قراءته النصوص المكتوبة بلغتها الأصلية، ليكن ذلك في المستقبل القريب؛ فلأعلمه اللغة الإنجليزية، وأعتقد أن مَنْ يبلغ الثانية عشر عامًا مثله، وجَبَ تعليمه لغة أجنبية. 


    مسكينٌ سمير؛ يلقى من والده عنَتًا كبيرًا عندما يلمحه يقرأ في كتاب أعطيته له، وكأنه يريد أن يُنسيه ما تعلمه في المدرسة، وإذا حاجَّه الولد أنه يقرأ في وقت راحته من العمل بالفرن، يُجبره الأب على مساعدته في غسيل سيارات سكان العقار، ولولا حياءه مني، لمزق كتبي التي يقرأها ابنه. كثيرًا ما تدخلت ناهرًا ذلك الأب الجاهل، حتى إنني كنت ألجأ أحيانًا لعقابه بإعادة غسيل سيارتي، مع كلمتين خشنتين ألقيهما على مسامعه، على غير عادتي، حتى يدع ابنه يقرأ. الابن لا يعدم الفرصة التي يقرأ فيها؛ عندما «يزوغ» من والده، حتى إنه كان يأخذ معه الكتاب في الفرن، ليقرأ وقت راحته القليل، أو يتأخر أحيانًا عن عودته للبيت، بعد انتهاء وردية عمله، ويجلس على الرصيف بجوار الفرن ويقرأ، كنت ألمح ذلك من بلكون شقتي القريبة جدا من المخبز، وألمح أيضا غيرة ابن صاحب المخبز ذي السابعة عشر عامًا، الراسب في الثانوية العامة، من سمير، كثيرًا ما يخطف منه الكتاب، ويُخَبئّه عنه، فأنهره من بلكوني، أو أنزل له خصيصًا لأعنفه. مرة بعد أخرى، فكر ابن صاحب المخبز في عقد صفقة مع سمير أن يدعه يقرأ، بشرط أن يعطيه الكتاب ليقرأه هو قبل إعادته لي، استأذنني سمير، فوافقت على الفور؛ لإحساسي بالسعادة أن أساهم في جعل عدد المحبين لنعمة القراءة يتزايدون، واعتقادًا مني أن تثقيف الولد ابن صاحب المخبز ربما يُهذّب طباعه الشريرة، ويكف عن مضايقة العمال الصغار لديه.

    الرواية الأولى التهم سطورها، ثم هضمها!؛ فهمها، وناقشني في أفكارها رغم أنها مترجمة، ليست مبالغة، فهذا ما حدث فعلا.. هو وعاها، وابن صاحب المخبز تعتع في قراءتها!، أخبرني سمير بذلك. واصلت تثقيفه، وواصل هو إسعادي وإحزاني؛ فَرِحٌ أنا بذكائه، ومتألمٌ لحرمانه من مواصلة التعليم، لولا أنني أكره أذية خلق الله؛ لأبلغت عن أبيه، ثم إنني بصراحة أرفض المشاكل بجميع أنواعها، لا قسم شرطة دخلت إلا مضطرًا عندما أخرجت بطاقتي الشخصية، ولا في اتحاد اشتراكي كان لي نشاط، رغم إلحاح زملائي في مصلحة الشهر العقاري التي أعمل بها، كنت أهرب منهم بصنعة لطافة، لا أغلظ لهم في الرفض، ولا أعدهم بالقبول، يكفي ما أعانيه؛ شاب مثلي حاصل على ليسانس آداب قسم لغة إنجليزية يعمل بمصلحة الشهر العقاري!، الأمر لله، ثم للقوى العاملة!، تكفيني موهبتي الأدبية في كتابة القصص والروايات لتكون عكازي، وسلواي فيما أشعر به من غُبْن، وأنا شاب لا زلت في الثامنة والعشرين، وطريق الأدب أمامي طويل، يكفيني أنني معروف لدى الوسط الأدبي، وأنشر بانتظام في الصفحات الثقافية بالصحف والمجلات، ونشرت حتى الآن أربع روايات، ومجموعتين قصصيتين.


٭٭٭٭ 


    كنت في مثل عمر سمير حاليًا عندما هبَّ الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 في وجه الملك فاروق، ثم أعطوا القيادة طواعية لصاحب رتبة كبيرة في الجيش، كان رئيسًا لنادي الضباط، يُدعى اللواء محمد نجيب، ثم ما لبثت حركتهم أن صارت ثورة. سن الثانية عشر عامًا التي بلغتها وقتها، يبدو أنها تتشابه إلى حد كبير بيني وبين الولد الأسمر سمير؛ كلانا نقرأ في هذه السن، وكلانا نفهم، ونرغب في المزيد من المعرفة؛ لم أكتف بعناوين الصحف فقط، بل كنت أقرأ التفاصيل، فضلا عن حبي لقراءة الكتب التي أورثتها سميرًا.


    من بين عشرات الروايات في مكتبتي توقفت عند هذه الرواية كثيرًا، قرأتها عدة مرات، ووجدت تفاصيلها تتشابه مع الولد الأسمر في الخطوط العريضة؛ بطلها في سن سمير، الثانية عشر، أسمر مثله، فقير أيضًا، و... مَغْبونٌ اجتماعيا.


    دفعت بالرواية لسمير، فاسترعى انتباهه عنوانها؛ «سومورو»، تركته يعيش مع أحداثها، ولم أشأ أن أفسد عليه متعته في التعرف على تفاصيلها، لا قلت له إن البطل يشبهه، ولا حتى ألمحت له ذلك، فليكتشف بنفسه وجه الشبه. مرَّ بعينيه سريعًا على الصفحة الأولى... ابتسم... نظر لي بامتنان... عاود القراءة... لم يشعر بنفسه وهو يتمتم: إممممم!!.


    تركته مع البطل الأمريكي الصغير، وفتحت باب الأسانسير لأصعد إلى شقتي، وقررت مبتسمًا أن أناديه بـ«سومورو»!.


٭٭٭٭


    لم تجذب سمير رواية بكل هذا الشغف لقراءتها في ليلة واحدة سوى «سومورو»؛ اكتشف أنه سومورو، وأن سومورو هو، السن اثنا عشر عامًا، والبشرة سمراء غير داكنة، الفقر يجمعهما، خفة الظل أيضًا، البؤس واحد، وكأس الظلم يتجرّعها كلاهما، الفارق الوحيد أن سومورو هناك في واحة الديمقراطية؛ حيث الولايات المتحدة الأمريكية، لا قهر هناك، بل عدل وحرية... هذا ما كنت أعرفه وأنا صغير، وعندما كبرت، وقرأت، عَلِمْتُ و...
لأن قراءةً واحدةً لا تكفيه؛ أخذ سمير الرواية معه إلى الفرن ليقرأها مرة ثانية، ولسوء حظه لمحه ابن صاحب المخبز يحملها بيده، اختطفها منه، ولم يشفع توسله في إعادتها له، وعده أن يعيدها بعد انتهاء وردية عمله، وحُجَّتُهُ أن الوقت حاليًا للعمل، وربما تشغله الرواية عن إتقان ما يصنع.


    في ميعاد عودتي من عملي بالشهر العقاري، دخلت الشارع... اقتربت من المخبز، ورأيت ما لم يخطر على بالي أبدًا. 


    في ميعاد عودتي من عملي بالشهر العقاري، دخلت الشارع... اقتربت من المخبز، ورأيت ما لم يخطر على بالي أبدًا، ابن صاحب المخبز يبدو أنه اندمج في قراءة رواية «سومورو»، فلم يجد حلا، إلا أن يقلد ما جاء فيها، ليرى انفعالات العامل الأسمر الصغير هل تتطابق مع رد فعل الفتى سومورو، فاتفق مع العجّان ليرن الصبي سمير علقة ساخنة، تماما مثلما فعل الشاب الولهان الذي يجلس مع فتاته تحت ظل شجرة في أحد أركان حديقة العشاق، عندما رآها تُبادل سومورو بائع الورد الابتسامات، بعد أن جذبتها ابتسامته الآسرة التي كشفت بياض أسنانه.


    صارحني ابن صاحب المخبز عندما عَنَّفْتُهُ وشكوته لوالده، بأن الغيرة هي التي دفعته ليفعل ذلك بسومورو الإسكندراني!.


    أعدت الرواية لسمير، وطلبت منه أن يقرأها في بيته فقط، فعل ذلك وأكثر؛ يجيئني سائلا عن تفاصيل كثيرة استعصت عليه في الرواية، سياسية معظمها، كنت أشرح، وأحيانا أقرأ له.


    «بشرته السمراء كانت سر تعاسته؛ ذلك الولد القادم جَده من نيروبي عاصمة كينيا بقارة أفريقيا، رغم أنه أمريكي المولد، أبوه وأمه ولدا أيضًا في أمريكا، أما جَده الأفريقي فهرب من فقر هناك إلى عنصرية هنا. ممنوع دخول السود والكلاب؛ جملة طالما قرأها الولد سومورو، ورغم أنه فهم مغزاها من أبيه، إلا أنه تحايل عليها كثيرًا، حُجَّتُهُ أنه ولدٌ بائس يبيع الورد للزبائن، تنهال عليه اللعنات، وكثيرًا ما بللت دموعه أوراق ورده فتزداد نضارةً!. لا أمل له ولأقرانه من الصبية الأمريكان -الأفارقة الجذور- سوى في المُخَلّص. قرأ سومورو في الإنجيل كثيرًا، كان يناجي المُخَلّص، ويشعر أن المُخَلّص يناجيه!. ورغم بؤس والده وفقره، إلا أنه دفع به للتعليم، أجاد الولد القراءة والكتابة في فترة وجيزة، قبل أن يعجز والده عن مصاريف دراسته، ولا يقدر هو على الدفاع عن كرامته المهدرة يوميًا من أقرانه ذوي البشرة البيضاء. كانت الصحف التي يشتريها ليبيعها في الصباح هي زاده المعرفي، والورد الذي يبيعه في المساء ملاذه العاطفي. لم يكف عقله عن التساؤلات المتلاحقة، أين هو؟.. أين ذلك المُخَلّص الذي ينتشلنا مما نحن فيه من هوان؟.


    ذات صباح نديٍّ، وبينما يمارس سومورو عمله في بيع الصحف، استرعى انتباهه خبر منشور في صدر الصفحة الأولى، مع صورة مصدر الخبر، فغر فاه، وحدَّق بعينيه على وسعهما في الصورة، أشرق وجهه الأسمر بنور ابتسامة عذبة، أتبعها تنهيدة عميقة، وتمتمة فَرِحة: هذا هو المُخَلّص!.

    حضن سومورو الصحيفة، بل إنه قبَّل صورة مُخَلّصه المأمول، نشط ذلك الصباح في بيع المزيد من الصحف، كما لم يفعل من قبل، واحتفظ لنفسه بنسخة، دفع ثمنها لمتعهد الصحف، وأخذها للكوخ الخشبي الفقير الذي يعيش فيه مع والديه العاملين في منزل سيد أمريكي أبيض، الوالد يزرع البستان، والوالدة تمسح بدموعها بلاط المنزل. انزوى سومورو ابن الخادمة السوداء، والبستاني الأسود في ركن الكوخ، فرد الصحيفة، وأعاد قراءة الخبر عدة مرات، ولم ينس أن يبتسم لصاحب الصورة في كل مرة يقرأ فيها الخبر، ابتسامة كأنها تحية ورجاء!. أغمض عينيه ونام بعمق لم يعهده من قبل، حتى إنه تكاسل في المساء عن بيع الورود للسادة العشاق ذوي البشرة البيضاء، رغم تعنيف والده، ورطانة أمه بلكنة أفريقية ورثتها من أمها وجدتها.


    استيقظ سومورو ذات صباح على خطة عزم تنفيذها طوال ليله الذي لم يغمض فيه جفنه، خرج دون أن يخبر والده البائس بوجهته، سلّم عقله وكيانه كله لصاحب الصورة الشهيرة، اعتقد أن كلام المُخَلّص أمرٌ واجب الطاعة. إلى المكان المحدد ذهب، فوجد آلاف الصبية من أقرانه ذوي البشرة السمراء الداكنة، كلهم في العبودية سواء، وجميعهم يتطلعون لزعيمهم المُخَلّص.


    أيغامر بهم المُخَلّص؟... لم يتوقف سومورو كثيرًا عند هذا التساؤل العابر لعقله؛ فقد قرأ أن لكل ثورة ضحايا، والأهم ألا يتخلف عن ركب التحرر المنشود، ثم إن المُخَلّص لن يضحي بهم، فالسُلطة يجب أن تكون عاقلة، ربما راهن الزعيم المحبوب، والقائد الشجاع، والمُخَلّص المنتظر «مارتن لوثر كينج» على بقية من عقل لدى سُلطة الرئيس جون كيندي البيضاء، فدفع بآلاف الأطفال من السود في الصفوف الأمامية بمواجهة الشرطة وكلابها الشرسة، ولكنه خسر الرهان للأسف؛ فوقعت الواقعة؛ أطلقت الشرطة لعصيها وكلابها الشرسة العنان، واعتدت على الأطفال السود ضربًا ونهشًا في لحومهم، وسالت الدماء غزيرة، وعمت الفضيحة أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية كلها في ذلك العام الصعب 1963؛ بعد أن نشرت الصحف صور الأطفال الصرعى، ومَنْ نزفت دماؤهم على قارعة الطريق بمخالب وأسنان الكلاب البوليسية. كان لسومورو نصيب بالغ الصعوبة من عضة كلب جائع، ولولا أن جرى به زملاؤه من الصغار في ذلك اليوم المرعب، للقي حتفه حتمًا، ولكنه ظل يعاني من تلك العضة كثيرًا، حتى إنه صار يعرج على قدميه طوال عمره فيما بعد، والغريب أن ما جرى له لم يثنه عن حضور أكبر تجمع شهده نصب إبراهام لينكولن، الذي احتشد بـ250 ألفا من المواطنين، من بينهم 60 ألف أبيض، حيث ألقى الزعيم والمناضل الأسود والمُخَلّص مارتن لوثر كينج خطابه الأشهر المعنون «لديَّ حُلم»، أو have a dream I ،  الذي قال فيه إنه يحلم أن يعيش أطفاله الأربعة في شعب لا تحكم فيه الناس على ألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم.

    لا يهم كم عاش سومورو بعدها، ولا هل شهد الحلم يتحقق أم لا، ولكن المهم أنه استطاع الحصول على صورة كبيرة لزعيمه الروحي مارتن لوثر كينج، علقها في كوخه، وهو يعلم تماما أن السيد الأبيض، صاحب المنزل، لن يراها؛ لأنه يستنكف الدخول لمثل ذلك الكوخ الحقير».


٭٭٭٭ 


    رغم حزنه على سومورو، ابتسم لي سمير، وظل يردد كلمة واحدة؛ المُخَلّص. سألني عن معناها فشرحتها له، ولأنني كنت أطلعه من آن لآخر على واقعنا السياسي في مصر والعالم العربي، لم أفاجأ بابتسامته التي قال لي بعدها إننا أفضل حالا من أمريكا وديمقراطيتها المزعومة، فابتسمت بدوري ولم أجبه، لكنه عاد ليقول ببراءة مستخدما الكلمة التي شرحتها له، إن المُخَلّص عندنا طيب، وزعيم كبير، حقق لنا نحن الفقراء العدل. لم أندهش لما قاله؛ فهو قارئ جيد للصحف التي أرسلها له، حفظ منها عدة مصطلحات؛ العدالة الاجتماعية، الثورة على الإقطاع، الاشتراكية (رغم أنه لم يعرف معناها)، وغيرها... وبسؤال بريء فاجأني مرة أخرى؛ كيف حدثت لنا النكسة في الحرب، ومُخَلّصنا رجل عادل، فقلت له وأنا أتلفت يمينا ويسارا، وبهمس أكاد أنا شخصيًا لا أسمعه بوضوح، إن المُخَلّص المصري حوله ظالمون، باطشون، يزينون له الصورة، ويعاملون المعارضين لهم بقسوة... ورغم أنه وفَّر لنا الخبز، إلا أن الحرية لم تتحقق لنا بشكل كبير؛ مَنْ لا يهمهم سوى الحصول على القوت اليومي دون عناء، تحققت لهم كل أحلامهم بسهولة، ومَنْ تشغلهم قضية الحرية، وتداول السلطة، وتأسيس أحزاب متنوعة، خاب أملهم، لكنهم يرون أن الزعيم حقق لهم الكرامة، ولولا النكسة الملعونة، لصار قدّيسًا... فغر سمير فاه، ولم يفهم ما أقصده، ولم أشأ أن أعيد له ما قلت؛ لأن قلبي كان ينبض بعنف وأنا أقول له رأيي!. هز رأسه مدعيّا أنه فهم، وتركته وقد سرت في جسدي رجفة ظاهرة، وبدون أن يسألني ما بي، قلت له إن شهر فبراير هذا العام شديد البرودة على غير العادة!.


    21 فبراير 1968، تاريخ لا ينساه أهل الإسكندرية؛ عندما استيقظوا ذات صباح على مفاجأة لم تخطر على بالهم أبدا؛ فعلها طلاب الجامعة، خرجوا لأول مرة في مظاهرات حاشدة، يرفضون الأحكام الهزيلة للعسكريين الذين تسببوا في نكسة 5 يونيو 1967، الفضول دفعني أن أذهب إلى هناك. المفاجأة عقدت لساني عندما رأيته، كيف ذهب إليهم، مَنْ أخبره؟.. لم أره من قبل يتحدث مع الساكن في الدور الرابع، ذلك الطالب في جامعة الإسكندرية. أكاد أجن. الولد يهتف معهم .. الهتاف يتصاعد، والهدير رجّ المكان: لا صدقي ولا الغول.. أنت وحدك المسؤول... علمت فيما بعد أن المظاهرات وصلت إلى القاهرة بهذا الهتاف... وارتعدت فرائصي رعبًا، عقلي يردد مقولة قديمة أن أبتعد عن الشر وأغني له!، وقلبي ينخلع عندما رأيت الولد الأسمر، سومورو الإسكندراني، يسقط على الأرض، ولم ترحم الشرطة صغر سنه؛ فأشبعته ضربًا بالهراوات، وركلا بالأقدام... صراخه هز كياني، ولكن خوفي شل حركتي، فطأطأت رأسي خجلا منه، وعدت محمومًا، وشبحا سومورو الأمريكي، وسومورو الإسكندراني، يخنقاني ليلا!.



الفصـل الثـانى


    جاءني بواب العمارة إلى عملي بالشهر العقاري، لأول مرة، شاكيًا عدم تمكنه من تذوق اللحم الذي ارتفع ثمنه بشكل مخيف؛ وصار الكيلو منه بمائة قرش كاملة، طلب مني أن أقنع السكان برفع الأجرة الشهرية المخصصة له. اختارني لحُسْن معاملتي لابنه سمير، رغم تَبَرُّمه كثيرًا من إشغال بال سمير بالقراءة التي لن تفيده، كما يزعم، إلا أنه يحفظ لي دائمًا جميل دفاعي عن ابنه أمام «غلاسة» ابن صاحب المخبز، ومضايقة سكان العمارة. وعَدْتُ أبا سمير خيرًا، فانصرف ممتنّا، وعقلي صار مشغولا بالتفكير في حال البلد الذي لم ينصلح؛ قيل لنا إن الجنة الموعودة في انتظارنا بعد انتصارنا، ولم نشم حتى الآن ريحها، رغم مرور ثلاثة أعوام وشهور ثلاثة بعده، لا نعمنا بالانفتاح الاقتصادي، ولم يلفح وجوهنا سوى هجير نيران الأسعار التي أعلنوا أمس ارتفاعها، وكأنهم يرفقون بنا؛ لإحساسهم أن برد يناير هذا العام شديد، ويحتاج إلى تدفئة!.


      همسات زملائي الموظفين اليوم التي تحولت إلى همهمات، جعلتني أفيق من شرودي، وأسترجع المشاهد الحية التي رأيتها هذا الصباح السكندري الشتوي، طوال طريقي بسيارتي، الشيء الوحيد الذي أمتلكه في حياتي؛ حتى الشقة التي أسكنها بمفردي لا أمتلكها، ولكن أدفع إيجارها، مثلما كان يفعل والدي الراحل. تركت والدتي وأخوتي الصغار في مدينة دمنهور، ورمتني القوى العاملة في الإسكندرية، لا بأس؛ فهي مدينتي المفضلة. عربات الأمن المركزي ملأت شوارع الثغر، والغضب يملأ الوجوه العابرة، والشجن يتملكني حنينا إلى مستقبل لم يشرق بعد؛ وأنا شاب في الثامنة والعشرين من عمري، ولدت قبل ثورة يوليو بثلاث سنوات، وكان أبي يطمح في أن يراني ناجحًا، غير أنني خيّبت ظنه، ومات بعد أن اشتغلت بالشهر العقاري بعام، وأورثني سيارته، فصارت ملكي؛ بعد إبلاغي أمي أنني سأدفع نصيب أخوتي فيها كأقساط شهرية من راتبي.


    الهتافات بدأت ترتفع تحت مصلحة الشهر العقاري، تذكرت أنني منذ عدة أيام أعرت الولد الأسمر سمير ابن البواب رواية فتنته جدًا؛ لما قرأ عنوانها، اسمها «سومورو»، أشرق وجهه، وقال لي بعد أن قرأ عدة صفحات منها إنه سومورو السكندري، ضحكت لإطلاقه على نفسه ذلك اللقب، وقررت أن أناديه به!، وشاركته أحيانا في قراءة الرواية؛ لأرى مدى تأثره بأحداثها التي تزخر بتفاصيل كثيرة تتشابه معها تفاصيل حياته، حتى في الهتافات المطالبة بالــ .


    «فَطِنَ سومورو إلى واقعه الشقي؛ يثرثرون كثيرًا هنا تحت تمثال الحرية بشعارات جوفاء، أين هو منها، أليس له نصيب كما لذوي البشرة البيضاء؟!. يبدو أن أمثاله من الزنوج سيحلمون طويلا بعهد لن يجيء، وبمساواة لن تتحقق. سمار وجهه جعله يميل إلى بيع الورود البيضاء، أكثر من الحمراء، يرى في الفل والياسمين خلاصه من العبودية التي نشأ عليها والداه في خدمة السيد الأبيض، حتى الصحف التي يبيعها صباحا، كان تواقًا إلى النظر في هوامشها؛ حيث المساحات البيضاء!. لا هواية له بعد أن يعود من عمله سوى القراءة، يقرأ الكتب التي تحكي تاريخ أجداده في القارة السوداء، أفريقيا، ويمتن كثيرًا عندما يطالع سيرة إبراهام لينكولن المنادي بتحرير العبيد، وتدمع عيناه حسرة أنه لم يعش في زمن الزعيم مارتن لوثر كينج، إلا أن حظه لم يتخل عنه تمامًا؛ فقد أهدى له كونتا كونتي!.


    اضطر سومورو أن يغيّر نظامه الذي وضعه لممارسة الشقاء؛ استبدل ما يفعله بالليل وجعله نهارًا، وبدّل مهنة نهاره، ليعملها ليلا؛ بدلا من بيعه الصحف بالنهار، بدأ يبيع الطبعات الأولى منها ليلا، أما بيع الورد فأصبح نهارًا، والسبب كونتا كونتي!. منذ أن قرأ رواية «الجذور» لإليكس هيلي، وقد شغفته حبًا، وازدادت سعادته عندما عرضها التلفزيون كمسلسل ليلا، فغيّر خروجه لبيع الطبعات الأولى من الصحف بعد انتهاء الحلقة اليومية، ولحسن حظه أن المسلسل كان يُبَثُ قبل خروج الطبعة الأولى من المطابع.


    تفاصيل حياة كونتكا كونتي حفظها سومورو، تخيل نفسه هو ذلك البطل مع عدة اختلافات؛ أولها أن كونتا من دولة جامبيا الأفريقية، في حين أنه من كينيا، ثانيها أن والد كونتا المسمى عمر مسلم الديانة، أما والد سومورو فمسيحي، ثالثها أن كونتا تم خطفه من البيض عنوة وعندما قاوم كثيرا وحاول الهرب فقد قدمه، أما هو فقد جاء جده من كينيا بإرادته عندما ضاقت به سبل العيش هناك، ولم يكن هذا الجد يعلم أن إلغاء تجارة الرقيق التي نادى بها لينكولن ستلغي بالتبعية النظرة العنصرية من الأمريكان ذوي البشرة البيضاء، لأولئك السود المجلوبين من أفريقيا، أو القادمين بإرادتهم مثل جد سومورو، تحت وهم الحرية المنشودة. 


    لم تسر حياة سومورو كما يهوى طوال عرض مسلسل «جذور» في التلفزيون الأمريكي؛ فقد واجه مضايقات كثيرة من متعهد الصحف؛ تارة يرفض إعطاءه نصيبه من حصة الصحف المقرر بيعها بحجة أنه تأخر عليه الليلة، وأخرى يعطيه الحصة ناقصة، ومرة ثالثة يخصم من أجرته بعد البيع، وإذا تبرّم أو جأر بالشكوى، يسخر منه المتعهد ويطلب منه أن يأخذ حقه من كونتا كونتي!. 


    حتى الورود التي كان يبيعها في الصباح صارت تسبب له بعض المشاكل، كثيرًا ما تلقى توبيخا من الشارين لها؛ بحجة أنه لم ينظفها جيدًا من الشوك قبل بيعها، لم يكن يدري هو أنه قد تعمد نسيان الشوك ليجرح به أولئك البيض الذين عذب أجدادهم مُخَلّصه المحبوب كونتا كونتي!، ربما فعل ذلك عن عمد، وربما عن سهو، لكن في الحالتين تعرض للتوبيخ الشديد، وربما لهجوم أحدهم من البيض عليه ووخزه بشوك الورد حتى يدمى وجهه، أو تسيل الدماء من ذراعه، فيعود إلى الكوخ حزينًا خاسرًا يوميته التي كان يبتغيها في ذلك الصباح من بيع الورد، ولكن لا يطول حزنه، بل ينقشع بمجرد أن يجلس أمام شاشة التلفزيون في المقهى الذي يمتلكه أحد السود، والقريب من المنزل، ويمتلئ بأقرانه من ذوي البشرة السمراء صغارًا وكبارًا، ليتابعوا في سكون مقدس الأحداث اليومية من مسلسل «جذور».  
وما بين جرح بالنهار، وتوبيخ بالليل، عاش سومورو الفترة التي بينهما في حُلم لذيذ أنه سيأخذ بثأر كونتا كونتي يومًا ما»!.


    «أنور بيه.. يا أنور بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه».. و«يا ساكنين القصور.. الفقرا عايشين في قبور».. و«عبد الناصر ياما قال.. خلّوا بالكم م العمال».. و«هو بيلبس آخر موضة.. واحنا بنسكن عشرة فـ أوضة»... هذه هي الشعارات التي سمعتها من مكتبي بالشهر العقاري، فنزلت سريعًا مثل غيري من الموظفين إلى الشارع.. منّا مَنْ يقصد المشاركة في المظاهرات، ومنّا مَنْ ينوي الهرب إلى بيته!.


    لا أدري إذا كنت أريد المشاركة في الهتافات الهادرة في ذلك اليوم المشهود، 18 يناير 1977، أم أرغب في العودة السريعة إلى المنزل للاطمئنان على الولد الصغير سمير، خاصة عندما أسمع هتاف «أنور بيه يا أنور بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه»، الذي يُغيّره البعض بـ«سيد مرعي يا سيد بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه»، لا يهمني ضد مَنْ يجب الهتاف، هل نوجهه لرئيس الجمهورية، أم لرئيس مجلس الشعب، ما يهمني أنهم عندما ذكروا ارتفاع سعر كيلو اللحم، تذكرت على الفور البواب الذي زارني منذ قليل؛ لأنني أعرف ابنه جيدا، ولا أشك لحظة أنه سيخرج إلى المظاهرات ليهتف مع الهاتفين.


    وصلت ولم أجده، جريت إلى الشارع مرة أخرى، وبعد معاناة رأيته من بعيد، يندس وسط المتظاهرين، ويعلو صوته قدر الإمكان ليكون مسموعًا بينهم، يرفع يده اليمنى إلى أعلى ويصرخ، يقول مثلما يقولون.. زاحمت الناس لأصل إليه، سمعت أن الشرارة بدأت عندما خرج عمال شركة الترسانة البحرية في منطقة المكس هنا بالإسكندرية، لم تخْلُ هتافاتهم من المطالبة بإسقاط الحكومة أيضا، فلم يكن رئيس الجمهورية أنور السادات، ولا سيد مرعي رئيس مجلس الشعب وحدهما مَنْ نالهما السباب؛ بل حظي ممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء بجانب من الهتاف ضده؛ عندما صرخ الجميع: «بالطول بالعرض.. هنجيب ممدوح الأرض».


    اشتعل الحماس في صدور المتظاهرين، ولم تسكت قوات الشرطة؛ بل طاردتهم من شارع إلى آخر، هم يبادلونها بقذف الحجارة، وهي تُلقي عليهم القنابل المسيلة للدموع.. وما بين كرّ وفرّ، ودخان يحجب الرؤية، ويفقد التوازن، وصلتُ إلى سمير، وجذبته من ذراعه بالقوة، وعدت به جريًا، ولكن... طوبة طائشة شجّت رأس الولد، فانهمرت الدماء منها، وعصي كثيرة لا أعلم عددها جلدت ظهري ورأسي، ولم أدر بنفسي؛ فقد تلاشت كل مشاهد الحياة حولي، ووجدت نفسي سابحًا في فضاء لا مُتَنَاهٍ، تحيط بي طيور ما أبهى ألوانها، وأعذب صوتها.. إلى طريق لا أعلم منتهاه أنجذب، و... 




الفصل الثالث 



    أموت وأحيا في الشهر عدة مرات؛ فلم يعد الراتب يكفي تلبية احتياجاتي من شراء الكتب التي لا غنى لي عنها، ولا يكفي أيضًا توفير ثمن البنزين، أحيانا كثيرة أذهب إلى عملي بالشهر العقاري دون سيارتي، حتى إنني في آخر الشهر أسجل في دفتر الحضور والانصراف تأخيرًا متكررا، والسبب ترام الإسكندرية الذي يُسعفني في إفلاسي، ويخذلني في بطئه!. 


    ما بين تقريع المدير، وتَبَخُر الراتب، أعيش ولا أمل لي في الزواج، صحيح أنني لا زلت في عز شبابي، واحتفلت في مطلع هذا العام، وتحديدا في يوم 2 يناير بعيد ميلادي الثامن والعشرين، إلا أن حالة من الضباب أعيشها وأقراني من الشباب؛ فالغلاء يكوي الجميع، لا فرق بين طبقة متوسطة، وأخرى فقيرة؛ فالأولى تكاد تقترب من الفقر، والثانية أوشكت على الانحدار نحو هاوية العدم. أما الأغنياء، وهم قلة، فصاروا يتطلعون إلى مرتبة الحيتان.


    كنت سيد قراري عندما أصررت على ترك مدينتي دمنهور، التي ولدت فيها، والعيش في الإسكندرية، حاول والدي كثيرًا أن يثنيني عن رغبتي تلك، ولكن عنادي تغلّب، خاصة أن حجتي للإقناع قوية؛ وهي امتلاكنا لشقة في الإسكندرية، صحيح أنها إيجار، لكن لا بأس. 


    ساكنو العمارة من أطياف مختلفة، ومهن متعددة، نتفق كلنا على الرضى عن البواب الأسمر النوبي الجذور، وعن ابنه سمير ذي الاثني عشر عامًا، ربما يمارس بعضنا دور السيد في إظهار بعض العصبية تجاه البواب وابنه، إلا أنني لم أفعلها معهما قط؛ فقد آنست ذكاءً مشعًا من عيني الولد الأسمر الصغير، لمْتُ بسببه والده الذي أخرجه من المدرسة قبل أن يحصل على الشهادة الابتدائية، وألحقه بالعمل في فرن بلدي كصبي خباز. تحايلت على حرمان سمير من إكمال تعليمه بإمداده كتبي التي تملأ رفوف مكتبتي على سبيل الاستعارة، يقرأها ويستوعبها بسرعة غريبة، بل يناقشني في تفاصيل محتواها. حتى رواياتي التي أكتبها كان أحيانًا الناقد الأول لها؛ لأنني أهديه أول نسخة منها فور خروجها من المطبعة!.


    لم يكتف الولد بنهمه للقراءة في الأدب، بل كان يطلب مني كتب التاريخ والسياسة، وأحيانًا كثيرة أشرح له التاريخ القريب كما عشته بنفسي، لا كما دوّنَهُ المؤرخون. وإن كنت أنا وهو نعيش في ظل عصر سياسي واحد، رغم الفارق السني الكبير بيننا؛ فأنا ولدت بعد حادث المنصة الذي شهد اغتيال السادات بعام وثلاثة أشهر، وهو ولد قبل مطلع الألفية الثالثة بعام. كثيرًا ما جاءني ليسأل عن معنى الاستقرار السياسي كما يقرأه في الصحف التي أعيرها له، فأقول له ضاحكا إن معناها أن تظل محلك سر، فيعتريه حُزْنٌ شفيف، ويقول ببراءة صادقة إنه سيظل في شقاء طوال عمره ولن ينعم بالتغيير إلى الأفضل، أداعبه أن الأمل حتى وإن كان بعيدًا، غير أنه قد يأتي.


    لا يُغضبني ما كان يفعله ابن صاحب المخبز من غيرة مع سمير، لأنها محمودة؛ فقد أخبرني الولد أكثر من مرة أنه يضطر لإعطاء الكتاب الذي أعيره له لابن صاحب المخبز، حتى يظل في العمل ولا يشي به عند أبيه، وأنا بدوري كنت أنصح الذي يغار بالقراءة الجادة، رغم علمي بأنه ربما لن يفهم شيئا مما يقرأ، خاصة عندما يكون الكتاب رواية مترجمة عن أحد الكُتّاب العالميين.


    كم كتابًا قرأ سمير، لم أعد أحصي؛ لكثرة ما قرأ، كم رواية شغفته، أعتقد أنها كثيرة، ولكن الرواية التي قلبت كيانه تمامًا، وصار معها متقمصًا شخصية البطل، هي «سومورو»؛ فكلاهما، سمير وسومورو، متشابهان إلى حد التطابق في العمر، ولون البشرة، والظروف المعيشية، سعدت بحب سمير للرواية، ولكنني عجبت عندما رفض أن أطلق عليه لقب سومورو؛ وقال يومها إنه يعتز باسمه فقط!.
هل كان سمير «يقاوح» عندما رفض لقب سومورو؟!، أغلب الظن أنه كذلك؛ فَلِمَ إذن كل هذا الولع بقرينه الأمريكي؟!.. ولِمَ المتعة التي يجدها عندما يقرأ الرواية عدة مرات، إحداها بصوتي؟!.


    جاءني ذات يوم وطلب مني أن أشاركه القراءة، فعجبت ولم أرد طلبه، كان الولد عندما أقرأ له الرواية يُغْمضُ عينيه تماما، وكأنه يريد أن يعيش في أحداثها هناك بأمريكا، التي يتخيلها عندما يغمض عينيه، حتى لا يرى الواقع الذي يعيشه هنا في الإسكندرية، ظل طوال قراءتي للرواية على حالته تلك؛ الهروب من المكان والسفر بخياله إلى بلاد العم سام، فقط كان يعبر بملامح وجهه ويرسم «تكشيرة» وهو يجز على أسنانه وعينيه المغمضتين عندما أصل في القراءة إلى أحداث ملتهبة، يستشعر أحاسيس سومورو نفسها، حتى إنه كان يرجُف أحيانًا كثيرة وأنا أقرأ له، فأتوقف وأطلب منه أن يفتح عينيه ويلتقط أنفاسه التي كانت تلهث رغم أنني القارئ وليس هو، إلا أنه يصر على استمراري في القراءة، دون أن يطلب ذلك بشفاهه، بل بحركة من أصابعه، ولا يزال مغمض العينين!. أستجيب له في ابتسامة لن يراها، وإن كان يتوقعها ويشعر بها، ويحدثني عنها بعد انتهائي من القراءة!. لا أملك مع حالة سمير إلا العدوى منه؛ وأنا ألوم نفسي لِمَ لَمْ أقرأ «سومورو» وأنا في سن الثانية عشر، بل ولِمَ لَمْ أكن أسمرَ اللون مثله!.


    «يلوم سومورو نفسه لِمَ لَمْ تلده أمه قبل ذلك بسنوات، فيربت أبوه على كتفه باسمًا، ويخبره أنها إرادة الرب، فلا يعود إلى ذلك التساؤل الذي قد يُخرجه من الإيمان، وتجدها أمه فرصة لتقريع زوجها على عدم اهتمامه باصطحاب الولد للكنيسة، التي يتكاسل هو أصلا عن الذهاب إليها!. يبتسم سومورو من مشاجرة والديه المعتادة، وينسحب من الكوخ الذي يعيشون فيه، وينشغل بجمع الورد وتقليمه، وتنظيفه من الشوك، حتى يخرج لبيعه على العشاق البيض كما اعتاد كل مساء، ولكن الفكرة لا تغيب عن باله أبدًا، وتراوده كثيرًا عندما يتحسر على حاله من الشقاء الأبدي في بيع الصحف صباحًا، والورود مساء، وتُلحُ أكثر حتى تكاد تفلق رأسه عندما يرى دموع أمه بعد كل قسوة تتلقاها من السيد الأبيض وزوجته اللذين تخدمهما، نظير السماح لها ولزوجها وله هو سومورو بالبيات في الكوخ القذر بالحديقة، ولولا مهارة الأب في مهنته كبستاني، يحقق المراكز الأولى دائما في مسابقات أحسن تنسيق حديقة، وأجمل زهور بها، لطرد السيد وزوجته العائلة الزنجية من المنزل، ولما سمح لها ببيع الولد سومورو للورود، لعلمه أنها متوفرة بكثرة في حديقته، ولأن الولد يستعين أحيانًا كثيرة بزهور من الخارج يشتريها من أحد المشاتل ويبيعها. كل ذلك يجعل سومورو لا يكف عن الأمنية المستحيلة؛ أن يولد قبل ذلك بسنوات ليرى مَنْ اصطفاه بلقب قرأ عنه في الإنجيل؛ ليرى المُخَلّصَ!.. وهو يعتقد أن مُخَلّصه اسمه «لويس فراخان»، ذلك الزعيم الزنجي الذي استطاع حشد المقهورين من السود في لوس أنجيلوس العام 1992، وخرج معهم في مسيرة مليونية، تشبه الثورة على القهر العنصري الذي يمارسه الأمريكان ذوو البشرة البيضاء على نظرائهم السود، كان سومورو يحتقن كلما رأى معاملة قاسية من زبائنه البيض؛ عندما يبيع لهم الورد، بل كان يزعجه كثيرًا عندما يمزق أحدهم الصحيفة التي اشتراها منه ويلقيها على وجهه ويخطف غيرها!. دموعه اليومية كانت لا تسعفه في تخزين المزيد منها في العين، لكثرة الإدرار!. يهرب من واقعه للتاريخ القريب؛ عندما يقرأ ويسمع من والده البستاني عن الزعيم لويس فراخان، وهو يحدثه عن قدرته على تجميع الزنوج، كما فعلها من قبل الزعيم مارتن لوثر كينج، الولد يسأل أباه عن مارتن هذا، فيخبره، لكنه يقنع نفسه بالاكتفاء بزعيم واحد هو فراخان، خاصة أن سنوات بعيدة تفصل بينه وبين «كينج». ورغم تدين الولد سومورو الموروث عن أمه لا عن أبيه، إلا أنه لم يمانع في المباركة لما فعله الزنجي البطل «ويِلي هورْتونْ»، ذلك الشاب الأسود الذي تجرّأ واعتدى على شاب أبيض، بل واغتصب صديقته!، لم تغب الابتسامة عن وجه سومورو، بل تحولت إلى ضحكات ذات مغزى؛ عندما أخبره والده أن «عَمْلَة» هورْتونْ جعلت الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب يستغلها ذريعة لمهاجمة خصمه في انتخابات الرئاسة مايكل دوكاكيس، الذي كان حاكما لولاية «ماسا شوسيتس» التي شهدت جريمة الشاب الأسود هورْتونْ!. 


    فكر سومورو كثيرا في الشعارات التي كانت مكتوبة على قمصان الشباب السود الخارجين في المسيرة المليونية؛ »Justice  Just Us ؟» أي هل العدالة تطبق علينا فقط؟!. يبدو أنها كذلك، فَلِمَ إذن لا يحاسبون البيض على جرائمهم في حق السود؟، والسود وحدهم تهتز لجرائمهم أركان الولايات المتحدة الأمريكية كلها؟!».


    «إنت مش عارف أنا ابن مين؟!»، كلمات كثيرا ما سمعها سمير في الشارع السكندري، عندما كان يرى شجارا مشتعلا بين اثنين من الشباب، ينتهي بتفوه أحدهما بها، يغيب فيها الذي قيلت له في قسم الشرطة أياما، ويعود بعدها متورمًا وجهه من كثرة الضرب، حامدا الله أن تهمة أبشع؛ كحياذته للمخدرات مثلا لم تلحق به، إرضاء لعيون الشاب ابن الحسب والنسب، الذي يرتقي أبوه لمخالطة صُنّاع القرار في البلد، وربما يكون أحدهم!. يسألني سمير عن غياب العدالة، ويستعين بما قرأه في رواية سومورو بالجملة نفسها «هل العدالة تُطبق علينا فقط»، لا أجيبه سوى بهزة رأس لا تسمن جوعه إلى العدل المفقود!.


    لا أعلم أنا ولا يعلم سمير، لماذا تفرغ كلانا لقراءة رواية «سومورو» منذ مطلع عامنا هذا؛ أنتهي من قراءتها، فأعيرها له، ينتهي منها، فيطلب مني أن نكرر ما فعلناه قبل ذلك بقراءتي أنا واستماعه هو بحالته نفسها؛ مغمض العينين!. 


    «عودة سومورو هذا المساء إلى أبيه وأمه تختلف عن كل مرة، الفرحة تكسو وجهه، يرقص كما لما يفعلها من قبل، يتنطط، يغني، رغم رداءة صوته، يصرخ، ويردد عبارة سمعها الليلة في التلفزيون، يقولها كثيرًا كأنه يقنع نفسه أن خلاصه معها، بل خلاص السود جميعهم فيها، لا حاجة لهم اليوم لمُخَلّص غير قادر على إكمال المشوار، ها هو المُخَلّص الحقيقي بينهم، يعيش زمنهم، بل ساقه القدر الأروع أن يكون سيدًا على الجميع، البيض والسود على السواء؛ بقبضة يده يضرب سومورو الهواء وهو يقول «Yes»، ثم يكرر العبارة التي جعلته منتشيا Yes we can» »... يا فرحته وفرحة زنوج أمريكا كلها بزعيمهم باراك أوباما الذي فاز بانتخابات الرئاسة الأمريكية، أخيرًا تحقق الحُلم الذي طال انتظاره، وصار السيد منهم، صححت أمه له مقولته، لا يا سومورو لا سيد إلا الرب، والمسيح المخلّص، لا تكن أحمق مثلهم، تذكر المقولة الخالدة: «أحبوا أعداءكم»، و«باركوا لاعنيكم»... لا وقت يا أمي لتعاليمك الدينية، دعينا نحتفل بالانتصار!، يقولها سومورو ويجري معانقًا الهواء الذي يتنفسه، ومحتضنًا دنياه التي يعيش فيها، بل ومستغفرًا الرب؛ لطلبه المجيء إلى الدنيا قبل الآن بسنوات، فلا حاجة له بفراخان، فلديه أوباما!». 


٭٭٭٭ 


يوم غير عادي بدأ بذلك الصباح الشتوي، كنت أعلم أنه مُعَدٌ له سلفًا، فقد قرأت عنه في الفيس بوك كثيرًا، ربما لم ألحظ اهتمام سمير من قبل باحتفاظه بأعداد الصحف التي مر عليها شهور، وبها صورة الشاب الإسكندراني المغدور، كنت أرى سميرًا ينظر لصورته حزنًا تارة، وبابتسامة ذات مغزى تارة أخرى، لم أكن أعلم أن يوما سيجيء، وربما مرّ على ذهن سمير ذلك الخاطر، يعتبر فيه الولد الأسمر ابن البواب النوبي أن خالد سعيد الإسكندراني الذي يحتفظ بصورته في الصحيفة رغم ما بها من تشوهات، هو مُخَلّصه المصري!.. ولأنه شغوف دائمًا للمعرفة، سألني سمير بالطبع عن خالد سعيد، وأخبرته قصته كما عرفتها من أهل الاسكندرية جيران المغدور، وهي أن خالدًا لم يرض عن إهانة رجلي شرطة يعملان كمخبرين سريين له، وانتفض لكرامته، فأوسعاه ضربًا، وقاداه إلى القسم، وهناك نال المزيد من التعذيب الجسدي، انتهى بأن حشر رجال الشرطة لفافة بانجو في فم المسكين، وأجبروه على بلعها، فقضت عليه بعد أن اختنق، أما صحافة السُلْطة فقد روت قصة مغايرة، اتهمت فيها الشاب خالد بأنه يتعاطى البانجو، وإمعانًا في السخرية، خرجت عناوين صحفية بذيئة تقول إن خالد سعيد شهيد البانجو!.


     خفق قلبي بشدة عندما لم أجد الولد في حجرته بمدخل العمارة وأنا ذاهب للعمل، خطر لي أنه لن يكون أيضًا في المخبز، فقد حفظت مواعيد ورديات عمله، قال لي أبوه إن الولد خرج من الصباح الباكر ويحمل معه جريدة قديمة، يُقَبّل صورة منشورة بها، أدركت أن جهل البواب لم يسعفه ليعرف أنها لخالد سعيد، هرولت ناحية أحد ميادين الإسكندرية، ووجدته كما توقعت، يهتف مع الهاتفين، ويتلقى مثلهم غدر هراوات الشرطة وغازها المسيل للدموع، لم يكد ذلك اليوم الثلاثاء الموافق 25 يناير 2011 ينقضي، وأنا أحمد الله على سلامة سمير الذي عاد لوالديه، حتى علمت منه مساءً أن لا جدوى من نصائحي له بالالتزام بالبيت هذه الأيام، بل حدث ما لم أكن أتوقعه على الإطلاق؛ خرج سمير، للمرة الأولى، عن حدود احترامه لي، واتهمني صراحة بالجُبْن، لأنني أرفض مشاركته في صنع التاريخ!، هو قالها لي هكذا بالنص، لم أكن أعلم أن مثقفًا صغيرًا مثله يمكن أن يستوعب عبارة صناعة التاريخ، ولم أكن أعلم أن مثقفًا كبيرًا مثلي، قد يمنعه جُبْنُه عن الانخراط في ثورة طال انتظارها. لا جديد في يومي الأربعاء والخميس التاليين سوى مزيد من الإصرار الجماهيري، ومزيد من العَنَت السلطوي.. حتى جاء يوم الجمعة.. الأعصاب تزداد التهابًا.. والهتافات تشتعل بشكل غير مسبوق.. ليس وزير الداخلية هو المطلوب إقالته فقط، بل رأس السلطة... «يسقط يسقط حسني مبارك»...«ارحل.. ارحل»...«الشعب يريد إسقاط النظام.. الشعب يريد إسقاط النظام»... ربما كان هذا الهتاف الهادر هو أقوى هتافات الثورة، في كل مرة ينادي الثوار بذلك الهتاف، يسقط معه العديد من الشهداء... «الشعب يريد إسقاط النظام»... أسمعه هذه المرة بصوت قوي له قداسته وهيبته التي زلزلت نفسي، فهو صادر منه، من سومورو، أقصد من سمير، يجتهد أن يكون صوته أعلى من كل الأصوات، ولكن في الوقت ذاته اجتهدت السُلطة الغاشمة أن تُخرسه للأبد؛ رصاصة غدر اخترقت صدره، فسقط مضرجًا بدمائه، وعلى شفتيه ابتسامة آسرة، ولسانه يردد رغم صعود روحه إلى السماء: «الشعب يريد إسقاط النظام»!.


***


الفصل الرابع


   أتُشَبِّهُني به يا أستاذ؟.. حسنًا، فأنا أريد هذا التشبيه.. فأنا أراه شبيها بي فعلا، ورغم ميلي لأن أكون نفسي.. إلا أن ذلك الشبه يسعدني... هذا ما قاله لي الولد الأسمر سمير، وأدهشني به، فأنا لم أشبهه به أبدا، بل وأرى أنهما يختلفان حتى لو تطابقت ظروفهما المعيشية، وتقارب لون بشرتيهما، ولكن يبدو أن الولد «يتلكك»، ويريد أن يسمع أحدا غيره يوهمه بهذا الشبه!!.


    لم يفعلها سمير ابن البواب النوبي سوى هذه المرة، ينفعل، يتغير لونه، تختلط عنده مشاعر القلق مع اللهفة على معرفة مصير شبيهه بطل الرواية التي أعجبته جدا، كثيرا ما أعرته كتبا وروايات ليقرأها، ولكن رواية «سومورو» هذه كان لها تأثير مختلف تماما عنده؛ أشعرتني أن الولد الذي أجبره أبوه على ترك المدرسة، والعمل في مخبز قريب من السكن كصبي خباز، لم ينقطع يوما عن تلقي دروسه، لأن سرعة استيعابه ومناقشته لي في أحداث الرواية، لا يفعلها سوى من يدرس بانتظام، لا في المرحلة الابتدائية، بل كطالب جامعي. قرأها أكثر من مرة، وفي إحدى المرات طلب مني أن أعيد قراءتها، لأن فيها ما يشعره بتطابق أحداثها مع ما نعيشه في الفترة الحالية... وكأن الولد يقول لي إن سنوات عمري التي تبلغ هذا العام 2011 ثمانية وعشرين، أقل من منافسة خبرته القليلة التي استطاع بها قراءة المشهد السياسي والاجتماعي في مصر، وهو ابن الثانية عشر عامًا!. لا كِبْر لديَّ، ولا عُقَدة نفسية تجعلني أتعالى على صبيٍ مثله، فهو ابني الذي لم أنجبه، ابتسمت لملاحظته، وعاودت القراءة.


   «يا خيبة أملنا فيك يا مُخَلّصنا، بنيتُ قصورا في خيالي، سياجها من الحرية، ولبناتها من العدالة، ولكنها للأسف مجرد رمال لا تصمد أمام الرياح.


    لا أنسى ذلك اليوم أبدًا؛ عندما أنهيت صباحي ببيع كل ما لديَّ من صحف النهار، بخفة ونشاط لم أعهدهما من قبل، كانت فرحتي قد طغت على كل تصرفاتي، فصار وجهي مكسوًا بابتسامة طاهرة، فاض نورها، وشجع قراء الصحف أن يبتاعوا مني صحيفتين بدلا من صحيفة واحدة لكل واحد منهم، لا أعرف لِمَ عنَّ لزبائني أن يضيف الواحد منهم إلى صحيفته المفضَّلة صحيفة أخرى... باختصار كان نهاري غير عادي، وكان أملي أن تصير أمسيتي أيضًا مختلفة. لم أزاول مهنتي الثانية في مساء ذلك اليوم، لم أجمع الورود لأبيعها للعشاق، كان لديَّ حُلْمٌ أكبر، قد تندهشون إذا قلت لكم إن عُمْرَ هذا الحُلْم يتجاوز عدة قرون!؛ ولِمَ لا وقد أكون أنا أول من يفعلها؛ أذهب للقاء المُخَلّص، ويا له من مُخَلّص، لا يدانيه مثيله؛ تبوأ مكانة رفيعة في العالم، صار حاكمًا له، صرنا فرحين به، أحزاننا أوشكت على الانتهاء، ذُلّنا في العهود السابقة لن يتكرر، سيعترف بآدميتنا غلاظ القلوب، لن نتساوى بكلاب الشوارع الضالة بعد اليوم. 


    دون ملابس جديدة، ولا إضفاء زينة ذهبت، أريد أن أكون كما أنا، وكما كان هو من قبل، أليس مُخلّصنا من طينتنا ذاتها؟.. بشرته السمراء ستفضحه إن أصابه مس من الغرور، وبشرتي المماثلة السمار هي جواز مروري إلى قصره، بل إلى بيته الأبيض.
ممنوع يا ولد.. صدمتني الكلمتان.. عاندت.. ممنوع يا ولد.. زلزال لم أتوقعه، شعرت معه أن الأرض تميد من تحتي.. كررت المحاولة للمرة الثالثة.. ممنوع يا ولد.. ممنوع يا أسود.. انهرت.. فقدت توازني بالفعل.. سقطت على الأرض.. صرخت بأعلى صوتي، وإن كنت أشعر أن صراخي لم يسمعه أحد غيري.. اخرج لي يا باراك.. أنا هو أنت في طفولتك.. اخرج يا أوباما.. كلانا سومورو، وكلانا باراك.. نعم كلانا باراك.. اخرج لي.. صدقني سأعيرك اهتماما أفضل من ذلك الذي تفعله معي الآن؛ عندما أكون ذات يوم في هذا البيت الأبيض المتغطرس، وتكون أنت شيخًا متوكئا على عصاه يسير أمام ماضيه المبهر علّه يستمد أملا أن يمر ما تبقى من عمره في سلام دون منغصات ترده إلى ماضيه الأبعد. اخرج لي يا أوباما.. يا لك من مُخلّصٍ زائف.. ويا لي من أحمق أنني صدقتك.. اللعنة على العرش الذي أنساك بني جلدتك.. بل اللعنة علينا جميعًا أن صدقنا أوهامنا بالعيش في كرامة، لا يريدونها لنا.


   خرج المخلّص، ألقى ابتساماته البلهاء، يحيط به حراسه من ذوي البشرة البيضاء، حاولت الصراخ.. خذلني لساني.. وعاندتني دمعة ساخنة حاولت منعها، ولكنها بسرعة فائقة جرت على خدي مخلفة وراءها خطًا ألهب بشرتي!».
دمعة فرحٍ صادقة، رأيتها تلمع في عين سمير، ولم يمنعها من النزول، استقبلني بها وهو يحدثني بفخر واعتزاز عما رآه في شوارع الإسكندرية الأيام الماضية، وبصوتٍ متهدج يتجاوبُ مع دموعه ودموعي، كرر الولد ما سمعه: الجيش والشعب إيد واحدة.


   «لم نعد يدا واحدة ضد كل من يهين إنسانيتنا، أنت مثلنا عانيت، ونحن مثلك كان أملنا كبيرًا، ظنناك مُخلّصنا، فصرت جلادنا، أعلنت منذ بداية ارتقائك العرش، أن عصر الهوان والاستبداد ولىّ، ولكنك تفعل مثل سابقيك، لم نكن نتخيل أن حلمنا الذي طال سيتحول إلى كابوس».


   سألني سمير عن سبب كتابة سومورو لهذا الخطاب إلى أوباما. ابتسمت، وأشرت له بالسكوت حتى نشاهد سويا هذا البث المتواصل من إحدى الفضائيات. صمت الولد وجلس بجواري مشدوها، وهو ينظر إلى الشاشة، ويختلس من حين لآخر نظرة إلى صالة معيشة شقتي التي يدخلها للمرة الأولى... الهتاف يتصاعد من الفضائية، «يسقط يسقط حكم العسكر»، ينظر سمير لي وأنظر له، وبيننا على المنضدة رواية سومورو. دون أن أطلب منه ذلك، أخذ الرواية وبدأ يقرأ، في الوقت الذي يأتينا صوت محلل سياسي من شاشة الفضائية: «ما حدث اليوم في شارع محمد محمود المتفرع من ميدان التحرير بالقاهرة، يجب أن يتحمله المجلس العسكري وليس غيره، هو وحده المسؤول الآن عن الحكم.. لم نقم بثورة ونتخلص من ديكتاتور حتى نواجه ديكتاتورية العسكر.. أحترم من يقول إنهم وجدوا أنفسهم في مأزق سياسي رهيب، اعتصامات مستمرة، مطالبات بتحقيق شعار الثورة الأهم، وهو العدالة الاجتماعية، فضلا عن العيش والحرية طبعا.. ولكن لن يعفيهم التاريخ أبدا، وسيظل يوم 19 نوفمبر 2011 علامة فارقة في تاريخ العسكر، وهو يوم قنص العيون».


   وفي قناة فضائية أخرى، اختلف المحلل السياسي، ولكن التحليل اتفق؛ «كيف يصمت المجلس العسكري عن هذا الضابط الشاب من ضباط الشرطة، وهو يُصوّب بندقيته تجاه أعين الشباب الثائر، وسط ترحيب خائب من جنود بلهاء، وهم يقولون له «جدع يا باشا.. جاءت في عين الواد»؟.. وكيف يُنكر وزير الداخلية منصور عيسوي واقعة استخدام ضباط الشرطة لاستخدام الخرطوش؟.. ما يحدث سيظل محفورا في عقول الشباب، وقلوبهم أيضا، وسيمحو صدى صوت الهتاف الهادر في أول الثورة؛ الذي قال إن الجيش والشعب يدٌ واحدة».   


   صوت سمير بدأ يغطي على صوت التلفزيون، عندما ارتفع وهو يقرأ، واحتراما له، أغلقت صوت التلفزيون تماما واكتفيت بالمشاهدة، أشاهد الصورة فقط، وأستمع إلى سمير:


   «مازلنا نعاني من غطرسة السادة.. لم نأت بك إلى الحكم لتصير سيدا مثلهم، وإنما أردناك سيدا عادلا.. أردناك مُخَلّصا.. لا تبرر تقصيرك في حقنا.. الاقتصاد بنا يرتفع، وبنا ينخفض.. لا يمكنك تجاهلنا، فقط نريد العدل.. هل تفهمني يا سيّد؟!».
فهمت بسهولة سر حزن سمير، بل شاطرته الحزن؛ فالثورة التي حلمنا بها لتكون خلاصنا من استبداد قلة ثرية، منتفخة أوداجها، تزعم أن السيادة لها وحدها، تتعثر الآن، والمدهش أن «العسكر» الذي ساند الثورة، هو الذي فقد البوصلة، ويُجدّف بنا في مياه غير التي اخترناها، رغم أنهم منذ تسعة وخمسين عاما عندما بدأوا هم حركتهم ضد القلة نفسها مالكة المال والجاه، كنا نحن كشعب مَنْ نساندهم، فصارت الحركة ثورة، فلا نريد هذه المرة أن تصير الثورة حركة، أو تتضاءل فيما بعد لتغدو مجرد استيلاء على السلطة!.


    ناقشني سمير في هواجسي التي أطلعته عليها، وافقني، وأضاف أن الهتاف ضد حكم العسكر ليس تشكيكا في وطنيتهم، بل رفض لموقف التخاذل الذي أبدوه أمام رغبات الشعب المتعطش للديمقراطية، ودرءا لتهمة قد تلاحقهم وهي انحياز لا نرضاه لهم تجاه فصيل دون باقي الفصائل، مهما «تمسكن» هذا الفصيل، وتباكى أنه كان ممنوعا عقودا طويلة تزيد على الثمانية، لأنه يضمر عكس ما يُظهر، يرى أن الديمقراطية سُلّم، يجب أن يتخلص منه عندما يصل إلى السلطة!.


   درسٌ آخر من الدهشة فاجأني به الصغير سمير، صغير؟.. والله لم أعد أدري مَنْ منّا الصغير!؛ ألهذا الحد نضج عقله لدرجة قد تفوق نُضج عقلي أنا؟!. أحدثه عن عسكر 52، وعسكر 2011، ويحدثني عن الانحياز وعواقبه الوخيمة، بل ويبرر لي ما فعله عسكر يوليو مع محمد نجيب، خوفا من انحيازه للفصيل نفسه الذي طمع في السلطة وقتها، ويطمع فيها حاليًا.. يُذكّرني بحزن سومورو، وخيبة أمله في المُخَلّص الذي جاء من بني جلدتهم. هل أنت مُعَلّمي أم أنا مُعَلّمُك؟... سألته، فابتسم، وقال لي في هدوء إن الثورة ثورة الجيل الأصغر على جيل شاخ وتجمّد عقله، فلم يعد يملك القدرة على الابتكار. لم يدعني لدهشتي التي جعلتني أتحسس دون أن أشعر جلد يدي ووجهي، وكأنني أقول له إنني لا زلت في عنفوان شبابي، عاجلني بابتسامة صافية، أتبعها ضحكة بريئة وهو يقول لي: أصغر منك بيوم يثور قبلك بسنة!!. 


***


الفصل الخامس 


 «بئس الفوز الرخيص الذي حققته.. بل بئست النسبة المئوية التي حصلت عليها، أعترف أنك الآن لم تكن تستحق هذا الربح؛ فهو نتيجة خداع الجماهير، إن لم تكن عريضة، فإن لها وزنها الانتخابي... أيُّ شيطان وسوس لك أن تستخدم ورقة الدين فى الدعاية لنفسك؟!، ويا ليته كان دينك ودين آبائك وأجدادك، فأنت أيها البائس حائر بين ثلاثة أديان؛ الإسلام الذي خدعت به أصحابه عند ترشحك لمنصب الرئاسة، وخاطبتهم بعد أن خلعت نعليك في مسجد تاريخي يسمى ”السلطان حسن“ بالعاصمة المصرية القاهرة، جعلك دراويش المسلمين بعدها وليَّا من أوليائهم، وكادوا يُلبسونك العمامة الأزهرية التي ترمز لمسجدهم الشهير الذي شهد نضال المسلمين ضد الفرنسيين منذ أكثر من مائتي عام. لا يعلم المصريون السذج، والمسلمون في جميع أرجاء الدنيا أنك أنت الذي ألبستهم العمامة فيما بعد، بحسب تعبير طريف قرأته في قصة عربية قديمة مترجمة إلى الإنجليزية... قلت لهم إنك تُكّن للمسلمين ودّا ومحبّة، لأن والدك مسلم، صدقوك، وأغضبت وقتها اليهود، ولولا أننا ناصرناك بقوة، لأنك كنت لنا مُخلّصا من شعور العبودية الطاغي؛ بسبب سواد جلودنا، ما تسنى لك أن تدخل البيت الأبيض، وتصير سيّده. بحق الشيطان لِمَ ارتددت إلى الخلف، وارتميت هذه المرة في أحضان اليهود؟!، لِمَ أعلنت لهم أن القدس عاصمة لإسرائيل؟، لِمَ أغضبت المسلمين الذين راهنوا على قدرتك على إرجاع حقهم في مسجدهم الأقصى كما يزعمون؟... إنني كمسيحي لا يعنيني الأمر سوى أنني للعدل أميل، أنت زاوجت بين الدين والسياسة، ربما خوفا من المتشددين اليهود، وربما نازعتك عنصرية بغيضة، سيطرت على سلفك جورج بوش الابن؛ عندما قال ذات يوم إن صراعه مع الإرهابيين المسلمين يُذَكّره بحروب الصليبيين القديمة!. وربما خدعك اليهود بدموعهم التي لا تجف، ولا أدري إن كانت حقيقية أم دموع التماسيح، وهم يبكون على أجدادهم الذين هلكوا في محرقة الهولوكوست، في زمن الزعيم النازي هتلر، ولا أدري أيضا إن كانوا يبالغون في هذه الحادثة أم لا!.


   صفعة قوية تلقاها الصغير سومورو من أبيه على وجهه، ربما هي المرة الأولى التي يفعلها أبوه، وذلك بعد أن قرأ هذا الخطاب الموجه إلى باراك أوباما بتوقيع الولد... وعندما تحجرت الدموع في مآقي سومورو بسبب الصفعة، لم يدر ساعتئذ إن كان عقاب أبيه له خوفا عليه من غضب السلطات الأمريكية، أم من غضبة أعنف وأشد لليهود!... انسحاب والد سومورو من أمام الصغير، بعد أن طأطأ رأسه، وهو يتمتم بكلمات عهدها الصغير في أبيه، ومنها أنه يكافح كبستاني لحديقة السيد الأبيض، وكذلك تفعل أمه التي تعمل كخادمة من أجل توفير الغذاء والكساء له، وربما الدواء الذي سيحتاجون إليه بسبب شقائهم الأبدي!، إلا أن كلمات أخرى تمتم بها الأب هذه المرة، وكاد أن يلطم سومورو مرة أخرى على وجهه، غير أنه تراجع، وهو يضم أصابعه الخمسة، ويهز كف يده اليمنى، ويجز على أسنانه قائلا: نحن لا نقدر على غضب الموساد يا ولدي.. هل تفهمني يا أحمق؟!».


   دموعه جرت على خديه لأول مرة، لم أعهد أبدًا في الصغير سمير ذلك عندما أقرأ له، منذ أبديت تعاطفًا صادقًا مع ذلك الصبي ذي الاثني عشر عامًا، بسبب حماقة أبيه البواب النوبي الذي أخرجه من المدرسة، وألحقه بفرن بلدي. كم من الكتب أهديتها لهذا الولد الأسمر؟، صدقوني لم أعد أتذكر، فهو ماهر في القراءة، ومدهش في الاستيعاب والمناقشة معي لما قرأ، حتى رواياتي يقرأها بعين الناقد الحاذق، وأكاد أخشى نقده أكثر من اهتمامي بتعليقات زملائي في مصلحة الشهر العقاري الذين يقرأونها، وربما لا يفهمون!... هذه المرة أرعبتني دموع سمير، وهو يستمع لي وأنا أقرأ له جزءًا من رواية «سومورو».. ليست دموع فرح كما فعل أول مرة عندما أهديته الرواية، وقرأ سطورها الأولى وقال لي، بل وقلت له في نَفَسٍ واحد: أنت سومورو.. أنا سومورو!... هذه دموع خوف صادقة، ربما من مجهول قادم، وربما من حاضر مبهم... ولولا أن سنوات عمري التي تزيد على عمر سمير بستة عشر عامًا، تجبرني أن أتجلد كما يليق بأستاذ ومعلّم له، لشاطرته الدموع، وشاطرني الرعب!.


٭٭٭٭


كلما أتناسى جُبْني، يُذَكّرُني به!، لولا أنني أرعى هذا الولد الصغير كابن لي، أو كتلميذ نجيب، لعاقبته على جرأته التي تساهلت حيالها، لا أنكر ذلك؛ حين اتهمني أول مرة بأنني جبان عند اندلاع ثورة 25 يناير 2011. صار سمير يتذكر الأحداث المهمة التي مرت بها الثورة؛ بل ويحفظ موعد ذكراها باليوم والساعة التي حدثت فيها؛ لم تعد قراءة الكتب والصحف وحدها هي التي تشغله؛ بل مشاهدة الفضائيات أيضًا، كثيرًا ما صعد إلى شقتي ليشاهد التلفزيون، وإذا ضبطني أشاهد مسلسلا أو فيلما، يكاد يأمرني وهو يسخر أن أبحث بالريموت كنترول عن البرامج السياسية. كان يشاهد أحيانًا كثيرة وهو غاضب، ليس ما يراه على الشاشة فقط، بل لمنع أبيه له بالقوة، حتى لا يخرج إلى ميدان المنشية بالإسكندرية، أو إلى ميدان القائد إبراهيم ليشارك الثوار مطالبتهم باستكمال الثورة... كان يهتف معهم وهو أمام شاشة التلفزيون في الجمعتين المتتاليتين؛ 12 أكتوبر، 19 أكتوبر 2012، الأولى المسماة «جمعة كشف الحساب»، والثانية «مصر مش عزبة».. يهتف مثلما يهتفون: «يسقط يسقط حكم المرشد»، و«النهضة طلعت فنكوش.. والـ100 يوم لسّة ما بدأوش»، و«بيع بيع بيع.. الثورة يا بديع». 


   وفي ذكرى محمد محمود الموافقة يوم 19 نوفمبر 2012، عندما رأى عنف النظام الإخواني يشتد ضد الشباب الثائر على تكويشهم، واحتكارهم للسلطة، صرخ سمير بأعلى صوته: عبد الناصر قالها زمان.. الإخوان ما لهمش أمان.


   هذا الصباح الموافق الأول من فبراير 2013، استيقظت على صراخ أم سمير، وتوعد أبيه البواب لها بالعقاب، نزلت كما فعل بقية سكان العمارة لنستطلع الأمر، عرفنا من الوالدين أن ابنهما غير موجود.. مر النهار بطيئًا، وقد ساورني القلق؛ ربما يتحقق ما أتوقعه.. لم تمض سوى ساعات، ونحن جميع سكان العمارة اجتمعنا على هدف واحد هو مواساة والدّي سمير، وبث الطمأنينة في قلبيهما، وفجأة سمعنا صرخة إحدى الساكنات في الدور الأول، وهي تفتح باب شقتها، ولم تكد تنتهي من ندائها على أم سمير، حتى شاركتها الأم الصراخ، من قبل أن تعرف سبب ندائها عليها!.. سمير تسحله قوات الشرطة أمام قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة.. الفضائيات جميعا تبث المشهد المرعب.. جنود مدججة بالعصي تركل وتضرب الطفل الصغير، ثم تجره سحلا على الأرض، وهو يكتم ألمه كما يليق بثائر صغير، قبل أن ينفجر بالبكاء، ليس على ألمه، بل على هول ما رأى من قسوة لم يكن يتوقعها من جنود الشرطة، وكأن ثورة لم تندلع في مصر ضد ممارسات نظام بوليسي قمعي.. كل ذلك حكاه لي بالتفصيل عندما زرته في إحدى المستشفيات مع أبيه وأمه.. غير أن الأشد ألمًا لسمير هو سماعه -بدهشة- لأقوال والده البواب للإعلاميين ووكالات الأنباء، أن الثوار هم الذين ضربوا وسحلوا ابنه، وأن الشرطة كانت تحميه منهم، طبعًا والد سمير لم يقل إنهم ثوار، بل أسماهم بلطجية!.


 لا ييأس سمير، ولا يهدأ، يخرج في كل مظاهرة، يهتف كما يهتفون «الشعب يريد إسقاط النظام».. «الشعب يريد إسقاط الإخوان».. «ارحل يا مرسي.. ارحل يا مرسي».. «يسقط يسقط حكم المرشد».
 يُعنّفه أبوه، الذي فوجئنا به نحن سكان العمارة جميعًا يطلق لحيته، وبعد فاصل من التعنيف، يتجرأ علينا صارخًا: اتقوا الله.. أنتم لا تريدون تطبيق شرع الله.. ثم يتمتم بكلمات لا يفهم معناها، وهو يقول لنا بترتيب خاطئ للحروف: «أنتم برياللين كفار»!.. ولكن الأغرب أن أم سمير كانت تدافع عن ابنها وتُعنّف زوجها متسائلة: «منذ متى هذا التدين الذي هبط عليك يا رجل؟، وأنت لا تركعها سوى يوم الجمعة، وفي شهر رمضان فقط».. بل إنها تكشف لنا سرًا أخطر؛ أنه رغم إطلاقه لحيته مؤخرًا، غير أن عادته لم تتغير، ويواصل سبّ الدين كما اعتاد!، وطبعًا لا يزال هاجرًا للصلاة، ولم يفعل سوى إطلاق لحيته!.. ومن الطريف أنه حين يصفع زوجته بعدد وافر من الكفوف على وجهها، يُطأطئ رأسه، ربما خجلا من نفسه، وربما لأنه لا يُنكر صحة ما تقول وهي وسط بكائها ودموعها، إنه كان في النظام السابق يهتم بحلاقة ذقنه يوميًا، خوفا من رجال الشرطة، حتى لا يتهمونه أنه تابع للجماعات الإسلامية، وحاليًا أطلق لحيته خوفًا، أيضا، من رجال الشرطة، ليدفع عن نفسه تهمة «البربرلالية»، والعياذ بالله!!!


 لا أدري هل أضحك على هذا البواب الجاهل، أم أرثو لحال الولد النابه سميرالذي يرى مسلسل الشجار المتكرر يوميًا بين أبويه، يلوذ بي لأهديه إلى الحل، فلا يرى مني سوى هزة رأس متأسفة، تُكرّس لديه رأيه فيّ أنني جبان!!.


٭٭٭٭

 «طوال الليل ظل سومورو يعاني من نظرات رواد كازينو العشاق المريبة له، لم يشأ أحدهم أن يشتري منه وردًا كما يفعل كل ليلة، ربما لاحظ تلك النظرات في الصباح أيضًا، عندما كان يبيع الجرائد.. وربما اندهش كذلك، لأنه عاد برزمة الصحف كما هي، دون أن يبيع منها صحيفة واحدة.. كانت النظرات كلها تركز على وجهه، ولذا كان من الطبيعي أن يهرول الولد الأسمر سومورو إلى المرآة فور عودته إلى الكوخ الذي يعيش فيه مع أبيه البستاني وأمه الخادمة... «بربش» بعينيه عندما شاهد وجهه في المرآة.. ظل يغمضهما ويفتحهما.. وجهه الأسمر لم يعد أسمر!.. هاله ما رأى.. خرج سريعًا من الكوخ.. ظل يجري في الحديقة.. نادى على أبيه وأمه، ولا مجيب!... أين القصر؟.. لم يعد.. أين البنايات التي تحيط به؟.. لا توجد.. هل تغيرت الدنيا من حوله دون أن يدري؟.. عاد بسرعة إلى الكوخ، التقط إحدى الصحف التي لم يبعها صباح اليوم.. نظر فيها.. أدهشه ما قرأ.. عاود التحديق بدهشة أكبر.. معقول؛ التاريخ يشير إلى شهر يناير 2050، والخبر الذي يجيء بعد المانشيت الرئيسي تقول سطوره: إننا نحن أبناء أوروبا لن يهدأ لنا بال، قبل أن نتخلص من هذه الحشرات الطفيلية المسماة بالهنود الحمر.. يحق لنا السيادة على الأرض الجديدة، وواجب عليهم خدمتنا أو سنقتلهم لنتخلص من شرورهم!.. قذف سومورو الصحيفة من بين يديه، وخرج مذعورًا، ليجد أمامه رجلا أبيض يُصّوّب ناحيته بندقية بدائية»!.


 لم أكن وحدي؛ بل اصطحبني سمير لهذا الاحتفال الضخم، منذ سمعنا أصوات الجنود وهم يأمرون الشعب للتجمع في الساحة الكبرى؛ ليشهدوا الحدث الأبرز؛ تنصيب الحاكم الجديد.. إلى هناك ذهبت، وسط إطلاق الصواريخ الملونة التي تغطي ساحة العرض، والبالونات الطائرة تُشكل في السماء ألوانا زاهية، والجنود على الأرض يكتبون بأجسادهم.. مصر 2050.. وبعد ساعة واحدة أو تزيد قليلا، خرج علينا المنادي بصوت عال: الآن يدخل علينا أمير المؤمنين.. انحنوا تعظيمًا وإجلالا لخليفة المسلمين.. وقد اشرأبت أعناقنا، دخل علينا بثيابه الفرعونية المعروفة، وسط نداء الكاهن الأعظم: اركعوا للفرعون الإله.. اركعوا لابن آتون.


 ركعنا، ولا يستطيع أحدنا أن يعصي الأوامر، وما كدنا نرفع رأسنا، حتى رأينا وجهه متلألئا كفلقة القمر، والحاجب يهتف فينا: حيّوا مولانا السلطان المملوكي الشجاع.. أدينا له التحية، وبادلنا بهزة رأس، حافظ خلالها على طربوشه الأحمر كي لا يقع!.. إنه أعدل خديو من أولاد محمد علي باشا.. ابتسمت وكذلك سمير، ونحن ننظر حولنا، فجاء ضباط يرتدون الزي العسكري الحديث، وهم يأمرون الصفوف أن تفسح الطريق؛ لأن البكباشي الملهم سيدخل ساحة الاحتفال الآن.. وصل إلينا بنظرات عينيه الحادة الواسعة، وبقامته المديدة، وبخصلات الشعر الأبيض التي تغطي فوديه، متأبطا عصاه، وفي يده غليونه الشهير، وتلمع صلعة رأسه عاكسة ضوء الشمس الذي أوشك على المغيب.. هتفنا له: المنحة يا ريس، فنصحنا وهو يمد شفتيه الكبيرتين، ويضع يده على أذنه التي لا يسمع بها جيدًا: تفتكروا إني هاقدر أدفع مرتبات لكل الملايين دي؟.. كبّروا دماغكم!.. صدمنا بكلامه.. هتفنا له صادقين: الجيش والشعب إيد واحدة، فقال لنا بوجه جامد، عندما شكونا له موت اثنين وسبعين طفلا وشابا في مقتبل العمر: عادي جدا.. بتحصل كتير في مباريات الكرة، سنصرف لكم التعويضات!.


 خرجت مع سمير من هذا الاحتفال الذي أصابنا بإحباط زائد.. وقبل أن نخرج إلى الشارع الرئيسي، وجدناه خارجا يحيط به عدد من الحراس يفوق كل مَنْ سبقوه، وهو يصرخ: إنني أخشى أن أفعلها.. وها أنا أفعلها.. سأدخل الحارة المزنوقة؛ لأطهرها من الأصابع التي تلعب في الظلام!! 


   مكتئبًا مضى يومي، وأنا أنظر إلى ساعتي فترة  بعد أخرى، أعد ما تبقى لى من وقت لأغادر مصلحة الشهر العقاري التي أعمل بها، لا أدري لماذا أشعر بالعطش منذ بداية هذا الصباح، لم تَرْوني أكواب المياه التي جاء لي بها الساعي، حتى زجاجة المياه المعدنية التي شربتها زادتني عطشًا على عطش.. وقبل موعد الانصراف بنصف الساعة، دخلت فتاة غاية في الجمال، سنوات عمرها لا تزيد عن الخامسة والعشرين، ترتدي جلبابًا ريفيًا نظيفًا، ويغطي رأسها منديل بـ«أوية»، سمراء فاتح لونها، ابتسامتها تسبق خطواتها نحوي، رحبت بها، فأخبرتني أن أغرابًا يريدون الاستيلاء على أرضها، بمساعدة أقارب لها خانوا عهدهم مع والدها الراحل، حدثتني بحكمة من يزيد عمرها على سنوات طوال، قالت إن الأرض أرضها، وهي لا تشك لحظة في ذلك، ولكنها أرادت أن توثق عقد ملكيتها لها، لأنها كانت مثل أبيها الراحل لا تتوقع الخيانة من أقاربها، والآن بعد وفاته، وطمع الأغراب، وخيانة الأقارب.. وجب التوثيق.. فعلت ما طلبته مني.. لاحظت أنني أشرب كثيرًا.. ابتسمت لي في هدوء، وهي تُخرج من حقيبتها «زمزمية»، قالت لي: «اشرب من هذه؛ لأن بها ماء النيل الرائق.. لن تعطش بعده أبدًا». شربت.. ارتويت.. و.. اختفت!


  قبل أن أتجه إلى الأسانسير، جاء سمير يجري نحوي لاهثًا، قال لي إن فتاة رائعة الحسن والبهاء ترتدي زيًّا ريفيًّا جاءته إلى الفرن، ربتت على كتفه، وأعطته ماء ليشرب بعد أن جف ريقه وهو أمام نار الفرن.. سألته عن أوصافها، فوصف الفتاة التي زارتني في العمل!!


   تجيء يوميا لكلينا، نشرب من ماءها.. نرتوي.. ننتعش.. بعد شهر اختفت.. أسبوع مضى ولم تأت.. شهر أيضًا وواصلت الغياب.. عطشنا.. دون اتفاق بيني وبين سمير، خرجت معه لنبحث عنها.. اتفقنا أن نطلق عليها اسم «بهية».


تمت،
القاهرة - قنا
           من الاثنين 1-10-2012
         حتى الجمعة 10- 5- 2013



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء