د. إيمان الأمير: إعادة ترتيب






     عدت إلى المنزل بعد يوم عمل عادي بدون أي أحداث درامية، ودخلت غرفتي ﻷجد أن كل شيء فيها ليس في مكانه، حتى أننى لم أدرك لأول وهلة كيف كان  شكلها قبل أن أخرج هذا الصباح.



   جاءت أمي وهي سعيدة ﻷ نها فعلت إنجازًا عظيمًا فقد إستطاعت إعادة ترتيب المكان بشكل كامل و انتظرت أن يسعدني هذا التغيير، على غير توقعها وتوقعي أنا أيضًا لردة فعلي كانت إجابتي صادمةً لها، لكنى كنت سعيدة بالترتيب الأول ولا أري أي معنى لهذا التغيير.


   زالت علامات اإبتسام من على وجه أمي وقالت في حدة غدًا يعود كل شيء إلى مكانه وتركتني ومضت.. وجدت نفسي ﻻ أستطيع النظر إلى الغرفة ولا المكوث فيها، وقررت النوم في الغرفة المجاورة.


    لم تعد غرفتي لشكلها السابق و أعيد ترتيب كل قطع اﻷثاث واتجاهاتها، أحسست أنى غريبة فيها وسألت نفسي ولماذا أثر في نفسي هذا التغيير بهذا الشكل، حتى أنني لم أرد أن أنظر إلى الغرفة وأزورها فقط إذا احتجت إلى بعض الملابس و أخرج منها في سرعة وكأنني لا أريد أن أراها.

    مرت أيام وأنا أذهب كل صباح أختار ما أحتاجه من الغرفة وأعود للغرفة المجاورة حتى تناسيت أنها كانت غرفتي، وشيئا فشيئا تلاشي شكلها القديم من ذاكرتي ولم أعد أذكر كيف كانت تبدو من قبل. 



    تأملت هذا الموقف وبدأت أفكر وأطرح على نفسي بعض اﻷسئلة ربما استطعت أن أجد إجابات، هل لو كانت أمي أخذت رأيي في هذا التغيير قبل عمله كانت ستتغير وجهة نظري؟. 



   هل أعطيت نفسي الفرصة لتأمل هذا التغيير الذي قامت به فربما يعجبني؟ هل أصررت  على موقفي من رفض هذا التغيير لوجود غرفة أخري يمكنني النوم فيها؟. 


  لماذا لم تقم أمي بإعادة الغرفة إلى وضعها السابق ؟ ولماذا لم أعد إلى غرفتي بعد أن صار شكلها معتادًا بالنسبة إلى ؟.

    دارت كل هذه الأسئلة في عقلي وتزاحمت إجابات مختلفة كل منها يحاول أن يكون أكثر إقناعًا ويفوز بكونه الإجابة الصحيحة، و أدركت شيئًا جديدا عن نفسي، ﻻ توجد إجابة واحدة صحيحة لكل ما سبق وسألته لنفسي، ربما إذا كان أحدكم في هذا الموقف لكانت له إجابات مختلفة وكلها مقنعة و لها معنى.



    لكنني استخلصت مما سبق أن الإنسان يعتاد بعض الأشياء في حياته وﻻ يفكر في تغييرها حتى لو كان التغيير مفيدًا، إذا حصل هذا التغيير ولم يكن هو جزء منه ربما رفضه لأنه لم يشارك فيه حتى لو كان يرغب بهذا التغيير في الأساس.



   دائما توجد حلول بديلة وعندما تقرر أن تلجأ الى البدائل فإنك تتغاضي عن أمور كثيرة ربما كانت تهمك سابقًا فقط من أجل أن تعلن رفضك لتغيير لم تكن أنت جزء منه، كل ما هو غريب أو مستغرب بمرور فترة زمنية وجيزة يصبح مألوفا وتعتاده العين حتى أنها تكاد تنسى شكله قبل ذلك.



    إذا أحسست أن رياح التغيير قد هبت في طريقك فتلقائيا ستجد  نفسك تقاومها، ﻻ ضرر في أن تقاوم ولكن لا تكن عنيدًا للنهاية وأمهل لنفسك فرصة لتري هذا التغيير فربما أعجبك.



   لن تكون جزءًا من التغيير في كل ما حولك طوال الوقت فإذا قام غيرك بتغيير معين وكان موافقا لهواك فلا ضير منه، تغير فربما يعطيك القدر فرصة جديدة لتدرك معنى مختلفا تحتاج إلى إدراكه في هذا الوقت.


لا تركن إلى اعتياد الأشياء فالتغيير سنة الكون ،انت نفسك لم تعد هذا  الشخص الذي كنت عليه.

   دخلت الغرفة هذا الصباح وأدركت أن أمي بذلت مجهودا كبيرا في هذا التغيير لا اذكر أنى قد شكرتها عليه، الغرفة تبدو جميلة في شكلها الجديد،  كنت احتاج حقا إلى الخروج من الروتين اﻻعتيادي و الذهاب لغرفة أخري كان جزءا من هذا التغيير.


   لم أعد إلى غرفتي مجددًا ولم تعد تبدوا كما كانت من قبل..  لم تكن غرفتي بحاجة إلى إعادة ترتيب بل كانت أفكاري وأولوياتي هي التي تحتاج هذا، العند والرفض والقبول والتسليم والمقاومة كانوا في حاجة إلى إعادة ترتيب وتعارف في داخل عقلي.



    شكرًا أمي على مجهودك في إعادة ترتيب غرفتي فقد كان فعلك ملهما لي لإعادة ترتيب حياتي وأفكاري .



   ربما تتساءل ولماذا لم أعد إلى غرفتي بعد كل هذا؟ فإن هذا هو أقرب موقف منطقي لترتيب الأحداث!



    دعني أخبرك أن لكل منا موقفه من التغيير ربما اخترت أنا عدم العودة واخترت انت أن تعود واختار غيرك أن يعيد ترتيب الغرفة كما سبق وشخص آخر لم يأبه بكل ما حصل.


   إذا واجهت التغيير وأجبت عن كل ما سألته لنفسي فلن تجد إجابة واحدة صحيحة لكل سؤال بل ستجد إجابة ترغب أنت فيها وقد لا أرغب فيها أنا.

 لا توجد إجابة نموذجية وكل الاقتراحات مطروحة وكلها تمثل ردة فعل داخلك ربما إذا كنت في نفس الموقف قد تتصرف بشكل مغاير تمامًا، إذا اقترب منك التغيير لا تبتعد أنت فربما كنت في أمس الحاجة للتواصل معه.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +