أحـلام كنيسـى: سـدرة الأســى





)اهداء للصديق جمال فتحي القاص)

كلما كبلتني قيود الفقر وأطاحت بي ،أجدني أهرع لنبع الكلمات كي أغسل روحي وأوقظها بحروف تقويها، أغرق الصفحات بحبري القاتم كليلي الطويل، أكتب عني وعن ذاك الدخان الذي يلفني، وكلما كتبت أكثر شعرت بالراحة أكثر... جبال من الألم والمرارة تنزاح عن كاهلي .. 

ومن هنا بدأت رحلتي، وأصبح لكلماتي معجبين. لكن هناك نقاد اتهموني بالكآبة، وبأني معجم أحزان، وصفوني بالوباء الذي يسد طرق الأمل، وأنني مجرد عبدٍ تتلاعب به الآلام وتنفث سمومها من خلاله، ثم حذروني إما أن أغير مساري، أو لا مكان لي بينهم.. أوقات كثيرة كرهت ذاتي، وحرقت أوراقي، واخترت تقوقعا ينيء بي عن هذا الصراع اليومي.. مضت أيام كأني أنتظر حكم إعدام، أختنق كل لحظة ، تكوَّمتْ أعقاب سجائري في المنفضة وعلى الطاولة... تتدافع الكلمات بداخلي: كيف السبيل إلى خلاص منها ؟؟ !! ..

صرخت بأعلى صوتي : كلا .. كلا لن أكتب ... ليلتها أصابني الأرق، وهجرتني الغفوة.. خطرت ببالي نصيحة صديق قال لي ذات يوم : "لم لا تضف على السواد بعض الألوان ..؟ .. لم لا تخلق ورودا من الصخر الصوان، وتبني قصورا من العدم.. فقط دع خيالك يجنح، ويرسم أحلاما.. لا يهم إن كانت وهمية، المهم أن بها جمالية تشفي عِلل الروح" .. انتفضت من مخدعي وانا أتمتم: "لم لا أحاول .. ؟".. جلت ببصري في الغرفة اليتيمة التي تأويني مع عائلتي.. الرطوبة تنخر جدرانها.. سقفها متهالك لا يقينا برد الشتاء ولا لسعات هجير الصيف .. 

كانت زوجتي وابنتي تغطان في نوم عميق .. هما أكبر همي ومصدر إيلامي.. تمنيت لو أسكنتهما منزلا تتوسطه حديقة، وألبستهما أفضل الثياب، وجهزت لهما أفراشة من حرير .. انسحبت من مسحة الظلام تلك، وأطردت كل الأفكار السوداوية .. "سأحلم بالجديد و بكل جميل" .. خرجت لأملأ رئتاي بهواءَ نظيف .. المكان يلفه السكون .. المقابر هي حديقتنا .. جلست على قبر مهجور .. أغمضت عيني .. سأتخيل أني على الشاطئ، والأمواج تداعب قدميَّ.. هاتيك نوارس تطوف محلقة فوق رأسي .. أخذت نفسا عميقا كي أستعير من البحر هديرا ورائحة .. قطع حبل أفكاري عواء كلب، ثم صوت بكاء قريب .. ارتعبت، وانتابني الخوف .. ساقتني قدمي حيث مصدر الصوت .. كانت امرأة ثكلى تبكي وتنوح وحيدها المتوفي حديثا .. هتك المشهد بأضغاث أحلامي، ودك حصون عزمي على الخروج من حالة الأسى ..

تدفقت سيول الدموع التي كنت أحبسها بسلاسل مكابرتي ... وألفيتني أعيد على نفسي ذات السؤال: "كيف أرسم لوحة سعيدة فوق رفات الأموات ؟ .. كيف أصنع سعادة من عالم لا يكف الفقر عن استنزافه ؟ .. كيف أجدني وكيف أنقذ قلمي من تكلس هذه الأرض الجرداء ؟ .. ما وجدت جوابا عن سؤالي، فقـــررت .. أن أكتبني بالحبر الحزين 

 بقلم: أحلام كنيسي