محمود درويش - شذرات



*

.يحبّونني ميتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا

*



في عامٍ واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب على اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تَدقّه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.


*


فكرّت يوماً بالرحيل

فحطّ حسّون على يدها ونام 

وكان يكفي أن أُداعب غصن داليةٍ على عجلٍ لتدرك أن كأس نبيذي امتلأت 

ويكفي أن أنام مبكّراً لترى منامي واضحاً
فتطيلُ ليلَتها لتحرسه 
ويكفي أن تجيء رسالةٌ مني لتعرف أنّ عنواني تغيّر فوق قارعة السجون
وأن أيامي تحوّم حولها وحيالها.


*

أتمنى لكِ اليأس يا حبيبتي؛ لكي تصيري مبدعة. اليائسون هم المبدعون، لا تنتظريني ولا تنتظري أحدًا. انتظري الفكرة، لا تنتظري المفكّر. انتظري القصيدة، ولا تنتظري الشاعر. انتظري الثورة، ولا تنتظري الثائر. المفكّر يخطئ، والشاعر يكذب، والثائر يتعب.

*

في السجن لا تقول انتهى كل شيء. في السجن تقول ابتدأ كل شيء، والبداية هي الحرية.

*

لا تسأل أستاذ التاريخ. لقمة عيشه يأخذها من الأكاذيب. وكلما ابتعد التاريخ عادةً، كلما اقتربت الكذبة من البراءة وقلّ أذاها.

*

-من أين أخي؟

-من غزة.

-ماذا فعلت؟

-ألقيت قنبلة على سيارة الغزاة، فانفجرت بي، وألقوا علي القبض واتهموني بالانتحار.
-اعترفتَ طبعاَ؟
-ليس تماماً، قلتُ لهم إن محاولة الانتحار لم تنجح، ولذلك حرروني من الرحمة وحكموا علي بالسجن المؤبد.
-ولكنك كنت تنوي القتل لا الانتحار؟
-يبدوا أنك لا تعرف غزة. فالمسافة هناك شيء وهمي.
-لا أفهمك جيداً.
-يبدوا أنك لا تعرف غزة، فمن أين أخي؟
-من حيفا.
-ماذا فعلتَ؟
-ألقيتُ قصيدة على سيارة الغزاة فانفجرت بهم، وألقوا عليّ القبض واتهموني بالقتل الجماعي.
-اعترفت طبعاً؟
-ليس تماماً، قلت لهم بأن محاولة القتل نجحت، ولذلك أعطوني الرحمة، فاستجابوا إلى طلبي، وحكموا عليّ بالسجن لمدة شهرين.
-لا أفهمك جيداً.
-يبدوا أنك لا تعرف حيفا، فالمسافة هناك شيء وهمي.
جاء الحارس، وضعه في زنزانة، وأطلق سراحي!


*

ولكن صاحب البناية يغار من شارون وينافسه في السادية. فحين تبتهج بيروت الغربية بالإفراج عن الماء.. نكتفي بدور التضامن، لأن هذه البهجة لا تشملنا ولأنَّ الماء لا يصل إلينا.

نحن آخر الأسرى يا أبا ربيع.

اغفر لنا ذنوباُ لم نرتكبها يا أبا ربيع.

الدنيا حرب يا أبا ربيع.
والعفو عند المقدرة يا أبا ربيع،
وما مِن سميع وما من شفيع.
إلى أن اضررت الى الاستعانة باللجان الشعبية المسلحة التي أفرجت عن الماء بقوة. فنسينا الحرب ونسينا الحصار من فرط ما فرحنا بالماء.


*

المدن رائحة: عكا رائحة اليود البحري والبهارات. حيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة. موسكو رائحة الفودكا على الثلج. القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل. بيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون. باريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة. دمشق رائحة الياسمين والفواكة المجفّفة. تونس رائحة مسك الليل والملح. الرباط رائحة الحناء والبخور والعسل. وكل مدينة لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها. وللمنافي رائحة مشتركة هي رائحة الحنين إلى ما عداها.. رائحة تتذكر رائحة أخرى. رائحة متقطعة الأنفاس، عاطفيّة تقودك كخارطة سياحية كثيرة الاستعمال إلى رائحة المكان الأول. الرائحة ذاكرةٌ وغروب شمس. والغروب هنا توبيخ الجمال للغريب.


*



أرى فيما أرى دولاً تُوَزَّعُ كالهدايا



*


هناك، عرفت من آثار النكبة المدمرة ما سيدفعك إلى كراهية النصف الثاني من الطفولة. فإن كنزة صوف واحدة، منتهية الصلاحية، لا تكفي لعقد صداقة مع الشتاء. ستبحث عن الدفء في الرواية، وستهرب مما أنت فيه إلى عالم متخيل مكتوب بحبر على ورق. أما الأغاني، فلم تسمعها إلا من راديو الجيران.



*



أحاول أن أصحّح ما فعله الزمن بي، وما لم أفعله في الشعر.


*



هل تقول لبنتك ذات الجديلة والحاجبين الكثيفين إنّ لها صاحبًا غائبًا، يتمنّى زيارتها، لا لشيءٍ، ولكن ليدخل مرآتها، ويرى سرّه: كيف كانت تتابع من بعده عمره بدلاً منه؟





*

في كل واحدٍ منّا وعي هوية لا تعاني من قلق التعريف. لن نكون فلسطينيين إلا إذا كنا عرباً، ولن نكون عرباً إلا إذا كنا فلسطينيين. فهذه الهوية مستعصية على المراجعة والتفاوض، سواء قام الشرق الأوسط الجديد أو لم يقم. ولن نكون ما نريد أن نكون إلا إذا عرفنا كيف ننهي عملية الخروج من تاريخنا ومن التاريخ الإنساني، وكيف نعود إليهما بكل ما أوتينا من طاقات وتجارب ومواهب.


*

ولا تحمل الطَيْرُ أكثرَ من وُسْعها: ريشَها والحنين وحبَّةَ قمحٍ ضروريَّةً للغناء.

*

لَكِ التَوْأمانِ: لَكِ النثرُ والشعرُ يَتَّحدان.

*

ﻳﻐﺘﺎﻟﻨﻲ ﺍﻟﻨُﻘَّﺎﺩ ﺃَﺣﻴﺎﻧاً: ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﺍﻟﻘﺼﻴﺪﺓ ﺫﺍﺗَﻬﺎ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺎﺭﺓ ﺫﺍﺗﻬﺎ… ﻓﺈﺫﺍ ﻣَﺸَﻴﺖُ ﻋﻠﻰ ﻃﺮﻳﻖ ﺟﺎﻧﺒﻲّ ﺷﺎﺭﺩﺍً ﻗﺎﻟﻮﺍ: ﻟﻘﺪﺧﺎﻥ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖَ. ﻭﺇﻥﻋﺜﺮﺕُ ﻋﻠﻰ ﺑﻼﻏﺔ ﻋُﺸﺒَﺔٍ ﻗﺎﻟﻮﺍ: ﺗﺨﻠَّﻰﻋﻦ ﻋﻨﺎﺩ ﺍﻟﺴﻨﺪﻳﺎﻥ. ﻭﺇﻥﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﻮﺭﺩ ﺃﺻﻔﺮَ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺑﻴﻊ ﺗﺴﺎﺀﻟﻮﺍ: ﺃَﻳﻦﺍﻟﺪﻡُ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲُّ ﻓﻲ ﺃﻭﺭﺍﻗﻪِ؟ 

*

كلّما آخيتُ عاصمةً رمتني بالحقيبة.

*

على الجسر، في بلد آخر.. يعلن الساكسفون انتهاءَ الشتاء. على الجسر يعترف الغرباء بأخطائهم، عندما لا يشاركهم أَحَدٌ في الغناء.

*

ورأيْتُ هاويةً، رأيْتُ الحرْبَ بعد الحرب، تلكَ قبيلةٌ دالَتْ، وتلك قبيلةٌ قالتْ لهولاكو المُعاصِر: نحن لك. 

*


ألا تحفظون قليلاً من الشّعر كي توقفوا المذبحة؟

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء