نجيب محفوظ.. نوبل واغتيال وتمثال في حياة ملك الأدب





نجيب محفوظ الروائي المصري هو أول عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب كتب نجيب محفوظ منذ بداية الأربعينيات واستمر حتى 2004





بينما يصنّف أدب نجيب محفوظ باعتباره أدبًا واقعيًا، فإن مواضيع وجودية تظهر فيه، ما يعطيه طابعًا خاصًا ولذلك فإن نجيب محفوظ هو أحد أكثر الأدباء العرب الذين حُولت أعمالهم إلى السينما والتلفزيون 

إسمه الكامل هو نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا حيث تعود أصول أسرته إلى مدينة رشيد على ساحل البحر الأبيض المتوسط .. ولد نجيب محفوظ في حي الجمالية وهو أحد أحياء منطقة الحسين بمدينة القاهرة المصرية في 11 كانون الأول/ديسمبر 1911 وأمضى طفولته في حي الجمالية حيث ولد فهو حي شعبي بسيط استلهم منه نجيب محفوظ أركان رواياته التي كتبها فصعد معها إلى آفاق الأدب الإنساني ، انتقل نجيب محفوظ وعائلته من هذا الحي إلى العباسية والحسين والغوريه، وهي أحياء القاهرة القديمة التي أثارت اهتمامه في أعماله الأدبية وفي حياته الخاصة.

 كان والده موظفاً بسيطاً باحدى الجهات الحكومية ، ثم استقال واشتغل بالتجارة وكان له أربعة إخوة وأخوات، وعندما بلغ الرابعة من عمره ذهب إلى كتاب الشيخ بحيري، وكان يقع في حارة الكبابجي، بالقرب من درب قرمز ، ثم التحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية وبعد أن انتقلت الأسرة عام 1924 إلى العباسية ، حصل هناك على شهادة البكالوريوس من مدرسة فؤاد الأول الثانوية.



حصل بعدها على إجازة في الفلسفة عام 1934 وأثناء إعداده لرسالة الماجستير وقع نجيب محفوظ فريسة لصراع حاد في نفسه بين متابعة دراسة الفلسفة وميله إلى الأدب الذي نمى شغفه به في السنوات الأخيرة لتخصصه بعد قراءات كثيرة لكبار الكتاب مثل العقاد وطه حسين .. ونجيب محفوظ ممن تخرجوا في الثلاثينات من جامعة القاهرة بليسانس الآداب في تخصص الفلسفة ، وسجل للحصول على درجة الماجستير قبل أن يقرر التفرغ تماماً للأدب كما هو معروف وقد بدأ بنشر مقالات وأبحاث فلسفية بسن مبكرة جداً أي عندما كان بالتاسعة عشرة تقريبا أي في عام 1930 ، واستمر ينشر حتى حلول عام 1945 ،

بدأ محفوظ كتابة القصة القصيرة عام 1936 بشكل رسمي ولكنه كان قد نشر أول قصة قصيرة له بالمجلة الجديدة الأسبوعية الصادرة يوم 3/8/1934 بعنوان (ثمن الضعف) واستمر في كتابة القصص والروايات إلا أن موهبته تجلت في ثلاثيته الشهيرة ( بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية) التي انتهى من كتابتها عام 1952 والتي لم يتسن له نشرها قبل العام 1956 نظرا لضخامة حجمها.

عمل نجيب محفوظ في عدد من الوظائف الرسمية حيث عمل سكرتيراً برلمانياً بوزارة الأوقاف من 1938 حتى 1945 ، ثم انتقل للعمل بمكتبة الغوري بالأزهر، ثم نقل للعمل مديراً لمؤسسة القرض الحسن بوزارة الأوقاف حتى عام 1954 ومن ثم تدرج في مناصبه فعمل مديراً لمكتب وزير الإرشاد، ثم مديراً للرقابة على المصنفات الفنية في عهد وزير الثقافة ثروت عكاشة، وفي عام 1960 عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما، بعدها عمل مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون عام 1962 ، ثم عين رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما في أكتوبر 1966 إلى أن أحيل نجيب محفوظ إلى التقاعد في عام 1971 مما جعله ينضم إلى مؤسسة الأهرام وعمل بها كاتباً.
بالنسبة لحياته العائلية فقد تزوج نجيب محفوظ في عام 1954، وأنجب بنتين هما : أم كلثوم، وفاطمة ..

بين عامي 1952 و 1959 كتب نجيب محفوظ عددا من السيناريوهات للسينما ولم تكن هذه السيناريوهات تتصل بأعماله الروائية التي سيتحول عدد منها إلى الشاشة في فترة متأخرة حيث كان نجيب محفوظ كسيناريست وكاتب بارع حيث بدأ حياته الفنية فى كتابة السيناريو لافلام مثل «لك يوم ياظالم» عام 1951 و «ريا وسكينة» عام 1953 و «درب المهابيل» عام 1955 الى ان توقف عن كتابة السيناريوهات عام 1960 حيث بدأت السينما المصرية فى اخراج رواياته ومن هذه الأعمال " بداية ونهاية" و " الثلاثية" و " ثرثرة فوق النيل" و" اللص والكلاب" و " الطريق " و "زقاق المدق " و " بين القصرين " .

ونستطيع القول بأن (الثلاثية) ملحمة عظيمــة أبدعها محفوظ وتصور الواقع الاجتماعي والتجربة الإنسانية في الحياة وربما تكون أعظم عمل أدبــي قام به نجيب محفوظ في الأدب العربي في العصر الحديث ، فالثلاثية عمل أدبي رائع ويصور حياة ثلاثة أجيال في مصر وهي جيل ما قبل ثورة 1919، وجيل الثورة، وجيل ما بعد الثورة
وكانت ( أحلام فترة النقاهة ) هي آخر أعمال صاحب جائزة نوبل للآداب الروائي المصري نجيب محفوظ


نص كلمة نجيب محفوظ أمام لجنة جائزة نوبل :

 سادتي: 

في البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل على التفاتها الكريم لاجتهادي المثابر الطويل,وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثي إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم,ولكنها هي الفائز الحقيقي بالجائزة,فمن الواجب أن تسبح أنغامها في واحتكم الحضارية لأول مرة,ولي كبير الأمل ألّا تكون الأخيرة,وأن يسعد الأدباء من قومي بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين الذين نشروا أريج البهجة والحكمة في دنيانا المليئة بالشجن..‏‏


سادتي‏‏.. أخبرني مندوب جريدة أجنبية في القاهرة بأنّ لحظة إعلان اسمي مقروناً بالجائزة ساد الصمت,وتساءل كثيرون عمّن أكون,فاسمحوا لي أن أقدَّم نفسي بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية,أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفقاً أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهي الحضارة الفرعونية وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهي الحضارة الإسلامية,قُدّر لي أن أولد في حضن هاتين الحضارتين,وأن أرضع لبانهما وأتغذى على آدابهما وفنونهما,ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية الفاتنة ومن وحي ذلك كله-بالإضافة- إلى شجوني الخاصة-ندت عني كلمات أسعدها الحظ باستحقاق تقدير أكاديميتكم فتوّجت اجتهادي بجائزة نوبل فالشكر أقدّمه لها باسمي وباسم البناة العظام من مؤسسي الحضارتين!‏‏


ولعلكم تتساءلون:هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجد من فراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص؟وهو تساؤل في محلّه.‏‏

فأنا قادم من عالم ينوء بالديون,ينوء بالفقر والمجاعة,والنّبذ والحرمان من أي حق من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان!أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصاً؟ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف,وكما أنه يعايش السعداء فإنّه لا يتخلّى عن التعساء!‏‏

في هذه اللحظة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن تتلاشى أنّات البشر في الفراغ,لاشك أن الإنسانية قد بلغت سن الرشد,واليوم يجب أن تتغير الرؤية من جذورها,اليوم يجب أن تقاس عظمة أي قائد متحضر بمقدار شمول نظرته وشعوره بالمسؤولية نحو البشرية جميعاً.‏‏

وما العالم المتقدّم والثالث إلّا أسرة واحدة,يتحمّل كل إنسان مسؤوليته نحوها بنسبة ما حصّل من علم وحكمة وحضارة,ولعلّي لا أتجاوز واجبي إذا قلت باسم العالم الثالث:لا تكونوا متفرّجين على مآسينا ثم إنكم من موقع تفوّقكم مسؤولون عن أي انحراف يصيب أي نبات أو حيوان فضلاً عن الإنسان في أي ركن من أركان المعمورة!‏‏

خنقنا بالكلام وآن أوان العمل,آن الأوان لإلغاء عصر قطاع الطرق والمرابين,أنقذوا المستعبدين أنقذوا الجائعين أنقذوا المضطهدين,ثم أين تجد أنّات البشر مكاناً تتردد إذا لم تجده في واحتكم الحضارية التي غرسها مؤسّسها لخدمة العلم والأدب والقيم الإنسانية الرفيعة.‏‏

وكما فعل ذات يوم يرصد ثروته للخير والعلم للمغفرة فنحن -أبناء العالم الثالث-نطالب القادرين المتحضّرين باحتذاء مثاله واستيعاب سلوكه ورؤيته..‏‏

سادتي..‏‏ رغم كل ما يجري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية,لا أقول مع الفيلسوف (كانت) أن الخير سينتصر في العالم الآخر فإنه يحرز نصراً كل يوم,بل لعلّ الشر أضعف مما نتصور بكثير وأمامنا الدليل الذي لا يجحد.‏‏

فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية ,أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكوّن الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان!‏‏

غاية ما في الأمر أن الشر عربيد ذو صخب مرتفع الصوت.‏‏

وأن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسرّه,وقد صدق شاعرنا أبو العلاء عندما قال:‏‏
إن حزناً ساعة الموت أضعاف سرور ساعة الميلاد!‏‏

سادتي….أكرر الشكر وأسألكم العفو!‏‏

نجيب محفوظ‏‏

ترجمت روايته " زقاق المدق" إلى الفرنسية عام 1970 ، ونقل عدد من أعماله البارزة إلى لغات متعددة، ولا سيما الفرنسية والإنكليزية، بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1988 م وقد حصل نجيب محفوظ على تلك الجائزة في الاداب عن رواية اولاد حارتنا ، وقامت ابنتا الكاتب ( فاطمة وأم كلثوم ) بالذهاب لتسلم الجائزة نيابة عنه .









وكان قد تعرض نجيب محفوظ في أكتوبر عام 1994 لمحاولة اغتيال على يد شاب متشدد لم يقرأ له على الإطلاق !!