محمد خيرالله: الحضور الأخيـر





     لا تجرؤ أنتَ على محادثـتـى والخـوض معـى فـى حـديثٍ مطـول أزعجتنـى بـه كثـيرًا كلمـا التقيـنا فى صدفـةٍ مصطنعـةٍ على نفس الكرسـى داخـل عربـة المتـرو.

     المختلف فى يومـنـا هـذا هـو أنـنـى أستطيـع رؤيــتـك وأنـا مغمضـة العيـنيـن ويفصلـنـى عنـك جـدارٌ استـدارت خلفـه وجـوه هذا الجمـع الغفــيـر من الـنـاس الذين أراهـم وأشعـر بهـم، تمامًـا مثلمـا أستطيـع رؤيـة أبـى , هذا الرجل الذى لم استطع معانقته طيلة حياتى , بعد مرور سنوات من عمرى أدركت أن الموت قد عانقه بدلًا منى ، وقتما كانت أرضية بيتنا تعانق جسدى الصغير وانا أركض عليها.

   المنزل يزداد تكدسًا بالناس , يمتلىء بالضجيج ، هؤلاء السيدات من حولى يتغامزون بأحاديثٍ لا وقت لها, والبعض منهم ينتظر هذه السيدة البدينة التى راحت تثلج جسدى بماءٍ لم يجد هو الأخر يدى لتزيحه عن جسدى.

   تفاصيل وجهى بدأت فى التغير بعض الشىء, أصبح مقعرًا, يقترب لونه من الذهبى , وشفتاى فى شكل ابتسامةٍ عريضةٍ تحتضن أطراف خدى.

   لا عليك الآن أيتها السيده سوى تكفينى فى هذا الثوب الأبيض , ثم نادِى هؤلاء وأخبريهم أنكِ انتهيتى للتو من مهمتك , ليعلن الجميع انتهاء ذلك الحضور الأخير لى .

   بالله عليك أن تخبريهم أننى لا زلت أكره الصوت العالى , ولا اُريد أن يزفوننى بضجيج اعتادوا عليه كلما غادر أحدٌ منا الحياة .

    بينما أنا مستلقية بين يد السيدة البدينة أحاول اختطاف نظرات أخيرة لمن حولى , فإذا بعينى تتوقف أمام صورتى المعلقة على حائط الغرفة, مما دفعنى لأتذكر لحظة تصويرى, حيث كنت فى السابعة عشر من عمرى.

   عذرًا سيدتى البدينة ، سأقاطع نفسى هذه المرة لاقول لكِ "أخبريهم أننى ارغب فى استبدالها باخرى لشخصٍ ما  لازال بينكم , لقد سمعت كثيرًا فى عرفنا الدنياوى أن ” الحى أبقي من الميت ”, وما كنت أتفهم تلك العباره , ولكن الآن فلقد فهمت!.

- صوتٌ ما يأتى من بعيد ناهيًا الجميع عن البكاء, وأخر يحاول منع أمى من الدخول لرؤيتى وأنا مازلت مكبلة الأيدى والأرجل لا أستطيع السير نحوها لنمارس طقوسنا التى تعودنا عليها فى حياتى مره أخرى.

   كل ما أدركه تمامًا هو ذلك الشعور بالكل وبأى شىء , عدا أننى الأن لا أستطيع محاكاتكم مجددًا, وأعرف جيدًا أنكم لا تجيدون من الأساس "الإنصات للموتى".

   حينئذٍ شعرت بأيدى تحملنى كطفلةٍ رضيعةٍ, وتتحرك بى لتسمح لى مرة أخيرة بمشاهدة الجميع , تلتصق الأيدى بجسدى , هو الأخر الآن لا يشعر بملامستكم له.

   لم يستغرق حملى كثيرًا وأحسست أن المكان الذى وضعونى فيه ضيقٌ جدًا, تحت رأسى شيئًا صلبًا  وكلى أنام عليه , غير أن ما تبقى من الهواء ظل يلاعب كفنى , وحفيف أضواء يخترق الظلام , ليؤكد لى أن مكانى الأن فى ” النعش ”!.

    مرت لحظات حملى على الأعناق سريعة جدًا, استرجعت خلالها ذكريات باتت هى الأُخرى ميتة , شريط ما يمر أمام روحى , ومكان يضيق , وتراب ينهال على جسدى , وقتها لم أرى سوى ظلامٍ دامسٍ , يصاحبه دبيب أقدام . . . تتلاشى  ببطء.