د. جميل حمداوي : "الزيني بركات" لـ جمال الغيطاني بين التخييل التاريخي والتأصيل التراثي




د. جميل حمداوي - المغرب


"الزيني بركات" لجمال الغيطاني:بين التخييل التاريخي والتأصيل التراثي


يعد جمال الغيطاني من أبرز كتاب الرواية التراثية في العالم العربي بروايته "الزيني بركات " 1 إلى جانب كل من محمود المسعدي وبنسالم حميش وأحمد توفيق ورضوى عاشور وواسيني الأعرج وإميل حبيبي وشغموم الميلودي... ويتخذ جمال الغيطاني الشكل التاريخي نمطا للإبداع و التخييل لسد الثغرات ومساءلة الواقع والبحث عن الأسباب و النتائج بالغوص في أعماق الزمن واستقراء لحظات التاريخ و نبش أغواره العميقة واستنطاق ملامح الخارجية. إذاً، ماهي خصائص " الزيني بركات" لجمال الغيطاني المناصية والدلالية ؟ وما مقوماتها الفنية والمرجعية؟
  1. البنيــــة المناصيـــــة:
ترتكز الرواية ذات العنونة الشخوصية على الزيني بركات باعتباره شخصية مركزية تحوم حولها الشخصيات الأخرى وتلتقي عندها الأحداث المتشابكة لتصوغ بنية روائية متوترة . وتنبني الأحداث السردية المتعلقة بالزيني بركات على النحو التالي:
أ- تعيين الزيني بركات واليا للحسبة الشريفة بعد إعدام علي بن أبي الجود .
ب- الزيني بركات يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر .
ج- الزيني يخطب كل مرة في المسجد لتبرير ولايته و أعماله .
د- الزيني يعلق الفوانيس في القاهرة .
ه- الزيني ينضم بتنسيق مع منافسه زكرياء بن راضي إلى جهاز البصاصة.
و- حدة الصراع بين الزيني و نائب الحسبة و كبير البصاصين زكرياء بن راضي حول التفرد بالسلطات .
ز- مظالم الزيني بركات و قمعه للرعية لإرضاء السلطان والأمراء.
ح- ازدياد سلطات الزيني بركات الدينية و المدنية و العسكرية على حساب الشعب .
ط- هزيمة السلطان الغوري أمام السلطان سليم قائد الجيش العثماني .
ي- موالاة الزيني بركات للعثمانيين و مساندة الأمير خايربك خائن سلطان المماليك و الخروج عن طاعة الأمير طومانباي.
ك- تعيين الزيني بركات بن موسى محتسبا للقاهرة من جديد في عهد الدولة العثمانية و إحلال العملة العثمانية الجديدة بدل العملة المملوكية القديمة .
و يمكن تكثيف هذه اللحظات السردية في الأفعال الحدثية التالية : 1- تعيين 2- حكم 3- لقاء 4- صراع 5- ظلم 6- خيانة 7- تعيين 8- حكم .
و يحمل عنوان الرواية مفارقة بين الشعار الاسمي (الزيني بركات) و الممارسة الفعلية .فالزيني لقب أطلقه السلطان على موسى بن بركات ليصاحبه مدى حياته دلالة على ورعه و تقواه و تفانيه في خدمة السلطان و امتناعه عن تولية الحسبة إلا بتدخل علي بن أبي الجود باعتباره شيخا عارفا بالأصول و الفروع يمثل السلطة الدينية و الصوفية . و تعتبر تزكية علي بن أبي الجود شهادة كبرى في حق تعيين موسى بن بركات واليا للحسبة على القاهرة. و مع ذلك نجد أن هذا الامتناع الوهمي الذي شاع بين الناس يغطي حقيقة جوهرية و هي أن الزيني بركات اشترى هذا المنصب بثلاثة آلاف دينار رشوة بعد أن تدخل له أحد الأمراء عند السلطان . وبالتالي ، فكل أعماله الدالة في الظاهر على الخير كتعليق الفوانيس وتسعير البضائع ، والضرب على يد المحتكرين والوسطاء و إزالة الضرائب و تثبيت الاستقرار و الأمن .... و التي تزين صورته بين الخلق حتى اعتبر شخصية أسطورية خارقة مثالية ، انقلبت إلى الشر و الظلم و ايذاء الرعية و تخريب بيوت الأبرياء و تعذيب الفلاحين و نشر الرعب و الخوف بين الناس بجهازه الخطير في البصاصة و قمع المثقفين (سعيد الجهيني) والتنكيل بالمظلومين بدون قضاء ولا محاسبة . إنه رمز السلطة القمعية و الإرهاب السياسي و العنف والطغيان و الاستبداد والتضحية بالشعب من أجل خدمة السلطة والمصالح الشخصية.
وقد بني المتن الروائي على سبع سرادقات و مقدمة و خاتمة. والسرادق هو المكان الذي تعقد فيه الحفلات مثل خيمة يجمع فيها الناس، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التركيب السينمائي لهذه الرواية ، إذ يمكن توزيعها إلى سبع مناظر مشهدية أو فصول درامية إما أنها متعلقة بالمكان (كوم الجارح في السرادق السابع ) أو الشخوص (ظهور الزيني بركات في السرادق الثاني و السرادق الأول و السرادق الرابع ) أو الأحداث (انعقاد مؤتمر البصاصين في القاهرة في السرادق الخامس ...).
و تتوالى السرادقات السبع على الشكل التالي:
- المقدمة: لكل أول آخر و لكل بداية نهاية (12 صفحة)؛
- السرادق الأول : ما جرى لعلي بن أبي الجود و بداية ظهور الزيني بركات بن موسى (شوال 912هـ)؛
- السرادق الثاني : شروق نجم الزيني بركات ، و ثبات أمره ، وطلوع سعده ، و اتساع حظه ( 58 صفحة ) .
- السرادق الثالث: و أوله: وقائع حبس علي بن أبي الجود (56 صفحة )؛
- السرادق الرابع: (بدون عنوان ) (36 صفحة )؛
- السرادق الخامس: (بدون عنوان ) ( 49 صفحة)؛
- السرادق السادس: ( كوم الجارح ) ( 7 صفحات )؛
- السرادق السابع : ( سعيد الجهيني : آه ، أعطبوني ، و هدموا حصوني ...)؛
- الخاتمة : خارج السرادقات : مقتطف أخير من مذكرات الرحالة البندقي فياسكونتي جانتي – 913 هــ ( ثلاث صفحات ).
و تبلغ عدد صفحات الرواية مائتين و سبعا و ثمانين (287) صفحة من الحجم المتوسط. و يتبين لنا أن الغيطاني لم يقسم روايته إلى فصول ، بل اختار السرادقات بمثابة لوحات فنية مستقلة يمكن بسهولة تقطيعها و تركيبها في مونتاج روائي يخلخل السرد ويكسر خطية الزمن واستمراريته الرتيبة لخلق أفق جديد لقارئ الرواية.
و قد أخذ الغيطاني طريقة تقسيم المتن إلى السرادقات من ابن إياس الذي وزع كتابه تاريخ مصر المشهور بـــاسم"بدائع الزهور في عجائب الدهور" حسب السرادقات .أما لماذا اختار الغيطاني ابن إياس دون غيره من المؤرخين لمحاكاته و التخييل من خلال ما كتبه؟ فيرجع ذلك إلى سببين ، الأول : إن ابن إياس كان يتمتع باستقلال الرأي نظرا لأنه ميسور الحال، كما أنه لم يتقلد وظيفة من وظائف السلطنة ، كما أنه كان ينحدر من أصل جركسي ما سهل له الاتصال برجال الدولة و كبرائها.2 و الثاني : أن ابن إياس " ينفرد عن غيره من مؤرخي ذلك العصر في أنه عاش عصرين وشهد أحداث جيلين : أواخر العصر المملوكي و مستهل العصر العثماني . و كان شاهد عيان لما وقع فيهما من أحداث، و تمتد الفترة التي أرخ وقائعها من سنة 872 م /1468هــ إلى سنة 928م/1522هــ "3.
إذاً، فقد اختار الغيطاني كتاب ابن إياس للتفاعل معه حوارا ومساءلة قصد بناء تاريخ حقيقي لفهم الحاضر و ذلك بالسفر إلى قلب الزمن المملوكي لتصوير المجتمع و الإنسان و التاريخ في علاقة بالسلطة لمعرفة أوجه التشابه و الاختلاف بين الماضي والحاضر . ومن هنا، يسقط المبدع الماضي على الحاضر و يقرأ الماضي بالحاضر و العكس صحيح أيضا ما دامت هناك جدلية الأزمنة و تقاطعها وظيفيا و فنيا.
و يستعير جمال الغيطاني من ابن إياس المادة التاريخية المتعلقة بالهزيمة و معركة مرج دابق كما يأخذ منه البنية السردية التراثية لغة و بناء و تركيبا و تفضية و تزامنا .و يقوم التفاعل بين النصين : النص الأصلي ( كتاب ابن إياس حول تاريخ الديار المصرية )، و النص الفرعي ( الزيني بركات لجمال الغيطاني ) على المحاكاة الساخرة والباروديا والتهجين و التناص و الحوارية و المفارقة والمعارضة و السخرية و التحويل و التشرب الإيديولوجي من خلال استعارة التركيب و الصيغ المسكوكة للبنية السردية التراثية . و هو بذلك لا يعيد كتابة تاريخ مصر المملوكية بل يسائل هذا التاريخ و يبين فجواته و ثغراته و يقرأ لا شعور السلطة و خلفيات الاستبداد و يفترض الأسئلة و الأجوبة من خلال منطق الافتراض و التصور و التقدير على الرغم من حقيقة الأحداث و الشخصيات التاريخية و دقة صحة المعلومات الواردة في متن الرواية. و يختلف هذا النمط من الكتابة عن الرواية التاريخية المعروفة كما تقول سيزا قاسم في أن هذا النص : " يقيم موازاة نصية من خلال المعارضة الشكلية اللغوية للنص التاريخي، فجمال الغيطاني يحاكي قول ابن إياس التاريخي ، أي إنه لا يلجأ إلى استخدام " محتوى" تاريخي يصوغه في لغة عصره ، بل ينتقل بنصه الخاص إلى الحقبة التاريخية السالفة"4 . و ترى سامية أحمد أن"الزيني بركات رواية – لا رواية تاريخية – (....) تتناول أحداثا وقعت في عهد السلطان قنصوه الغوري ". 5
هذا، و يصرح الغيطاني في شهاداته أنه لم يكتب " زيني بركات" كرواية تاريخية ، و هي لم تعتبر كذلك رواية تاريخية " في كل اللغات التي ترجمت إليها هذه الرواية سواء في الروسية أم الفرنسية أم الانگليزية، لم يعاملها أحد على أنها رواية تاريخية ، إنما عوملت على أساس أنها رواية ضد القمع و ضد قمع الإنسان في أي زمان و مكان "6.و من ثم ، فرواية ( الزيني بركات ) رواية التخييل التاريخي تستعير التاريخ مادة و صياغة لتحويله إلى أسئلة و أجوبة باستقراء العلاقة الموجودة بين المتسلط والمحكوم من النواحي النفسية و الاجتماعية و الإنسانية و افتراض مجموعة من العلاقات خاصة ما يتعلق بالجوانب الجنسية و الشذوذ و الحب و الإجرام وزيف الدين ، و فهم النواحي الخفية عند السلاطين والأمراء والمستبدين و نقط ضعفهم إلى غير ذلك من الأمور التي لا تذكر في التاريخ الرسمي ، و يركز عليها التاريخ الشعبي والمجتمعي على حد سواء .
2- البنيــــة الدلاليــــة:
تنقل لنا الرواية " الزيني بركات " جوانب تاريخية و إنسانية ومجتمعية . فمن الناحية التاريخية، ترصد لنا الرواية مصر إبان سلاطين المماليك في القرن العاشر الهجري من 912 هــ إلى 923هـ أي (12سنة) من فترة تعيين الزيني بركات محتسبا إلى زمن هزيمة المماليك و دخول العثمانيين إلى القاهرة للاستيلاء عليها بعد القضاء على المقاومة الشعبية و إخمادها . كما تبين الرواية صراع الأمراء المماليك فيما بينهم حول السلطة و تجسس البعض منهم على الرعية و السلطان لصالح الأتراك ( خايربك) وتهافتهم حول جمع المال و تكديسه و احتكار الاقتصاد و تقوية جهاز البصاصة لخدمتهم و خدمة السلطنة للتحكم في رقاب الشعب عن طريق الاستبداد و القمع و العنف السياسي و البيروقراطية وتخريب البيوت الآمنة و القضاء على كل شخص يحمل وعيا ثوريا مثل سعيد الجهيني . كما تذكر الرواية الهزيمة و أسبابها، إذ لا يهم السلطان ( الغوري) و الأمراء سوى جمع المال و تجويع الشعب خاصة الفلاحين و التنكيل بهم و نشر الرعب في قلوب الناس لتثبيت الاستقرار و حكم السلطنة ، و ذلك عبر خلق جهاز للتجسس حيث كل فرد في هذا النظام يبص على الآخر لانعدام الثقة ، و الرغبة في الحفاظ على السلطة عبر إقصاء الآخرين وتصفية أجسادهم . و خير من يمثل هذا الجهاز الخطير الزيني بركات ونائبه زكريا بن راضي باعتبارهما أداتين لاستغلال الشعب واستنزاف ثروات البلاد و قمع الأهل و المثقفين والمتطلعين إلى الحرية باستعمال وسائل جهنمية في المحاسبة والتصفية كالبص والزيف و الادعاء و الإيقاع بالصيد و تقييده في السجن أو التشهير به و تجريحه و تعذيبه نفسيا و جسديا و قتله أو إعدامه ، فأدوات التعذيب و طرق البص غاية في البشاعة والحقارة. لذلك اختار جمال الغيطاني " الزيني بركات " لإدانة أجهزة القمع و الاستبداد في العهد المملوكي التي تماثل أجهزة المخابرات المصرية في حاضر الغيطاني في مصر الستينيات ، مصر الناصرية و نكسة حزيران 1967م أمام الاحتياج الإسرائيلي لأراضي مصر .
و إذا عدنا إلى متن الرواية لمعرفة تمفصلاته السردية إن شكلا وإن دلالة ، سنجد استهلال الرواية بمثابة مقطع وصفي خارجي ينقل فيه الرحالة الايطالي البندقي فياسكونتي جانتي مشاهداته للقاهرة في فترة حكام المماليك المستبدين في القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي ، حيث تبدلت أحوال القاهرة و تغيرت ملامحها بسبب الجفاف وانتشار وباء الطاعون و انتصار العثمانيين على السلطان الغوري، و في نفس الوقت اختفى والي الحسبة ( الزيني بركات) عن أنظار الناس و ما كان يطرحه اختفاؤه من أسئلة محيرة باعتباره شخصية غامضة ومتناقضة في سلوكها و معتقداتها و أقوالها بشكل غريب جدا.
و يجلسنا الكاتب في السرادق الأول لنشاهد الظروف التي تولى فيها الزيني بركات منصب الحسبة سنة 912 هـ ليتولى منصب علي بن أبي الجود كبير البصاصين المكلفين بحراسة السلطنة ومن أهم عيونها و آذانها. لكن السلطان قرر إقصاءه بعد تماديه في سلطته و ترفعه على الأمراء و جبروته بين الناس و اعتدائه على ممتلكاتهم بسبب استغلاله لسلطته. وهكذا دخل عليه الجنود المملوكيون وهو – دائما- يستمتع بأجساد نسائه و جواريه التي لا تعد و لا تحصى ليشهر به في المدينة وهو راكب على ظهر الدابة عقابا له على حيفه و أكل حقوق الناس ظلما و عدوانا. و قد عين السلطان نيابة عنه بركات بن موسى الملقب بالزيني ليتولى حسبة القاهرة بمرسوم سلطاني على الرغم من رفضه المسبق لهذا المنصب خوفا من جسامة المسؤولية وانتشار الفساد برا و بحرا وكثرة الحيف بين الرعية ، و أنه غير مؤهل لتحمل هذه الأمانة الثقيلة خوفا من عقاب الله و التفريط في هذه المهمة المقدسة الملقاة على عاتقه. و في نفس الوقت، نعلم جيدا كيف اشترى الزيني هذه المهمة العظيمة بارتشاء أحد الأمراء المماليك . و من ثم، تظهر شخصية الزيني من خلال تقارير ومدونات زكرياء بن راضي كبير بصاصي السلطة على أنها شخصية غامضة محيرة حيث لا يعرف عنها شيء على الرغم من كونه يقيد كل صغيرة و كبيرة في صحائفه العديدة عن الإنسان المصري منذ أن يولد طفلا حتى يترك الحياة و من فيها. و هكذا صمم زكريا أن يتولى مهمة التجسس على الزيني بنفسه و أن يجد في معرفة الأخبار عن هذه الشخصية التي أثارت إعجاب القلعة وإعجاب الناس و طلبة العلم ولاسيما الأزهريين و مريدي الشيخ أبي السعود الذي يتخذ (كوم الجارح ) مكانا للعبادة و إلقاء الدروس في الأصول و الفروع و فن الوجد و التأويل المناقبي.
هذا ، وقد فكر الشهاب زكريا أن يصل إلى الزيني عبر سعيد الجهيني ، و ذلك بتكليف عمرو بن العدوى لمراقبته و البص على طلبة العلم و البحث عن تلك المرأة البدينة التي لعنت الزيني وأشبعته لوما و سبا و شتما من خلال زغرودة السخرية و الفضح. و يوضح لنا السرادق كيف أضفى الشيخ أبو السعود على ولاية الزيني قبس المشروعية الدينية و أسبغ عليه نفحات زكية من رضاه و بيعته و اعترافه به محتسبا أمينا و عادلا و التأكيد لمريديه مدى استحقاقه لهذا المنصب ؛ لأن الزيني رفضه أمام السلطان بكل إباء و ترفع و امتناع . فلولا هذا الولي الصالح الذي فرض عليه قبول هذه المهمة لما استجاب لطلب السلطان حبا لهذا الولي وتقديرا له.
و في الأزهر أمام جمع غفير من المصلين و الناس أعلن بركات بن موسى أمام الشيخ الزاهد منظوره للحسبة و المهام المنوطة به . و إنه عازم على الإكثار من البصاصين لإقامة العدل و النهي عن المنكر و الضرب على أيدي المارقين من المحتكرين و المطففين والغشاشين من التجار.
و قد خشي زكريا منافسة الزيني له في السلطة بسبب تقرب الناس إليه و رضاهم عنه و حبهم له . و هذا يمكن أن يسبب في فتنة ما، وأن يكون لذلك أثر سيء على وظيفته الأساسية و هي البص على الرعية لخدمة السلطنة و الحفاظ على مصالحها و استقرارها . ويتصف زكريا وكذلك رئيس البصاصين بالشذوذ الجنسي خاصة مع الغلام شعبان حيث أوداه قتيلا ، و جاريته الرومية الشقراء (وسيلة) التي أرسلت إليه جاسوسة من قبل الزيني و هو لا يدري بذلك ، و قد حولته إلى إنس شبقي يعصر جسدها الفتي و يمصه على نحو غريب ينم عن غرابة أطواره و شذوذه.
و مع تولية الزيني منصب الحسبة و اتخاذه فرقة خاصة من البصاصين ازداد قلق زكريا لأنه لم يعهد في حياته أن المحتسب في يوم من الأيام سيتخذ فرقة للبص من غير    فرقة جهاز الحكومة المتخصص في تتبع أنفاس الشعب داخل البيوت و خارجها.
إذاً، يقلق الزيني بركات الشهاب زكريا و يثير حيرته عندما جعل لنفسه أتباعا يخدمونه سرا و يضاهون بصاصي السلطنة و يترأسهم زكريا بن راضي في القدرة و الدراسة ، لذلك كتب زكريا رسالتين: الأولى إلى الزيني بركات يحاول فيها أن يبرز دوره بأنه كبير بصاصي السلطنة ، و أن عليه أن يعود إليه في أمور البص ويكتب له كل التقارير عن المخالفين لأوامر المحتسب ، وبالتالي يلومه على ما استحدثه من نظام البصاصة غير معهود في تاريخ الدولة. و في الرسالة الثانية عدد زكرياء للسلطان بعض الأخطاء التي وقع فيها الزيني بركات . و كل هذا يبين لنا الصراع الذي بدأ يحتد بين الطرفين الحاكمين حول الانفراد بالسلطات.
و في السرادق الثاني ، يستعرض الكاتب شروق نجم الزيني بركات ، و ثبات أمره ، و طلوع سعده و اتساع حظه ، و تبيان أعماله و منجزاته كوضع الفوانيس و تعليقها في الشوارع لإضاءة القاهرة ليلا و فتح داره لتقبل الشكايات و تسلم المظالم و إلغاء الضريبة و تسعير البضائع و رفع الاحتكار الحاصل على الخضر إلى جانب إجراءات اقتصادية ردعية أخرى و محاولة استخلاص أموال علي بن أبي الجود لردها إلى خزينة الدولة لحاجة السلطنة لتوفير الموارد و الأموال لردع الأعادي و الغزاة . أاما معاكسه الشهاب زكريا فيحاول بدوره الإطاحة به عن طريق مهاجمته وفضحه و الإيقاع به مستخدما كل الطرق الملتوية مستغلا كل سلطته و ذلك بتجنيد كل من يراه صالحا للقيام بالمهمة سواء أكان تاجرا أم عجوزا ، امرأة أم طالبا أو أي شخص كان ولو طفلا صغيرا . و من يرفض القيام بالمهمة يعرض نفسه لأنواع شتى من العقاب و الرعب و التعذيب النفسي و الجسدي مستخدما في ذلك كل الطرق الجهنمية في الاستنطاق و التحقيق و التقويل المعروفة و غير المعروفة (طريقة تعذيب زكريا للجاسوس الرومي مثلا، وتعذيب الغلام شعبان و قتله بعد ذلك): " ليس من الأمان بقاء شعبان حيا ، و غيره من المساجين، أي شخص يبقى هنا ، حتى حقير الهيئة، مبتور الأصل فاقد النسب أو مجهول الهوية من صغار المنسر و الحرامية ، سيعلو شأنه وقتئذ، يطلق العامة والخاصة التشنيعات المهولة، يحطون في حقه كل قبيح ، زكريا يحبس خلق الله ، زكريا لديه سجن تحت بيته، ترى كم من الأرواح أزهق ؟! أي الطرق سلك في تعذيب أجساد خلقها الله ، وقتها يقوم الكارهون ، الأمراء ، أولاد الناس ، مساتير الناس ، مشايخ الطرق، طلبة الأزهر و المجاورون ، سيرون في المحابيس ، كل من أمسكهم زكريا مساكين ، أرواحهم بريئة ، لم تجن ذنبا ، لم يتآمر أصحابها ، لم يسرق بعضهم ، لم يقل سبابا في طريق عام ضد أمير أو كبير ، الآن ، يفتش السجن بنفسه ، يتناول المشعل من مبروك ، ينبش تجاويف السجن بعينيه ، عطن و نتن يتصاعد إلى أنفه ، العفن لزج ، لكن صبرا ، ما قام به يدفع بالرضا إلى روحه ، لتحل التجاويف من الآهات و التأوهات والأنات ليال معدودات ، لن تتردد أسئلة المتحشرجين إذ يسأل بعضهم البعض عن أسمائهم ، عن قراهم و بلادهم ، الأسباب التي جاؤوا من أجلها ، زكريا عندما رأى المحابيس تعجب ، رأى وجوها لا يذكر أصحابها، كأنهم جاءوا بدون علمه، نسيهم لتعاقب السنين و كثرة المشاغل "7
و أعد زكريا عدة خطط لتشويه صورة منافسه عند الأمراء والسلطان مثل: إشعاله الفتنة حول تعليق الفوانيس و ذلك بتحريك الفقهاء و القضاة و الأمراء لإخبار السلطان برفض الناس لها؛لأنها بدعة مستحدثة لا علاقة لها بالإسلام تفضح أسرارهم و تهتك أعراضهم و تفسد أخلاق الشباب و تمس حرمة النساء . كما عمل زكريا على إثارة الإحن و القلائل بين الأمير طشتمر و خايربك ليعقد مأمورية الزيني و سعيد الجهيني و آراء الناس في والي الحسبة و نائبه بشكل دقيق و مفصل يومئ إلى تطور ظاهرة البص و تعقدها في المجتمع المملوكي و ما لها من آثار سلبية على المجتمع مثل: نشر القلق و الخوف و الهلع و الرعب و عدم الثقة والاطمئنان و القمع و الطغيان الاستبداد و الاستغلال و الاحتكار والرشوة و الزج بالأبرياء في السجون المظلمة بدون محاكمة افتراء و عدوانا . و هذا يبين بكل جلاء مدى عنف السلطة و قيامها على إذلال الشعب و استرقاقه و إخضاعه بالقوة ناهيك عن أكل عرق جبين المواطن المسكين بفرض الضرائب الفاحشة والإتاوات التي لا أصل لها و لا فرع في شريعة المجتمعات العادلة : "صمتوا، في العيون رجاء أخرس ، خوف موغل في الأعماق ، في الطريق على مهل أليم. مضى طابور من سجناء الفلاحين مربوطين من أعناقهم بسلاسل حديدية ، يبدو أنهم متجهون إلى سجن من سجون ، أخرج طفل لسانه مرات عديدة – يقول الرحالة الايطالي فياسكونتي جانتي – دق طبل سعيد ، ربما يغادر الفلاحون عالمنا بعد قليل ، مشيت قربهم ، عيونهم زائغة ، يتمنون لو احتووا كل ما يمر بهم ، نفس ما رأيته في طنجة ، طابور رجال يعبرون أسوار المدينة البيضاء مشدودين إلى بعضهم البعض برباط الهلاك الأبدي ، في العيون نفس النظرة ، هذا الرجل المسوق إلى الإعدام في تلك الجزيرة الصغيرة بالمحيط الهندي"8.
فإذا كان الزيني يتظاهر بإصلاح المجتمع بهد أركان الظلم و الفساد و القضاء على الاحتكار و النهب و الاغتصاب و مواجهة حيف الأمراء و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فان زكريا بن راضي يحاول فضحه و كشف زيفه و إزالة القناع عنه ، و ذلك بعرقلة إصلاحه و نسفه من القصر و خارجه و تحطيم الزيني لإذلاله و تلويث شرفه لينفرد بالرتب السنية و الأوسمة السلطانية والحسبة الرفيعة عن طريق إثارة الصراعات و الفتن بين الأمراء و العلماء و الرعية و كل هذا انتقاما من ذلك اللعين البصاص"الزيني" الذي دس "وسيلة" الجارية في بيته للتجسس عليه حيث لم يكتشف هويتها إلا في الأخير.
و يستعرض الغيطاني في السرادق الثالث وقائع حبس علي بن أبي الجود و الطرق التي اتبعها الزيني لتعذيب سجينه ليكشف عن حقيقة أمواله المسروقة من المسلمين لإرجاعها إلى خزينة الدولة. و هذه الطرق المتبعة لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها شيطانية وحشية بشعة مرعبة تصادر حرية الإنسان و حقوقه المشروعة في الدفاع عن نفسه مقابل حصول الزيني على مراتب عليا ، لذلك رقي بعد نجاحه في مهمته إلى مرتبة والي القاهرة إلى جانب حسبته.
وقد تعجب الرحالة الايطالي أيما تعجب من ذلك المشهد الدرامي أثناء زيارته الأولى للقاهرة عندما عرض علي بن أبي الجود على الناس تشهيرا وتعذيبا وتنكيلا . وقد أثارته شخصية الزيني بركات بغموضها و مظهرها الخارق للعادة ، و قد توطدت – في هذا السرادق – علاقة حذرة بين الزيني و زكريا بعد اللقاء الثنائي الذي جمعهما قوامه التهديد المتبادل بينهما ولاسيما أن الزيني علم بقتل زكريا لشعبان و كثير من المساجين بطرق وحشية شاذة، لذلك ألح عليه بأن يخبره عن مكان أموال علي بن أبي الجود حتى يعيدها إلى الخزينة و أن ينصاع كذلك لأوامره و أن يطيعه في كل صغيرة و كبيرة ما دام هدفهما واحد وهو إقامة العدل و خدمة الدولة ، لذا لابد من التعاون بينهما قصد تحقيق الأهداف المسطرة . و بعد ذلك ، اقترح الزيني على زكريا طريقة جديدة للعمل والسيطرة على زمام الأمور . إذ اقترح نظاما من البص يوازي هرمية المجتمع ، أي لكل فئة من الناس نوع خاص من البصاصين، حتى السلطان و الأمراء يخضعون بدورهم للبص إلى جانب إجراءات مسطريه عملية مثل: إعداد الكشوف والسجلات والبطائق و استخدام حبر خاص ، و كل هذا للتحكم في المجتمع والتصنت على أنفاسه و هذيانه و أحلامه . و قد تم التركيز كذلك على مراقبة طلبة الأزهر و المثقفين خاصة سعيد الجهيني وعلاقته بالشيخ ريحان البيروني و ابنته سماح وعلاقتهما ببيوت الخطأ وتجنيد عمرو بن العدوى لمراقبة هؤلاء المثقفين والتنصت عليهم ومعرفة آرائهم في الحكومة ومراقبة رجال البص و الحسبة .
و ينتهي السرادق الرابع بخروج السلطان من القاهرة لمحاربة العثمانيين، و يبتدئ السرادق بمشروع إقامة مؤتمر عالمي للبصاصين في القاهرة يترأسه الزيني بركات و مساعده زكريا بن راضي لإفادة المدعوين و الاستفادة من طرائفهم ووسائلهم في البص و التعذيب و اتخاذ نظام البصاصة في مصر نموذجا رائعا للحفاظ على الأمن و الاستقرار الحكومي . و يعدد زكريا بن الراضي في هذا المؤتمر من خلال السرادق الخامس مفهومه للبصاص الحقيقي المتمكن و طرائق البص و الأدوار المنوطة بالمكلف بالبص و الوسائل التي ينبغي استعمالها في الوصول إلى الحقيقة الأولية و كيفية تطويع الظروف و إعداد طعام المساجين وطرق نومهم و أفضل اللحظات اللازمة لإقلاق راحتهم ، والوسائل المقترحة لترقيم الناس بدلا من الأسماء ، و كيفية التنصيص على فتاوى شرعية تبيح هذا في سائر الأديان و كيفية الرقابة على الرقابة ، أي كيف يرصد البصاص بصاصا آخر وكيفية إقناع الناس بوجود ما هو غير موجود ، علاوة على شرح كيفيات التعذيب المادي والنفسي.
و عندما كان جيش السلطان الغوري يذوق مرارة الهزيمة في معركة مرج دابق بانتصار جيش سليم العثماني بسبب خيانة الأمراء و جيش المماليك له ، نجد الشيخ أبا السعود الجارحي العارف بالله يدعو الزيني بركات ليذيقه الشتائم و ألعن السباب منهيا ذلك بحجزه قصد التشهير به بين الناس للتخلص منه و من جبروته و جوره :" و عندما دخل إليه أجلسه بين يديه ، مال الزيني عليه ، لكن الشيخ لم يراع هذا ، و نتر في وجهه ، يا كلب .... لماذا تظلم المسلمين ؟ لماذا تنهب أموالهم ، و تقول كلاما تنسبه إلي. أبدى    الزيني دهشة حاول الانصراف . لكن الشيخ قام، نادى أحد مريديه ( درويش اسمه فرج )..... أمر بخلع عباءة الزيني عنه ، تجمع حوله الدراويش أحاطوا به ، أمر الشيخ فضرب رأس الزيني بالنعال حتى كاد يهلك ، ثم أمر بشك الزيني في الحديد ، ثم أرسل إلى الأمير علان..... و أعلمه أن هذا الكلب يؤذي المسلمين ، و في الحال طلع الأمير علان الدوادار الكبير إلى نائب السلطنة ، و أيقظه ، و أخبره بما جرى و قال الأمير طومابناي ليفعل الشيخ أبو السعود ما يبدو له ، و حتى ساعة كتابة هذا – يقول مقدم بصاصي القاهرة – ما زال الزيني بركات بن موسى محتجزا عند الشيخ أبو السعود"9.
ولما قرر الشيخ أبو السعود التشهير بالزيني بركات و استخلاص أمواله و قتله أخيرا بموافقة الأمير ، تدخل زكريا لينقذ صديقه من الموت المحقق نظرا لعملهما المشترك في البص و معرفة الزيني خبايا زكريا و يمكن أن يفصح بها و يضر بذلك زكريا . وربما زكريا هو بدوره قد يقع فيما وقع فيه الزيني، فينقذه حليفه من الورطة كما أنقذه هو، و كل ذلك اعتراف حقيقي من أحدهما بجميل الآخر و أن هدفهما واحد هو الحفاظ على سلطتهما و تحقيق المصالح المشتركة . و بعد ذلك نسمع في هذا السرادق نداءات الخنكار العثماني يطالب المصريين بتقديم كل المعلومات عن المماليك وأموالهم و نسائهم و جواريهم و مكان الأمير طومانباي والشيخ أبو السعود الجارحي ودراويشه اللذين وقفوا صامدين في وجه الجيش العثماني أثناء دخوله إلى القاهرة للاحتلال الفعلي لأراضي مصر .
و في السرادق ما قبل الأخير ، يقصد ( كوم الجارح ) سعيد الجهيني ليرى مولاه الشيخ العارف ، لكن البصاصة تحاول جاهدة استمالته إلى صفها و تطالب منه التقرب من جديد بالشيخ مولاه العظيم و مطالبته بإعطاء لائحة مفصلة عن الشباب القادرين على الجهاد لرد هجوم الأتراك .
و ينهي الكاتب روايته بسرادق عبارة عن نهاية مفتوحة ليلحقها بمقتطف للرحالة الايطالي السابق ليصور ما لحق القاهرة من وباء و خراب من قبل العثمانيين بعد احتلالهم لمصر و عاصمتها، و ما بذله الشيخ و مريدوه من جهود جبارة لمواجهة الغزاة ، و قد ظهر الزيني في ذلك الوقت للم الشباب لمجاهدة ابن عثمان ، بيد أن الناس بدؤوا يشكون فيه و يعلمون كذبه ( خاصة سعيد الجهيني )، وما هو في الحقيقة سوى بصاص للعثمانيين و لخايربك؛ مما سيجعل العثمانيين يعينونه من جديد واليا للحسبة في القاهرة مع إعلان استبدال العملة القديمة بالعملة العثمانية .
3- البنية السردية في الرواية:
تتكئ هذه الرواية على بناء معماري دائري يبتدئ بالهزيمة وينتهي بالهزيمة ذاتها . وتتمثل البداية في استعراض مقتبس للرحالة الإيطالي يصور القاهرة بعد هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين، وهذه البداية ذات طابع مأساوي. أما المتن الداخلي فيتجسد في تعيين الزيني بركات واليا للحسبة في القاهرة بعد إعدام علي بن أبي الجود وممارسة وظيفته حاكما وبصاصا، ولقائه بالشهاب زكريا والاتفاق على التعاون بعد صراعهما الحاد حول التفرد بالسلطات وجلاء صورة الزيني الحقيقية بعد انكشاف المستور وسقوط القناع باعتباره ظالما متجبرا وخائنا للدولة المملوكية وواليا جديدا للعثمانيين.
وتنتهي الرواية كذلك بنهاية مأساوية حينما يصور الرحالة الإيطالي القاهرة بعد هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين. ومن ثم، فالرواية ذات منظور معماري دائري مغلق مشحون بالتوتر والدرامية والحزن والتشاؤم.
هذا، وترتكز الرواية على محورين دلاليين متداخلين: محور الزيني بركات ومحور الحرب والهزيمة.
ويلاحظ أن الأحداث غير متسلسلة منطقيا لتعدد السرادقات وتداخلها عبر تكسير خطية الزمن و تداخل الأزمنة. كما أن الأحداث الرئيسية في الرواية تاريخية ، لأن الهزيمة في معركة مرج دابق وقعت حقيقة كما هي مأخوذة من كتاب ابن إياس، والزيني بركات شخصية تاريخية معروفة في تلك الفترة ، و يعتمد الكاتب في ذلك على مؤرخين عرب آخرين مثل المقريزي والجبرتي في نقله للأحداث التاريخية و الحياة اليومية آنذاك. "إذاً، فقد تتوخى الغيطاني الدقة التاريخية ، و كان أمينا في تصوير حياة الناس في قاهرة المماليك ، من حيث عاداتهم وتقاليدهم ومشكلاتهم ( مثل احتكار بعض السلع الضرورية كالملح و الخيار ) و أفراحهم ، وإطلاق الزغاريد ، و إعطاء البقشيش ، و حياة المجاورين في الأزهر ، و ارتياد المساجد المقاهي و بيوت الخطيئة الخ. ولكن    الدقة هنا لا يصاحبها الجفاف و الجمود ، بل تتحول إلى مادة حية يقدمها الكاتب في إيقاع يسرع و يبطئ وفقا لمتطلبات الموقف . وباختصار أقول: يحس القارئ بنكهة مصرية صرف تتخلل النص و نمتد أثارها إلى قاهرة اليوم 10 ".
و معظم الشخصيات النامية و الرئيسية في النص تاريخية حقيقية تحمل أبعادا إنسانية و اجتماعية و أخلاقية و نفسية و تاريخية يمكن إسقاطها عل الحاضر. فالزيني بركات بن موسى " شخصية حقيقية في تاريخ مصر المملوكي . تولى بركات بن موسى حسبة وولاية القاهرة طوال أحد عشر عاما أثناء حكم السلطان الغوري . و لما سافر السلطان لملاقاة العثمانيين في حلب جعل من الزيني بركات متحدثا في جميع أمور السلطنة و عندما دخل العثمانيون مصر تعاون الزيني بركات معهم فاحتفظ بمناصبه العديدة، بل وزاد نفوذه حتى أصبح مدير المملكة و ناظر الذخيرة ، و صار – في قول ابن إياس – " عزيز مصر " . و يعتمد الغيطاني في رسمه لشخصية الزيني بركات على العديد من الفقرات التي وردت بشأنه في كتاب " ابن إياس " بدائع الزهور في عجائب الدهور " . و بركات بن موسى كما يصوره ابن إياس سيسعر اللحم و الدقيق و الخبز و الجبن خوفا من المماليك ثم يعود فيفرض الضرائب الباهظة ، و الناس حين يخفض الأسعار يدعون له ، و حين يرفعون يدعون عليه 11 "
و تتحدد البنية العاملة في الرواية من خلال المخطط التالي :

المرسل إليه
المرسل
دولة المماليك أولا،
و العثمانيين ثانيا
السلطة و الاستبداد
الموضوع
الذات
السلطة
الزيني بركات
المعاكس
المساعد
الشيخ أبو السعود + سعيد الجهيني + الأمير       طومانباي
زكريا بن راضي + البصاصون + عمرو بن العدوى + خيربك
و تقع أحداث الرواية في القاهرة المملوكية، قاهرة الاستبداد والقمع و الظلم كفضاء أساسي في الرواية، إلى جانب فضاء ثانوي هو فضاء حلب فضاء الهزيمة النكراء.
و قد صوركل من الكاتب و الرحالة الايطالي القاهرة تصويرا مفجعا دلالة على المأساة    التي تعرضت لها بسبب الاستبداد وهزيمة المماليك و اجتياح العثمانيين أراضي مصر حتى كأن القاهرة أصابها وباء و طاعون خطير يهلك الرعية و يقضي على أنفاس الأحياء :" تضطرب أحوال الديار المصرية هذه الأيام ، وجه القاهرة غريب عني ليس ما عرفته في رحلاتي السابقة ، أحاديث الناس تغيرت ، أعرف لغة البلاد و لهجاتها ، أرى وجه المدينة مريض يوشك على البكاء ، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر الليل حتى السماء نحيلة زرقاء ، صفاؤها به كدر ، مغطاة بضباب قادم من بلاد بعيدة 12".
ويؤكد سواد الطبيعة المأساة التي تنخز الشعب المصري والمصير المهول الذي يتجرعه الناس من شدة الظلم الذي آل إلى الهزيمة الشنيعة . وأضحت القاهرة عاصمة المماليك مقهورة مريضة بداء الذل و الانكسار و العار، تجر ذيول الخيبة و مرارة القهر و الظلم.
وتتراءى داخل هذا الفضاء العام الفضاءات البشعة وفضاءات القمع و البص و الإرهاب مثل : السجون و أماكن الحبس و الشنق والإعدام و قصور التجبر و قلاع الاستبداد و الفساد السياسي والإداري. وصارت المقاهي و المساجد و الزوايا فضاءات مخيفة خاضعة للمراقبة و البص و التجسس. إنه فضاء المخابرات البوليسية و القمع السياسي و البيروقراطية المميتة .إن فضاء (الزيني بركات ) فضاء تاريخي مغلق ببشاعة جهاز البص والمراقبة وتتبع الأنفاس الآدمية والأرواح البشرية، إنه فضاء العتبة حيث يتداخل فيه الداخل و الخارج و الأعلى و الأسفل .
ويتقابل الحاكمون والمحكومون على مستوى نوع الحلول الفضائي تقابلا تراجيديا ، فالمماليك في بروج و قصور و قلاع عالية، بينما الرعية في أفضية عارية منبسطة يسهل كشف أسرارها بفوانيس البص و جس النبض . و بين العلوي و السفلي جهاز المخابرات الذي يشكل صراطا للتعذيب وخندقا للموت يخدم العلوي تارة ويخونه تارة أخرى ، و يقصي السفلي و ينهب خيرات مستضعفيه. إذاً ، الفضاء المديني هو المهيمن في النص ، و يظهر الفضاء القروي في صور استرجاعية ( سعيد الجهيني ) حين يتم تقييد الفلاحين في طوابير لقتلهم و إعدامهم .
و قد استند الكاتب في روايته إلى تقنية الوصف لتسليط الأضواء على الأمكنة و الشخوص و الأشياء و الوسائل بطريقة مشهديه أو تقريرية جافة و حرفية تتخللها أحيانا سمات بيانية و بديعية مثل: وصف القاهرة ووصف الزيني بركات ووصف " وسيلة " ووصف طرائق التعذيب و التصفية الجسدية .
و من حيث الرؤية السردية، نلاحظ تعددا في الرواة على غرار الرواية البوليفونية مع الاستعانة بالمنظور السردي الخارجي ، منظور الرحالة الايطالي الذي يستخدم ضمير التكلم، و منظور جمال الغيطاني الكاتب المعاصر الذي يهاجر إلى الماضي لينقل الأحداث من خلال الرؤية من الخلف إلى جانب المنظور السردي الداخلي عبر تقارير ورسائل زكريا بن راضي. و يعني هذا أن الرواية تمتاز بتعدد الرواة و الرؤى السردية و تعدد اللغات (العامية / اللغة الرسمية / الفصحى / اللغة الدينية....)، والخطابات التناصية ( الخطاب المناقبي – الخطاب الديني – الخطاب العجائبي – الخطاب الغرائبي – الخطاب التاريخي- خطاب الرحلة- الخطاب السياسي- خطاب المستنسخات...)، وتشغيل خطاب الوثائق ( التقارير / النداءات / المراسيم ...)؛ و هذا ما يجعل ( الزيني بركات ) رواية طليعية و جديدة بسبب هذه التعددية و حوارية الأصوات و البنية السردية التراثية .
و من المعلوم أن فتحي غانم يعد الروائي المصري الأول الذي كتب الرواية البوليفونية المتعددة الأصوات و ذلك في رباعيته (الرجل الذي فقد ظله )، و نشرها ما بين عامي 1960 و 1962،13 و هناك كذلك نجيب محفوظ في روايته" ميرامار" التي صدرت سنة 1967 م، ومحمد يوسف القعيد في "الحداد "( 1960 م)، حيث روي كل عمل من هذين العملين من خلال أربعة رواة. و في " باطن الأرض " لإبراهيم عبد المجيد ( 1972 م ) رواها راويان، و في "السنيورة " لخيري شلبي (1978 م) نجد سبعة رواة سراد، و" لعبة النسيان" للروائي المغربي محمد برادة القائمة على تعدد الرواة والسراد، بينما "الزيني بركات" رواها ثلاثة سراد ( الرحالة – الكاتب – زكريا بن راضي )
و نجذ في رواية ( الزيني بركات) ساردا خارجيا عن الحكي (الرحالة)، و ساردا داخليا راويا ( الكاتب )، و ساردا مشخصا (زكريا بن راضي ). وبالتالي، تقدم الرواية رؤية تفضح الاستبداد و القمع و تدين أجهزة المخابرات و البص و تطرح قضية الديمقراطية و التناقض بين الشعار و الممارسة .
و على مستوى البنية الزمنية، نلاحظ تكسير البناء الزمني و خطيته بتبني تقنية الاسترجاع أو فلاش باك و تقطيع المتن إلى أزمنة متداخلة بطريقة جدلية حيث تتداخل البداية مع النهاية و النهاية مع البداية، كما يتداخل الماضي مع الحاضر و العكس صحيح، وكل ذلك من أجل استشراف المستقبل المعروف . و تمتد الرقعة الزمنية للقصة على مسافة 12 سنة من 912هـ إلى 923 هــــ:

الصفحات
الأحــــــداث
البنية الزمنية
تستغرق سنة 912 هـ 100 صفحة من رواية الزيني بركات
تولية الزيني بركات بعد تنحية على بن أبي الجود
شوال 912 هـ
مرسوم تعيين الزيني بركات
ثامن شوال
امتناع الزيني عن تولية مهمة الحسبة أمام السلطان
عاشر شوال عام 912هـ
قلق زكريا من الزيني
أول الليل : الأربعاء عاشر شوال
رسالة زكريا إلى الزيني
عاشر شوال 912 هـ


زكريا يبرمج ما يفعله من فتنة لإزاحة الزيني
صباح الثلاثاء سابع ذي القعدة 912 هـ
إجراءات اقتصادية سيقوم بها والي الحسبة (الزيني بركات)
مساء الثلاثاء سابع ذي القعدة
تعليق الفوانيس
ليلة الثلاثاء...
من أفعال زكريا لإثارة الفتنة بين الأمراء
الجمعة عاشر ذو الحسبة 912 هـ
24 صفحة
القاضي الحنفي له رأي خاص في الفوانيس
أول محرم 913 هـ
80 صفحة
مقتطفات من رحلة الايطالي حول قاهرة الزيني بركات
رجب 914 هـ
62 صفحة
خروج السلطان لملاقاة الجيش العثماني في حلب
1517 م / 422 هـ
رسالة بمناسبة انعقاد مؤتمر البصاصين بالقاهرة
جمادى الأولى 922 هـ
ذيول حول طرائق البص
922 هـ 1517م
حالة القاهرة باختفاء الزيني
رجب 922 هـ أغسطس إلى سبتمبر 1517 م
مصير الزيني بركات عند الشيخ أبي السعد
الجمعة 15 شعبان 922 هـ
هزيمة السلطان الغوري
الجمعة 15 شعبان 922 هـ
3 صفحات
القاهرة بعد احتلال العثمانيين لها
923 هـ
إذاً، فالسنوات المذكورة في الرواية هي: 912 و913 و914 و 922 و923 هـ، و حذفت سبع سنوات نظرا لعدم أهميتها عند جمال الغيطاني . وقد يلاحظ عدم تتبع نظام الحوليات عند ابن إياس، و اختيار الغيطاني للتقويم السنوي و القفز على السنوات التي لا أهمية لها عنده، والوقوف عند بعضها بالسرد و الوصف وتشغيل الإيقاع البطيء مثل: سنة 912 هـ و سنة 914 هـ .
و يمكن تلخيص البني الزمنية في الأحداث التاليية:

البني الحدثية
البني الزمنية
تولية الزيني بركات واليا على الحسبة في القاهرة و ممارسة عمله الفعلي في إقامة المعروف و النهي عن المنكر.
912 هـ
صراع زكريا بن راضي مع الزيني بركات .
913 هـ
قاهرة البص في عهد الزيني والشهاب زكريا.
914 هـ
هزيمة المماليك في معركة مرج دابق.
922 هـ
احتلال العثمانيين للقاهرة و تولية الزيني الحسبة من جديد في عهد جديد.
923 هـ
و من خلال هذا، يتم تجميع البنيات التالية في الأفعال السردية بهذا الشكل :
التعيين – الصراع – البصاصة – الهزيمة – الاحتلال .
وإذا انتقلنا إلى مستوى الصياغة، نلاحظ هيمنة السرد و المنولوج على حساب الحوار ، و هذا يبين القمع و الاستبداد و انعدام التواصل بين الأنا الظالمة و الآخر المظلوم ، لأن جهاز البص يمنع الحوار و يحاربه و يصادره كما يمنع كل أشكال الاتصال ، لذلك لا يجد المرء أمامه سوى الإضمار النفسي و الدعاء والمناجاة و الصراع الداخلي . فسعيد الجهيني – مثلا- كان يشتم الزيني في نفسه ويقول له : إنه كذاب كذاب في أعماق الداخل لايستطيع أن يفصح بذلك ما دام البصاصون يحومون حوله . و قد تم رصد سبع مرات كان فيها الحوار عابرا بين الشخصيات غير الرئيسية. وما غياب الحوار إلا دليل على غياب الديمقراطية التي تتحقق بالجدل و المناقشة14وكان لغياب الديمقراطية و حقوق الإنسان و حوار الأنا و الأخر أثره على الكاتب في استعمال أسلوب التضمين والاقتباس والتناص و محاكاة كتاب ابن إياس حول تاريخ الديار المصرية هروبا من الرقابة و خوفا من المساءلة، أي وظف الاستخدام الرمزي والاستعاري تقية من التصفية و المحاسبة . ويحضر السرد من خلال هيمنة نبرة التسلط و التحكم و الردع والأوامر عبر أساليب : النداءات و التقارير و الرسائل و المذكرات و الذيول والمراسيم و الخطب و الفتاوى .
و هذا " الترتيب السابق لأنواع السرد قد جاء وفقا لعدد مرات لاستخدام الكاتب لكل نوع ، فالنداءات تكررت خمس و عشرين مرة،و الفتاوى لم تتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة ومعظمهما دار حول مدى مشروعية استخدام الفوانيس . و قد تعد هذه الأنواع المختلفة من السرد انعكاسا لأسلوب الحكم ولرؤية الكاتب لأساليب النظام في الهيمنة و أحكام قبضته على المواطنين. فالنداءات ، و التقارير و الرسائل ، و المذكرات والمراسيم من وسائل السيطرة و التخويف السياسي ، و هي النسبة الغالبة بين هذه الأنواع من السرد ، بينما كان أقلها الخطب والفتاوى و هي أقرب إلى الوسائل التي تستخدمها الأنظمة الديمقراطية في الحكم 15 " .
و تمتاز لغة جمال الغيطاني في "الزيني بركات " بعتاقة التراكيب والصيغ المسكوكة بعبق التراث و الجمل الطويلة أثناء الوصف والسرد و الجمل القصيرة المنمقة بديعيا و إيقاعيا في النداءات، إلى جانب التقرير التاريخي و الوصف الدقيق المفصل و المزج بين الفصحى و العامية أو الخلط بين ما هو رسمي و شعبي ، و الإكثار من صيغ المفارقة و السخرية و المحاكاة الساخرة و القوالب السردية المصاغة بطريقة كلاسيكية تراثية فضلا عن توظيف معاجم لغوية مهيمنة مثل: معجم الحرب و الموت و الحبس والدين و السلطة .
و يكثر الغيطاني من الأفعال المضارعة لخلق الحركة و التوتر والدينامية في نصه الروائي ليخلق مشاهد سينمائية طافحة بالإيقاع الحركي و بث الحيوية في السرد على الرغم من تاريخية الأحداث زمنيا و التي تتطلب الفعل الماضي كزمن لسرد الأحداث الماضية.
هذا، و قد استهدف الكاتب إضفاء الموضوعية على أسلوبه التقريري لذلك " يسوق جملا أساسية خالية من التعليق، تتابع في حركة سريعة متدفقة، حتى إن الكاتب يسقط في بعض الأحيان حرف العطف نفسه، الذي يربط هذه الجمل بعضها ببعض. و قد يكون هدف الكاتب هو التوصل إلى الموضوعية التي وصفت بها كتابات المؤرخين العرب في سردهم للأحداث، و خلق قول محايد لا تقتحمه ذاتية الراوي16 ".
و قد تشرب الغيطاني في "الزيني بركات " لغة العصر و التراث ليكون حاضرا شاهدا و موضوعيا مع نفسه و مع القارئ ، لذلك استلهم لغة ابن إياس و تشبع بها صياغة و بناء و تركيبا و سك لنا لغة مخضرمة أصيلة معتقة بالقدم و الرصانة و العبارات المتداولة ذلك الوقت مع تضمينها بالآيات القرآنية و الأمثال العامية والقوالب الموظفة في كتابة الرسائل الديوانية و الإدارية و الخطب والقرارات و المذكرات و النداءات و الفتاوى و الأحاديث النبوية .
و هكذا ، فلغة الغيطاني في الزيني هي لغة حيادية طافحة بالحيوية و العتاقة و التنوع و الإثراء اللغوي إلى جانب العمق الرمزي والاستعاري ، بل تمثل حتى الصيغ البيانية و البديعية كما تتجلى في الرسائل و النداءات و المراسيم و التقارير .
و تعج ( الزيني بركات) بعدة خطابات و مستنسخات يمكن حصرها في الخطاب التاريخي والخطاب المناقبي والخطاب الديني والخطاب الفانطاستيكي والخطاب الأسطوري وخطاب الرحلة والسفر، دون أن ننسى الأنواع الفرعية الأخرى مثل: المراسيم والنداءات و الرسائل و الفتاوى و الخطب و التقارير و المذكرات و الذيول التي تشكل الخطابات النوعية و التجنيسية ببنيانها السردية الخاصة . وقد طعّم بها الكاتب نصه الروائي ليثريه أجناسيا ونوعيا قصد خلق بوليفونية موضوعية بالمفهوم الباختيني. .
4البنيـــــة المرجعيـــــة:
يستهدف جمال الغيطاني من خلال هذه الرواية فضح أنظمة الاستبداد في العالم الثالث بصفة عامة و النظام المصري بصفة خاصة. تلك الأنظمة التي تستند إلى المؤسسة العسكرية و جهاز المخابرات لقمع الشعب و تعذيب الرعية من أجل أن يتفرد الحكام وأعوانه بالسلطة و يمنع الحوار و الجدال و إبداء الرأي الآخر ، فالأنا داخل مملكة "التسلطن" والقهر لا تتوادد إلى الأخر ولا تعقد معه أدنى تواصل أو تعارف إنساني، فالسلطة تبدد كل شيء، والغاية تبرر الوسيلة . و تكشف الرواية أيضا زيف السياسيين المقنعين ( الزيني بركات مثلا ) الذين يحاربون الديمقراطية ويتشدقون بالشعارات لكن ممارساتهم الفعلية تعاكسها وتناقضها . ويريد الغيطاني من خلال روايته أن يبين أن الاستبداد يولد الهزيمة و المأساة ، و أن لكل بداية نهاية . لذلك عاد الغيطاني إلى الماضي ليطل على مصر المماليك في القرن العاشر ليبحث عن أسباب الاستبداد و مظاهره و نتائجه الوخيمة مقارنا ذلك بمصر الحاضر ، مصر الناصرية إبان الستينيات حيث الاستبداد وجهاز المخابرات ينشر الرعب و الإرهاب بين الناس باسم السلطة والحفاظ على مكاسب الثورة، حتى أدى هذا القمع إلى هزيمة مصر جمال عبد الناصر في حزيران 1967م أمام الإسرائيليين الذين دخلوا مصر و احتلوا سيناء . و هكذا لم يستفد المصريون من عبر الماضي الذي يحضر بكل حمولاته في الحاضر . إنه زمن الهزيمة و الاستبداد ولاسيما أن الغيطاني كتب الرواية ما بين 1970 و 1971م بعد وفاة جمال عبد الناصر في عام 1970 م. و إليكم أوجه التشابه بين الماضي و الحاضر :

مصر الناصرية
مصر المماليك
القرن 20 هـ ( الستينيات )
القرن 10 هـ
الحاضر
الماضي
جمال عبد الناصر وجهاز المخابرات
الزيني بركات و جهاز البص
التجسس الداخلي و الخارجي
البص الداخلي و الخارجي
الاستبداد و هزيمة 1967 م في مصر
الاستبداد و هزيمة 920 هـ في معركة مرج دابق
انتصار الاسرائليين و مأساة المصريين
انتصار العثمانيين و مأساة المصريين

نستنتج، إذاً ، أن جمال الغيطاني يسقط الماضي على الحاضر ويؤكد نتيجة أساسية أن استبداد الناصريين هو السبب في الهزيمة 1967 م و انتصار إسرائيل على مصر و احتلالهم لسيناء ، فالقمع و الإرهاب يولدان الظلم و الجور و استكانة الشعب و جوعه ، وفي نفس الوقت يثير فيهم الثورة المكبوتة و التمرد الداخلي والاستعداد للانتفاض كلما حانت الفرصة . و بالتالي ،لم يحكم جمال عبد الناصر مصر إلا بجهاز المخابرات و المؤسسة العسكرية ، حسب دلالات الرواية و تصريحات الكاتب نفسه ، وأدى ذلك إلى الفساد السياسي و الهزيمة المعروفة مسبقا ، لأن مصر لم تكن مستعدة لخوض الحرب . ويقول جمال الغيطاني مشيرا إلى أبعاد الرواية السياسية مقارنا نفسه بابن إياس الشاهد على استبداد المماليك :" هناك وجوه اتفاق بين حياتي و واقعي وحياة بن إياس و واقعه ، ولكن هناك وجوه اختلاف و تباين كذلك (...). و قد شهد ابن إياس هزيمة المماليك أمام العثمانيين ، وشهدت هزيمة بلادي أمام الإسرائيليين .على أن هناك أشياء أكثر عمقا من هذا ، ففي فترة الستينيات كانت المشكلة الديمقراطية بالغة الحدة ، حتى إن نجيب محفوظ نفسه استخدم الرمز17 " .
و يسرد جمال الغيطاني الأسباب و الدوافع التي دفعته إلى كتابة (الزيني بركات ) بهذه الصيغة التاريخية التراثية و التي أرجعها إلى انتشار المخابرات و تتبع أجهزة أمن الدولة للمثقفين والمعارضين و التنكيل بحرية الصحافة و الإبداع و تكميم أفواه الشعب و تتبع أنفاس الرعية : " و كنت أشعر بوطأة القهر البوليسي ، و بحصاره للمثقفين و أفراد الشعب عموما ، كنت في رعب من الأجهزة الأمنية . و منذ بداية الستينيات و أنا أشعر بالمصادرة ، بالرغم من أني لست رجل سياسة، و لهذا حاولت أن أعرف كل شيء عن هذه الأجهزة و تركيبها الداخلي . و حينما بدأت أكتب " الزيني بركات " كنت أحاول أن أكتب قصة شخص انتهازي ، فقد استرعى انتباهي في الستينيات وجود نموذج للمثقف الانتهازي الذي يبحث عن شخصية كبيرة يحتمي بها أو يصاهرها كأن يتزوج ابنة شقيقها أو شقيقتها مثلا ، و هو انتهازي بسيط إذا ما قورن بنموذج انتهازي السبعينيات . لقد التقت هذه الملاحظة مع ما كتبه ابن إياس عن شخصية انتهازي خطير هو " الزيني بركات بن موسى" و بعد إن انتهيت من كتابة الرواية فوجئت بها تتحول من رواية انتهازي إلى رواية "بصاصين ".
كان العصر المملوكي عصر قهر رهيب، ولو قرأت أوصاف السجون و أبشعها "المقشرة" الموجودة بباب النصر لاقشعر بدنك، كان يلقى فيه الإنسان طوال عمره دون ذنب جناه أو محاكمة تقضي بذلك . و في "الزيني بركات " التقى القهر المملوكي بقهر الستينيات 18".
و سواء أكان الزيني بركات رمزا للانتهازية و الوصولية أو رمزا لقمع البصاصين، فإنه يدل كذلك على المستبدين الناصريين الذين دفعوا الشعب إلى حرب فاسدة و حصدوا الهزيمة قبل أن يشاركوا فيها ليشربوا بعد ذلك كؤوس المرارة و العار و الذل المحلي والقومي و العنف السياسي .
ويقول الدكتور حمدي حسين إن لجوء الغيطاني إلى هذا الشكل التاريخي مقلدا ابن إياس في بناء روايته و استخدامه مصطلح "سرادقات " و اقتباسه شكل "الحوليات"كان    هذا في حد ذاته:"كافيا للتعبير عن رؤيته السياسية التي تتمثل في غياب الديمقراطية،فما لجوءه لهذا في الحقيقة إلا قناع يتوسل به لتصوير رؤيته و هو في مأمن من الأجهزة البوليسية ، و هو في حد ذاته يحمل بعض الإدانة للفترة التي نشرت فيها الرواية و لجوء الكاتب لمحاكاة أسلوب بن إياس كانت غايته الإيهام بأنه إنما يكتب رواية تاريخية، و الحقيقة أنه استخدم شكلا تاريخيا و لم يكتب رواية تاريخية 19".
استنتاج تركيبي:
و عليه ، فرواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني رواية تراثية تندرج ضمن التخييل التاريخي، وتتخذ من زمن المماليك قناعا رمزيا لإدانة حاضر الستينيات في مصر . و هي – بالتالي- رواية طليعية و جديدة لبنيتها السردية التراثية التي تقوم على خلخلة البناء المنطقي والزمني للأحداث و اللجوء إلى تعدد الرواة و الرؤى السردية والإثراء اللغوي الأسلوبي لخلق رواية بوليفونية ، وتوظيف الوثائق و الخطابات السردية و عتاقة الأسلوب التراثي لخلق حداثة سردية و صوت فني متميز .
ويبدو لنا أن الغيطاني لم يكتب رواية تاريخية حرفية أو موثقة من أجل التوثيق الموضوعي، بل استحضر التاريخ ليسائله و يحاوره ويبرز نقط ضعفه و يحدد الأسباب و يشخص المظاهر ليصل إلى النتائج بطريقة جمالية و فنية رائعة .

 
الهوامــــش:
1- جمال الغيطاني: الزيني بركات، دار الشروق، القاهرة، مصر، بيروت، القاهرة ط1    ، 1989؛
و جمال الغيطاني من جيل الستينيات ولد في القاهرة سنة 1945م، نشر أول قصة قصيرة في يوليو سنة 1963 ،له تسع روايات أولها " الزيني بركات " سنة 1974م ، و آخرها "هاتف المغيب " سنة 1992م . و له مجموعة قصصية أولها " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " سنة 1969 م. و أخر مجموعته " ثمار الوقت " سنة 1989 ، و له ست دراسات أشهرها "أسبلة القاهرة" سنة1984، و "ملامح القاهرة في ألف عام "سنة 1983 م،و " نجيب محفوظ يتذكر" سنة 1980م.
2 - أحمد عزت عبد الكريم: ابن إياس"دراسات وبحوث"،طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1977م ،ص:14؛
3 - فاضل عبد اللطيف الخالدي: ابن إياس "دراسات وبحوث"،ص:28؛
4 - د . سيزا قاسم: روايات عربية، قراءة مقارنة، منشورات الرابطة الدار البيضاء، ط1 ، 1997م،ص:63؛؛
5 - د. سامية أحمد: ( عندما يكتب الروائي التاريخ)، مجلة فصول، مصر، المجلد 2، العدد2، سنة 1982، ص:68؛
6 - جمال الغيطاني: ( القلق، التجريب، الإبداع)، مواقف، لبنان، العدد 29، ص:111؛
7 - جمال الغيطاني: الزيني بركات، صص: 35-36؛
8 - نفس المصدر السابق، ص:14؛
9 - نفس المصدر، ص: 245-246؛
10 - سامية أسعد: (عندما يكتب الروائي التاريخ)، مجلة فصول، مصر،ص: 69؛
11 - رضوى عاشور: ( الروائي والتاريخ" الزيني بركات" لجمال الغيطاني)، مجلة الطريق، لبنان، العدد3/4 ،1981م،ص: 132، الهامش؛
12 - جمال الغيطاني: الزيني بركات، ص:7؛
13 - حمدي حسين: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية في مصر(1965-1975)، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 1994م، ص: 277؛
14 - حمدي حسين: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية في مصر، ص:377؛
15 - نفس المرجع السابق، ص:378؛
16 - سيزا قاسم : روايات عربية، قراءة مقارنة، ص:68؛
17 - جمال الغيطاني: ( مشكلة الإبداع عند جيل الستينيات والسبعينيات)، ندوة، مجلة فصول، مصر، المجلد 2، العدد2، سنة 1982م،ص: 213؛
18 - نفس المرجع،ص:385؛
19 - حمدي حسين: نفس المرجع، ص:385؛