أحمد صوان & ياسمين حسن - إشارة




بقلم:
أحمد صوان   -   ياسمين حسن

"عوّة.. آخر نوّة"..

   كانت تحب هذه الجملة في طفولتها.. طالما كانت تعشق نافذتها الزجاجية الكبيرة المُطلة على الكورنيش بينما يثور البحر أمامها وينتشر الصقيع، كانت تراها عودة للشتاء الحقيقي الذي تعشقه..

   تذكرت هذا وهي تنهض في الصباح.. نظرت إلى الصورة على هاتفها وغمغمت "صباحك حلو".. نهضت وأعدت نفسها للخروج سريعاً.. كانت تعرف طريقها ككل عام.
"إزيك يا أستاذة.. بقالنا زمن ما حدش شافك"، استقبلت النادل بابتسامة فاترة وهمّت بسؤاله عن مكانها المفُضل فابتسم وأشار إلى الطابق العلوي "فاضي.. احنا لسه في أول النهار"؛ عادت تبتسم بامتنان هذه المرة وأشارت إليه "قهوة زيادة لو سمحت"، أشار بمعنى أنه سيحضرها سريعاً وتحرك بينما صعدت سلم المكان الصغير ببطء.. جلست على مقعدها المعتاد وتركت المقعد أمامها خالياً وكأنها في انتظار شخص ما، لتجد الرجل يضع الفنجان أمامها وينصرف وكأنها لايريدها أن تشعر به.

   "القهوة الزيادة زيك وسط العيشة اللي أنا فيها.. حاجة حلوة وسط المرارة"، دائماً ما تتذكر عبارته كلما طلبت القهوة؛ ابتسمت وهي تنظر للبحر الثائر أمامها، استعادت لقاؤهما الأول في ذلك المقهى، عندما كانت منهمكة مع صديقتها في نقاش حول دراسة الفرنسية، عندها فوجئت بالنادل وهو يُنظف المائدة المجاورة يُصحح لهما ما تقولانه بصوت خافت؛ التفتت إليه فارتبك ومضى سريعاً.

   "أنت بتعرف فرنساوي؟"، سألته قبل أن يهبط السلم فازداد ارتباكه وأحنى رأسه مُجيباً في خفوت "أيوة"، قالها وأسرع هابطاً الدرج فنهضت خلفه، كان قد اختفى فسألت عنه المدير الذي أخبرها أنه حاصل على الماجستير في العلوم السياسية ويجيد ثلاث لغات "بس حظه قليل"؛ أثار قوله فضولها لتعود في اليوم التالي وتتحدث إليه بعد انتهاء عمله، يومها بدأ كل شئ.. 

"انتي مجنونة"..
   
   لم تنس عبارة صديقتها عندما أخبرتها أنها وقعت في غرامه، ساقت لها مئات المبررات بأنه مجرد عامل في مقهى حتى لو حمل شهادات العالم؛ بينما أصرت هي على الرفض مؤكدة أنه فقط لم يجد الفرصة التي تُناسب طموحه، كانت تتحدث من كتب ديل كارينجي وإبراهيم الفقي، بينما توجهها صديقتها بالحقيقة التي دفعت زويل والباز وغيرهما إلى الخروج بلا عودة؛ بعدها بأيام قاطعتها لمدة طويلة بعد أن علمت أنها ذهبت إليه طالبة منه الابتعاد.. واجهته هو الآخر بحقيقة ابن الموظف الذي يُنفق على شقيقته وأمه، وأنه لا يوجد ما يقدمه لابنة المحامي الكبير سوى قهوة الصباح.. أخبرته عن تقليدية العائلة التي تُحتم عليها الزواج من أول طبيب أو وكيل نيابة يطرق الباب، بينما أجابها في حزن بأنه لم يتوقع أن تتقدم علاقتهما خطوة واحدة.

   يومها لمحت الدموع في عينيه وهو يتحدث بلا توقف عن حظه العاثر، لم تشأ أن تُقاطعه وأرادت إفراغ شحنته كاملة.. صمت لحظات وبدأ يحكي لها عن صول عرفه قديماً في الجيش كان دوماً يحكي لهم قصته مع خيبة الأمل "مكنش فيه قعدة إلا ويحكي فيها الحدوتة دي.. إنه مرة لخّص امتحانات فرقة ترقي ووزعها على الضباط محبة فيهم وكان نفسه يعمله كتاب.. اللواء اللي كان ماسك الفرقة كدره وجاب له جزا.. وبعدها خد الورق ده وطبعه في كتاب عليه اسمه"، واصلت صمتها وبدت ملامحها متأثر بالحكاية بينما تابع "مفيش فرق كبير بيني وبينه.. احنا الاتنين انداس علينا".

   سقطت منه دمعه فأدار وجهه بعيداً، وتظاهرت هي بالعبث في حقيبتها حتى لا يشعر بالحرج، مسح وجهه بيديه وأكمل "مرة وأنا صغير نزلت اشتري هدوم العيد مع أبويا الله يرحمه، كان راجل على قد حاله بس كان بيحّوش لي قبل العيد يجي بست شهور علشان يفرّحنى.. بعد ما جبنا قميص وبنطلون واحنا ماشيين لقيت ترنج عجبني أوي، لمح الفرحة في عيني فابتسم ودخلت أقيسه.. لما خرجت لقيته زعق لي علشان مش رابط جزمتي كويس وخدني ومشي" رفعت عينيها إليه في دهشة فابتسم "لمّا روّحنا ودخلت أغيّر هدومي سمعته بيبكي وهو بيقول لأمي إنه لقى الترنج غالي ومارضيش يكسر فرحتي وأعرف إنه مش معاه.. صحيح كنت صغير بس كنت فاهم.. دخلت عليه وبوست إيده من غير ما اتكلم علشان ما أجرحوش.. خدني في حضنه وقعد يعيط".. 
"وبعدين؟"، سألته باهتمام فنظر لها ولم يبال بدموعه المتساقطة "دخل ينام وصممت إني أنام في حضنه.. صحيت من النوم لوحدي.. مات"..
"مش ممكن"..

   صرخت بها يوم شاهدت صورته في الصفحات الأولى لصحف الصباح، كان الخبر قصيراً حول اشتباك أمين شرطة مع شابين بسبب حساب مقهى، عندها أخرج سلاحه الميري وظفر كلٌ منهما برصاصة في رأسه؛ ظلت أيام طويلة لا تدري ما حولها.. أخبرتها أمها أنها كانت تتحدث إلى شخص ما طيلة الوقت حتى اضطر خالها الطبيب إلى حقنها بالمهدئات لأيام..

   انتفضت مع رنين الهاتف الذي شق أفكارها، نظرت إلى الشاشة التي أظهرت رقماً غريباً.. فكّرت في التجاهل لكنها شعرت أن المتصل لن يهدأ، التقطت سماعتها الصغيرة وفتحت الاتصال وهي تنوي أن تعرف المتصل فقط..

   "تعيشي وتفتكري يا حبيبتي".. ميّزت سريعاً صوت شقيقته التي أكملت "لمّا رحت لك الشغل ولقيتك أجازة قلت يبقى أكيد أنتي معاه النهاردة.. ما حبتش آجي الكافيه بس كان لازم أكلمك"، هزت رأسها وكأنها تراها دون حديث، فأكملت الأخرى وكأنها تراها "أنا بس حبيت أسلم عليكي.. وأفكرك بجملة كان دايماً يقولها.. أوعي تبيعي حضنك في إشارات المرور"..

   "علشان كده بعدتي عن الكل"، قالتها الطويلة وهي تنفث دخان سيجارتها بشدة فهزت رأسها "مكنش ينفع اتجوز واحد علشان بابا عارفه.. سيبك من إني مكنتش هوافق حتى لو مكنش موجود، لكن وجوده قوّى قلبي، حتى لو كان لأيام"..

   ساد الصمت بينهن برهة ثم نهضت الشقراء "كده هتقلب غم أكتر ما هي قالبة.. لأ.. نفك شوية يا بنات"، بدأ شبح الابتسامة يغزو وجوههن فيما غمزت "هعمل كابوتشينو وأحكي لكم على حاجة حلوة"..

بقلم:
أحمد صوان   -   ياسمين حسن

من المجموعة القصصية "الشيطان"- تصدر قريباً