‏فاروق جويدة‏: محمود درويش‏..‏ كان أجملنا‏




 ‏فاروق جويدة‏: محمود درويش‏..‏ كان أجملنا‏



لانستطيع أن نصنف محمود درويش علي أنه شاعر عادي‏,‏ ولا نخضع أشعاره لمقاييس النقد الأدبي‏.‏ فهناك بعض الشعراء الذين اختارتهم الاقدار ليكونوا رموزا وليسو‏‏ فقط مجرد شعراء‏.‏

وفي تقديري أن محمود درويش واحد من هؤلاء الشعراء وكان من الممكن أن يكون شاعرا عربيا عاديا‏,‏ لكن محمود درويش هو شاعر القضية الفلسطينية بلا منافس‏.‏

وبقدر ما اشعلت القضية الفلسطينية عقل ووجدان الإنسان العربي طوال نصف قرن من الزمان بقدر ما أخذ درويش مساحة في هذا الوجدان العربي‏.‏

إن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولي‏,‏ ولأن درويش رمز هذه القضية فقد احتل مكانة أكبر بكثير من مجرد أنه شاعر كبير‏,‏ ولهذا حينما يقيم محمود درويش كشاعر في مسيرة الشعر العربي لا يستطيع أحد أن يفصله عن هذه القضية أو يفصل هذه القضية عنه‏.‏

هذه مقدمة لابد منها أما محمود درويش الشاعر فأنا شخصيا أري أنه يمثل موهبة كبيرة بالفعل وانه اضاف للشعر العربي لونا ومذاقا جديدا‏,‏ وقدم تجربة شعرية متميزة ارتبطت بقضية قريبة جدا إلي قلوب الناس‏,‏ واستطاع أن يعبر عن كل هذا من خلال شعر جميل في لغته وصورته ورشاقة أسلوبه‏.‏

ومحمود درويش في السنوات الأخيرة وبرغم رصيده الشعري الكبير كان يسعي إلي اضافة جانب جديد إلي تجربته الشعرية‏,‏ وهو أنه شاعر إنسان يغني لهموم الإنسان في كل مكان‏,‏ وليس فقط شاعر قضية يمكن أن يختلف الناس عليها أو يتفقون‏.‏

كان شعر درويش في السنوات الأخيرة شعرا ناسفا يمثل مأساة الإنسان في هذا العصر بكل جوانب القبح والقسوة فيه‏.‏

وكنت أتمني لو امتد العمر بمحمود درويش حتي يكمل هذا التحول الخطير والكبير في مسيرته في الشعر‏.‏

وقد عرفت محمود درويش عن قرب والتقينا كثيرا في مناسبات عديدة منذ دعاني الراحل الكبير ياسر عرفات إلي الغداء في مقره في عمان في منتصف الثمانينيات‏,‏ وكنا نقدم يومها مسرحية الوزير العاشق علي مسرح جرش‏,‏ وكنت في صحبة عبدالله غيث‏,‏ وسميحة ايوب‏,‏ ونخبة من نجوم مصر كان في مقدمتهم كرم مطاوع وسعد أردش ومنذ هذا اليوم لم تنقطع صلتي بمحمود درويش‏,‏ وكثيرا ما جمعتنا لقاءات نزار قباني ومحمود درويش وأنا‏.‏

ولا شك أن رحيل محمود درويش خسارة كبيرة للشعر العربي‏,‏ وخسارة أكبر للقضية الفلسطينية‏.‏ ولأصدقاء درويش ومحبيه وما أكثرهم‏!,‏ غياب محمود درويش سوف يترك فراغا رهيبا‏.