إدوارد سعيد: خيانة المثقفين





"خيانة المثقفين" النصوص الأخيرة للمفكر الراحل إدوارد سعيد 

صدر، في دمشق، عن دار نينوى للدراسات والنشر، كتاب "خيانة المثقفين ـ النصوص الأخيرة"، يضم نصوصاً غير معروفة، كتبها المفكر والأكاديمي الفلسطيني إدوارد سعيد (1935 ـ 2003م)، في السنوات الأخيرة من حياته، وفيها يناقش دور المثقف في مواجهة الإستبداد والقمع والإنحلال الفكري العربي. 

وفي هذا الكتاب، الذي قام بترجمته أسعد الحسين، تم رصد المفاهيم الأساسية لكتابات سعيد من أجل اكتشافه من جديد وتحديد الأساسيات التي اشتغل عليها، من أجل إبرازها وتحديد مكانتها فكرياً وفلسفياً وثقافياً. هذه النصوص التي كتبها سعيد في سنواته الأخيرة، تثير الكثير من الأسئلة العميقة حول العلاقة الملتبسة بين المثقف ومحيطه، وأثر التحولات العالمية في إقصاء دور النخب، على يد الأنظمة المستبدة. 

من تلك النصوص، التي احتواها الكتاب، مقالٌ نشر عام 2001 بعنوان صدام الجهل ، يصف فيه سعيد الواقع العربي، معتبراً أنه انحدر إلى القاع في كل المجالات المميزة. وفي الوقت الذي تسير فيه بقية دول العالم نحو الخيار الديموقراطي، يذهب العالم العربي نحو درجات أعظم من الحكم الاستبدادي، والأوتوقراطية، وأنظمة المافيات. وإذا بالفاشية تتجذر، بشكل أصبح أي تحدٍّ لها مساوياً للشيطاني. 

يضيف صاحب "صور المثقف": "ليس عبثاً أن يتحوّل عدد كبير من الناس إلى شكل متطرف من الدين، نتيجة اليأس وغياب الأمل، وبطش الدولة الأمنية" . ويخلص إلى أن قانون الطوارئ الذي اخترعته الدول الأمنية بعد الاستقلال، أبطل الحقوق الديموقراطية، ما أدّى إلى انهيار الوضع الشرعي للفرد، وتلاشي حقه الأساسي في المواطنة، وحقه في العيش الحرّ، بعيداً عن أي تهديد شخصي من الدولة. هذا الخزي الذي يعيشه العالم العربي، نتيجة الانتهاكات المرعبة للسلطة، وصمت المثقفين، نتيجة الخوف من مصيرٍ غامض ، ينبغي مواجهته، وفق سعيد. ولن تكون هذه المواجهة، إلا عن طريق قوة الاحتجاج. 

ويروي سعيد في تلك النصوص أيضاً قصة ذات مغزى. فقد تلقى دعوة من مدير معهد ومتحف فرويد في فيينا، لإلقاء محاضرة فرويد السنوية باسم هيئة المعهد. لكنّه فوجئ ـ بعد أشهر ـ برسالة أخرى، تخبره بإلغاء محاضرته، بسبب الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط. 

ليكتشف ـ كما يقول ـ بأن الأمر يتعلق بصورة له، نشرتها صحيفة نيويورك تايمز بنسخة مكبّرة وخيالية، وهو يرمي الحجارة على الشريط الحدودي بين جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة. 

في المقابل، هناك حادثة أخرى تعود إلى السبعينيات، تتعلق هذه المرّة بتقديس كارل ماركس في الجامعات البولندية. حينها نبهه زميل في الجامعة بألا يكتب عن ماركس بطريقة نقدية. فقد فرضت الحكومة حظراً صارماً على الانحراف عن الخط الشيوعي . ويشير سعيد إلى حوادث أخرى، تتعلق بانتهاك حرية التعبير، كشكل نقيٍّ للهمجيّة الفكرية، من أميركا إلى العالم العربي، تحت بند حذف كل ما هو لا أخلاقي . ويتمّ ذلك بالضغط من وراء الستارة، والتهديد، والتخويف، للإذعان لرقابة مكارثيّة. 

ويعتبر(سعيد) أنَّ التحريم الأخلاقي، هراء مطلق، وفاشية مقنّعة، وتعتيميّة على التداول الراهن للأفكار المقبولة . 

ولاشك أن الهوة التي اكتشفها المفكر الراحل بين الجوانب الحقيقية والمعطيات التي تناولها المستشرقون جعلت مهمته أكبر، من هنا تصدى باكراً للهجمات التي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية للنيل من العروبة والإسلام والعرب، محاولاً عدم التفريق بين الحضارة العربية والإسلامية وجعلهما واحداً في إطارهما الزمني والمكاني والقيمي. واستثمار هذا الصراع الذي بدأ مع الإمبراطورية البيزنطية مروراً بالأندلس والحروب الصليبية وحتى الاستعمار الغربي الحديث وآخره غزو العراق وأفغانستان





الإبتساماتإخفاء