رانيا المفتى: فساتين - قصة



 فساتين

بقلم: رانيـا المفتـى


مع حلول شهر مايو ، وامتلاء  الـfacebook  بالإعلان عن بداية "موسم التزاوج" تبدأ ماهي روتينها الذي اعتادت تكراره قبل بداية كل موسم منذ بضع سنوات.

تعتذر لوالدتها عن المشاوير المعتادة  وتستغل يوم العطلة الإسبوعية لإتمام المهمة التي تجلب لها الكثير من الراحة النفسية. تستيقظ في الصباح الباكر و بعد احتساء "النسكافيه" تبدأ عملها في نشاط. 

تعرف عدد الأفراح والخطوبات التي ستقام فى الأشهر القادمة وأماكنها، تستعد كى تستعرض فساتينها..تختار أى ثوب سترتديه فى أى مناسبة و  تدون اختيارها فى قائمة أعدتها خصيصاً لهذا الغرض..ربما تبدو المهمة سهلة ولكنها تتطلب العديد من الترتيبات.
فعليها أن تتأكد من أن ثيابها مازالت مناسبة من حيث المقاس والموديل, فلن تسمح لنفسها بأن ترتدي شيئًا أصبح غير مواكب للموضة..تقتني عدد من الفساتين يسمح لها بألَّا تكرر ارتداء فستان مرتين في نفس العام..يزداد عدد فساتينها في كل مرة يأتي أخاها للزيارة من أمريكا مُحملاً بعدد لا بأس به من الملابس التي تختارها بعناية هي وأمها من مواقع الإنترنت. 

تختار فستانًا تلو الآخر..ترتديه..تقف أمام المرآة تتخيل شكلها بعد ارتداء الحذاء والإكسسوارات المناسبة، ذلك الثوب الأسود الأنيق..إن ارتدته مع عقد لولي وصففت شعرها بطريقة مناسبة..تصبح تشبه إحدى سيدات المجتمع فى عشرينيات القرن الماضى، تخيلت نفسها ترتديه في إحدى القاعات الملكية..تبعد عن العروسين بمسافة مناسبة بحيث يمكنها المشاهدة والابتعاد عن الراقصين في نفس الوقت، فذلك الثوب يناسب شخصية كلاسيكية..مهذبة..لا تزج بنفسها فى حلبة رقص المهرجانات المنتشرة حالياً..ثم يظهر..تلمحه يقف على نفس المسافة من حلبة الرقص..ترتسم على وجهه ابتسامة طفيفة..يقترب منها ليحدثها راغباً في التعرف إليها..فتعتذر فى أدب و لباقة..لا يصح لفتاة كلاسيكية تتبع قواعد الإتيكيت مثلها أن تتحدث إلى شاب غريب، لكنها تعتذر بطريقة مهذبة تناسب شخصيتها، لا تمر بضع أسابيع  حتى تتصل بها صديقتها العروس وتخبرها أن صديق زوجها أُعجب بأدبها ورقتها وإنه يبلغها اعتذاره إذا كان تسبب فى ضيق لها في الفرح وحرصه على التعرف عليها، فتقبل دعوة صديقتها على العشاء بحيث يمكنها أن تلقاه في بيئة طبيعية ومن هنا تبدأ قصة حبهما. 

ابتسمت للنهاية السعيدة ثم راجعت قائمة المناسبات لتختار الحفل المناسب لذلك الثوب الأنيق الذي سيساعدها على التعرف على الـ gentelman المناسب، لم يكن هناك غير حفل زفاف واحد في قاعة ملكية..فكل المناسبات في فصل الصيف تقام فى أماكن مفتوحة open air area و لا تستطيع ارتداء الثوب الأسود فى ذلك الحفل، فقد ارتدته فى مناسبة أخرى تجمع نفس الأشخاص..إن ارتدته سيظنون أنها ليس لديها ثياب كافية!!

أعادت الثوب مكانه..نظرت إليه وقالت: "معلش بقى... المرة الجاية...متزعلش".

الثوب التالي كان براق فضى اللون..قصير يكشف عن ساقيها..يمكن أن ترتديه مع حذاء أحمر يناسب بشرتها السمراء..يناسب حفل خطوبة صديقتها التى ستقام في حديقة إحدى الفيلات..ستقضي الحفل كله و هى ترقص بطاقة تناسب "جو السبعينات"، فعندما ترتدي ذلك الفستان يصبح شكلها يشبه فتاة مجنونة مفعمة بحماس وحرية سبعينيات القرن الماضى..يظهر هو على ساحة الرقص..بنفس الطاقة..بنفس الحماس، يتجه نحوها..تجد نفسها بتلقائية شديدة ترقص معه، لن يتوقفا عن الرقص إلا عند فتح البوفيه حين تتاح لهما الفرصة في التحدث والتعرف و التقرب أكثر من بعض.

 ابتسمت ثم دونت الفستان في قائمة المناسبات وأكملت عملها. 

أقرب مناسبة هي حفل زفاف إحدى زميلات الدراسة، الحفل سيقام فى الساحل الشمالي فى مكان يطل مباشرة على البحر، سيبدأ الزفاف فى وقت العصر، يجب أن ترتدي ثوب لونه مناسب لوقت الحفل، كانت تعرف الرداء الأمثل لذلك، ثوب جديد، لن تضطر أن تراجع قائمتها لتتأكد أنها لم ترتديه مع نفس الأشخاص من قبل أو تراجع صورها على شبكات التواصل الاجتماعي لتتأكد أن ليس لديها العديد من  الصور بذلك الفستان، لونه نيلي فاتح..اختارته بعد أن رأت إحدى ممثلات هوليوود ترتدى نفس اللون، جاء به أخاها في آخر زيارة له.

تخيلت نفسها..تقف تتأمل البحر..ثوبها الفضفاض يتطاير لشدة الهواء ..يأتى..يعرض عليها أن يعطيها "جاكت البدلة" لحمايتها من برد هواء البحر..تقبل بابتسامة..يتبادلان طراف الحديث..ينبهر بذكائها وثقافتها..يعجبها غموضه وتفتح أفكاره..تكون البداية لقصة سعيدة.

مع كل فستان ترتديه كانت تتخيل نفسها في موقف ما، كانت شخصيتها تختلف مع اختلاف الثوب، وكان هو يتغير حسب تغيرها، تارة يكون مرحًا واجتماعيًا..وتارة يكون غامضًا وقليل الكلام، ملامحه لم تكن ثابتة في كل قصة تؤلفها في خيالها، الشيئ الوحيد الثابت في كل قصصها كان أنه يأتي. 

ثم وقعت عينها على الفستان..أخذت تتأمله فترة وهو معلق في الدولاب، يبدو حزيناً لشعوره بالوحدة، لا تدري ما الذي أتى به في دولابها، فأمها حرصت على الحفاظ عليه عندها لمنعها من ارتدائه.

مر عامان على شرائها لذلك الثوب، مازالت تتذكر ذلك اليوم جيداً، كانت فى زيارة لأخيها مع أمها..لمحته فى فترينة إحدى المحلات..كان يناديها بلونه الوردي الفاتح..لونها المفضل..ألحت على أمها أن تجربه عليها..وافقت..رغم ضيق الوقت..كانت تعلم أنه باهظ الثمن..أرادت فقط أن ترى نفسها فى المرآة وهي ترتديه و تتخيل قصة من قصصها، فثوب مثل هذا يستحق قصة خاصة وليست تقليدية مثل باقي الفساتين، ولكن فاجأتها أمها بشرائها للفستان، وعند عودتهما للمنزل أرادت أن ترتديه ثانية ولكن أمها قالت: "بلاش...فال وحش أنك تلبسي فستان خطوبتك من دلوقتى".

لم تكن الفرحة تسعها، قَبلت أمها وشكرتها و ذهبت إلى غرفتها لتتخيل حفل خطوبتها وهي مرتدية الفستان. 

أغلقت باب غرفتها بالمفتاح برغم إدراكها أنها وحيدة بالمنزل، كان يجب أن تأخذ حذرها في لحظة تمردها النادرة، ارتدت الفستان..تأملت نفسها فى المرآة..كم يبدو رائعاً عليها، لم يعد حزيناً.

ثم أخذت تفكر في الذى دفع أمها أن تعيده إلى دولابها بعد أن كانت تحتفظ به فى مكان ما بدولابها الخاص؟ هل ضاق دولاب أمها فأرادت أن تعيده لغرفتها؟ ولكن دولابها هى بالكاد يتسع للفساتين الموجودة به،. أم فقدت أمها الأمل في أن تشاهدها وهي ترتديه في المناسبة المنتظرة فأعادته إليها بحيث يمكنها ارتدائه في إحدى مناسبات صديقاتها؟.

كانت تعلم جيداً شعور أمها بخيبة الأمل، فهي لا تفوت مناسبة بدون أن تصرح فيها بأن أقصى أمانيها أن ترى ابنتها عروسة، تنظر لها نظرة بمعنى "إمتى حيجي دورك" في كل مرة تعلن فيها ماهى عن ذهابها لحفل زفاف أو خطبة ..تتلهف أمها في كل مرة تحكي فيها عن إحدى أصدقائها أو زملائها الشباب..منتظرة أن تنهي الحديث بقول "وهو عايز يتقدملي" أو حتى "وهو معجب بي".

ارتمت على فراشها ودموعها تتساقط.

منذ أن وُلدت وهى تُبَشر من جميع الأقارب والأصدقاء أنها ستصبح في يوم ما "عروسة زي القمر".

لم تشكك في كلامهم قط ..لم ترى مبرر للتشكيك في كلامهم..لم يكن من الصعب على المرء عدم التطلع إلى وجهها..حافظت على جمال جسدها بقدر الإمكان..حاولت بشتى الطرق ألا تبدو شديدة النحافة كما كانت فى فترة مراهقتها..إهتمت بمظهرها ..ملابسها دائمة متألقة..لا تغادر المنزل دون وضع الكمية المناسبة من مساحيق التجميل بحيث تظهر جمالها ولكن ليس بالشكل الملفت وغير المناسب للحياه اليومية.

إتبعت تعليمات أمها في كل شئ..فالمهم أن تحافظ المرأه على أخلاقها وسمعتها، لأن هذه هي الصفات التي يبحث عنها كل رجل، حرصت أن تحافظ على دراستها..كانت دوماً من المتفوقين..فالرجل لا يحب المرأة الغبية، ولكن في نفس الوقت اختارت عمل تقليدى..ليس لديه مجال واسع من نبوغ.. ينتهي في الثالثة.. وقت مناسب لعودة أي زوجة لمنزلها لتبدأ أعمال المنزل وواجباتها الزوجية، تمحورت حياتها كلها حول شئ واحد..هو..كيف تصبح زوجة مثالية..لكن دون أن تفكر في ضرورة وجود زوج أولًا، ولم تكترث لذلك، لقد أكد الجميع أنه آتٍ لا محالة، و لم يلمح لها أحد أنه يحتمل أن يتأخر.

كل أصدقائها وزملائها الشباب يوصفونها بنفس الوصف "جدعة ...وبميت راجل"، كانت تظن أن هذا الوصف إيجابى، فكانت تعتقد أن الرجال لا يحبون الفتاة الضعيفة التي تعجز عن الاعتماد على نفسها، و لكنها كانت مخطئة، على ما يبدو أنهم يفضلون الفتيات المفرطة فى الدلال الزائف الذي يصل لحد "المياصة"، ولعدم قدرتها على التصرف مثل باقي الفتيات، كل من دخل حياتها كان يعاملها كصديقة..كأخت ..يحكون لها عن مشاكلهم مع صديقاتهم..تحاول نصيحتهم بقدر الإمكان..تسعد عندما تنتهى إحدى القصص نهاية سعيدة كنهايات الأفلام التي تتمناها.

ولكن متى يأتي دورها هى؟ متى تشعر بتلك السعادة المفرطة لوجود شخص مهم في حياتها؟ متى ترتدي ذلك الفستان بدون الحاجة للتخفى من أمها؟ متى ستشهد أمها وهي تبكي من الفرحة لتحقق أمانيها أخيراً؟ هل يمكن ألا يحدث كل ذلك؟ أن يتقدم بها العمر فتضطر أمها أن تقنعها بالرضا بإحدى الزيجات الباردة التي لا تقوم على المشاعر والرومانسية؟ تعلم أنها إن وصل بها الأمر لذلك سترضى من أجل إرضاء أمها، رغبتها فى الزواج تفوقت على رغبتها في أي شئ آخر..فأصبحت تشعر أن حياتها لن يكون لها هدف ولن تشعر بالسعادة إن لم تتزوج، ولكنها لن تسعد وهى تتزوج شخص لم تعش معه إحدى القصص الرومانسية التي ترسمها فى خيالاتها..لن تسعد وهي تشعر إنها سلعة تباع وثمنها يحدد على أساس سمعتها و "كلام الناس" وليس على أساس أهميتها بالنسبة لزوجها المستقبلي..لن يكون للفستان طعم حينها، لن تشعر أنها مناسبة خاصة ترتدي لها ثوب خاص.

سمعت صوت أمها في الخارج..انتفضت..خلعت الفستان على عَجل قبل أن تراها أمها..فهي تكره أن تغضبها، ولكن..تمزق الفستان مع حركتها السريعة..تَلف لتركه لأعوام في دولاب قديم رطب، تحققت منه فى المرآة لترى إذا كان الضرر بالغًا يصعب إصلاحه، أصبح الفستان ليس إلا قطعة من القماش تغطي جسدها لا يميزه شئ بعد أن كان أعز الفساتين عليها، جاء صوت أمها من خارج الغرفة متسائلة عن سبب إغلاقها باب الغرفة..حدث كل ذلك في غضون ثوان معدودة..لم تعرف كيف تتصرف، فتحت الباب لأمها التي كانت مندهشة لمنظر ابنتها بالفستان الممزق..ارتمت في أحضانها وبكت كما لم تبك من قبل. 





شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء