أشرف توفيق: مولاي.. وروحي في يده، إن ضيعها سلمت يده.؟!




مولاي.. وروحي في يده، إن ضيعها سلمت يده.؟!



بقلم الكاتب الكبير: أشرف توفيق



  من أين أبدأ والبدء كان كلمة ؟ هل يمكن لي أن أعود بك إلى هناك حيث القاهرة- المولد والوطن- وبدء الخطى؟ أي ذكريات نحتفظ بها عن البدايات،عن عوالم الطفولة ؟ لن أضجر  من الاعتراف القاهرة مسقط قلبي.مدينة دمغتني بكل ذكرى عشتها فيها، وعلمتني دروسا حتى مطلع العشرينات من عمري حين ودعتها وغادرتها بعد شجار مجنون من شجارات العشاق ولم أعد بعدها أبدا. افترقنا وبقيت تقيم في قلبي بشوارعها وجوامعها ومقاهيها ،ونكهتها القديمة،وطقوسها اللامنسية.أحن إلى بيت جدي في ”حارة الأشراف ” خلف جامع السيدة زينب ، ولعل بابه العتيق لن يتعرف عليّ اذا عدت اليوم وقرعته.   غادة السمان.






   احب الروائي الفلسطيني غسان كنفاني غادة السمان وتبادلا الرسائل العـاطفية وبدا عاشقاً ضعيف القلب،لا يلتفت كثيراً لما يردده أهالي بيروت عن أنه ساقط في الخيبة وأنه سيتعب من لعق حذائها البعيد، ومن أنها لا تكترث به، وأنه ملحاح كالعلق،هكـذا أعلن عن حبه ببساطة ووضوح، مؤكداً أن مشاعره لا يمكن فهمها في شارع الحمراء". ومنـذ عشرين عاماً نسف الإسرائيليون غسان كنفاني،فاكتملت أسطورته هو المبدع الفذ الذي يبدأ منه تاريخ تبلور النثر الفلسطيني، الذي نقل الحبر- بتعبير محمود درويش- إلى مرتبة الشرف حين أعطاه قيمة الدم وهو النموذج والمثال، نتاج رحلة العذاب الفلسطيني من السقوط المتمثل في وعاء المخيم، حتى الصعو  د المتمثل في واقعية البندقية . نشرت غادة السمان رسائل غسان العاطفية إليها، دون نشر رسائلها هـي إليه، ليظل الكتاب ناقصاً ومخالفاً لوجه الحقيقة.. تقول غادة إن رسائلها ليست في حوزتها؟! ربما لكن يبقى تاريخ العلاقة في وجدانها. لكنها التزمت الصمت والموقف الحيادى فلـم تعلق على رسالة واحدة، لم تضف هامشا، لم تفصح عن صورتها أو ملامحها يوم كانت، لتتيح أمام القارئ اكتمال المشهد.. ثمة رجل يدعى غسان كنفاني هكذا انتقت بحيادية تامة عبارتها.تصورت غادة أن كتابها جريء جدا يتحدى"مؤسسةالرياء الاجتماعي"- حسب تعبيرها- ويرفض الخضوع لزمن الغبار الذي يتكدس في الحناجر ولا تملك جرأة المجابهة لأن فعله الحقيقي هو"فعل" غسان، وموقفه الحقيقي هو موقف غسان وجرأته الحقيقية هي "جرأة" غسان تتوارى غادة دون فعل، دون موقف دون جرأة. 

   أما من هو غسان كنفاني بطل هذه الرسائل؟! فبيانه,ولد غسان كنفاني في مدينة عكا بفلسطين عام 1936 ومن عائلة متوسطة انتقل مع أبويه إلى يافا، حيث تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة تابعة لارساليه فرنسية، وقبل أن يكمل عامه الثاني عشر قامت العصابات الصهيونية بمهاجمة المدن الفلسطينية.فاضطر إلى النزوح مع عائلته المكونة من أبويه وجده وسبعة أشقاء إلى جنوب لبنان وأقاموا هناك فترة من الزمن.ثم انتقلوالدمشق،التحق غسان بحركة القوميين التي كانت قد طرحت شعار مناهضة الاستعمار.ثم انتقل إلى بيروت عام 1960، حيث عمل محرراً أدبياً لجريدة "الحرية" الأسبوعية ثم أصبح عام 1963 رئيساً لتحرير جريدة "المحرر" كما عمل فى مجلة "الحوادث" حتى عام 1969 ونشر فيها رواية: من قتل ليلى الحايك، وعائد إلى حيفا. ثم أسس مجلة "الهدف"وبقي رئيساً لتحريرها حتى استشهاده.ففي صباح الثامن من حزيران عام 1972 استشهد غسان على أيدي عملاء إسرائيل عندما انفجرت قنبلة بلاستيكية ومعها خمسة كيلو جرامات من الديناميت في سيارته وأودت بحياته الغالية.. 

   تقول زوجته ورفيقة نضاله السيدة "آني": بعد دقيقتين من مغادرة غسان ولميس- ابنة اخته- سمعنا انفجاراً رهيبا.. تحطمت كل نوافذ البيت.. نزلت السلم راكضة لكي أجد البقايا المحترقة لسيارته.. وجدنا لميس على بعد بضعه أمتار.. ولم تجـد غسان ناديت عليـه.. ثـم اكتشفت سـاقه اليسرى.. وقفـت بلاحراك.لقد قتلوك".بقي أن نذكر أن المحققين وجدوا إلى جانب السيارة المنسوفـة ورقـة تقول "مع تحيـات سفـارة إسرائيل كوبنهاجن".من المعروف أن "غسان كنفاني" كان متزوجاً من فتاة دانمركية اسمها "آني" هذه الفتاة كان لها دور كبير في حياة غسان وفي نضاله ونشـاطه الثوري، 

  وقد اعتمد عليها غسـان في توثيق صـلاتـه بكثير مـن الأوسـاط الأوربية.. بل واعتمـد على مساعـدتها له في الحصول على كثير من الـوثائق المتصلة بواقـع العرب في الأرض المحتلة هـؤلاء الذين كانوا يبلغون حوالي ربع مليون مواطن عربي داخـل "إسرائيل" قبـل عام 1967 والذين أصبحوا أكثر من مليون ونصف مليون مواطن، بعد أن وقعت الضفة الغربية لنهر الأردن تحت سيطرة الاسرائيليين، لـذلك فإن هذه الـورقة التي عثر عليهـا المحققون بمكـان الانفجار تعني إشارة واضحة للدور الذي لعبه غسان من خلال هذه الزوجة المثقفـة الوفية.؟! 

   المهم بعد أكثر من عشرين سنة تفتح غاده السمان خزانة أوراقها الخاصة وتنفـض الغبار عن رسائل غسان إليها وتـدفـع بها للنشر- تنشر غادة الكتاب عن طريق دار نشر زوجها بشير الداعوق- من يصدق؟! الذى تزوجته فيما بعد, تقول السمان: أعتقد أن سبب نجاح زواجي من بشير الداعوق يعود إلى عيوبي وفضائله. فقد أحبني كما أنا، ونعمت من طرفي بنبله وكرم روحه وحبه لما أكتبه وحرصه عليه أكثر من أي شيء آخر بشير الداعوق رجل عربي نادر لا يشبه أحداً ولا يمكن تعويضه؟! نعـم يعرف. كثيرون أن غسان كـان يحبها.. وأنه وقع في هواها في 66 - على الأرجح - حين كـانـا يعيشـان في بيروت من تلك الرسائل اختارت غادة اثنتي عشرة رسالة فيما بين 66 و 68. ونشرتها. مع صور خطية لها، ومقدمتين.في المقدمة الثانية.. دعك من الأولى التي ليست سوى اقتبـاسـات من الرسـائل ذاتها تـورد السيدة مبرراتها لنشرها هي ليست - فقط الوفـاء لعاطفتها الغابرة المتجـددة نحوه- بل وفاء لمبدع من بـلادها اكتمل بالموت. 

  ولا تنسى حرصاً منها على علاقات أخرى في الماضي والحاضر ثم لكي تضيف بعداً إنسانياً جميلاً لصورة المناضل من الداخل قبل أن يدخل في سجن الأسطورة وأخيراً تمارس السيدة غادة لحظة صـدق، فتضبط نفسهـا وهـي تكـاد تتسـتر على عامـل نرجسي لا يستهان بـه: الفخـر بحـب رجـل كهذا،، أهـدى روحه لوطنه وأنشد لها يومـاً ما معناه: مولاي وروحي في يده، إن ضيعها سلمت يده. فصورة العـلاقة بينهما- كما تعكسها الرسائل هي صـورة تعلق جارف من طرف، نراه ونسمع لهاثه ونقرأ كلماته الشاكيـة الضـارعة الغـاضبـة الآمله، ونحس عذابه الجارف الطاغي لملك الطرف الآخر. بعبارة ثانية أن صورة غاده- كما تبدو في تلك الرسائل- هي صورة فتاة طـاغية الأنوثة، مرحة لعوب، في إحدى الرسائل يقـول لها.. "أنـت صبيـة وفـاتنة وموهوبـة". وأكثر الأوصاف التي يصفها بها تردداً هـي "يا شقية". تعبث بالرجل الذي أيقنت.. من رسالته الأولى- أنه يحبها، والـذي تعرف عنه أنه- كـما يصـف نفسه في رسالته الأخيرة : "كرة متشابكة مـن الأعصاب والجروح" وهـي في هذا العبـث ليست عادلة تستخـدم سلاحـاً موجعاً كـان غسان زوجاً وأباً وكانت هي حرة طليقة. في إحـدى رسائله يحلل غسان علاقتهما مشيراً لهذه النقطة بالتحديد: "لقداستسلمنا للعلاقة بصورتها الفاجعة والحلـوة، ومصيرها المعتم والمضيء. وتبادلنـا خطأ الجبن: أما أنا فقـد كنت جبانا في سبيل غيري، لم أكن أريد أن أطوح بالفضاء بطفلين وامرأة لم يسيئوا إلي قط، مثلما طـوح بي العالم القاسي قبل عشرين سنة، أما أنت فقد كان كل ما يهمك نفسك فقط".وفي أكثر تلك الرسائل حميمية وسخونة وامتلاء بنـزف القلب،. قالت لـه في الصباح انها ستأوي إلى فراشها في العاشرة من المساء. ولذك"اذهب لبيتـك باكراً اليوم" لكنها حتى منتصف الليل لم تكـن هناك، ولا في الواحدة، ولا في الثالثة.."ثم هاتفت لها فأبلغتني أنها كانت تشرب نبيذاً وأنها سهرت مع صديق.. وهذا ما كانت تريد أن تقوله! هل تتصورين؟ كانت تجهد لتنال أذنى كي تصـب فيها اللعنة، ترى.. مـا الذي يذكر هذه الإنسانة في إلا الذل؟".

  ولم يكن غسان ظالماً لها بل كـان - شأن العشاق الكبار- يتلمس لها الأعذار والمبررات فهي وحيـدة "لا تستطيع أن تردم الهوة بينها وبين العالم إلا بالرجال، وهي تفضل التفاهة والمشـاعر التي تمر كل السطح. وكان يبدو انه يعرف أن الحياة قد خدشتهـا بما فيه الكفـاية لترفـض مزيداً من "الأخداش" ولكـن لماذا كان يدفـع الثمن؟ يقول: أمس صعقتني مثلاً حين قلت لها انني أرغب في رؤيتها فصاحت: اتحسبني بنت شارع؟ كانت ترد على غيري، وكنت أعرف ذلك؟ ولكن.. ما هو ذنبي أنا؟" ومن سياق الرسائل أيضاً نفهم أن ثمة صراعاً كان ناشبا بين الأنثى والكاتبة فيها (كان يصفها بأنها " امرأة حتى كعب حذائها". ويخاطبها "أيتها المرأة قبل ألف من أن تكوني أديبة وكاتبة"). وكان غسان يحاول أن يدفع صاحبته نحو الانحياز للكاتبة فيها، يكتب مرة ضارعاً إليها أن تكتب له: "اكتبي أيتها الحلوة الذكية، تمسكي بهذا الشيء الذي يستطيع إلى الأبد أن يكون درعك أكثر مما يستطيع أي رداء مبتكر "وقصير" أن يفعل بالنسبة لك الحياة ملحمة انتصار تبدأ من العمق فما فوق، فلتجعلي همك هناك.. اطرحي.. مرة وإلى الأبد،حيرتك الأنثوية المغيظة يين رأسك وركبتيك فتكسبي رأسك ورءوس الآخرين . 

   وبعد نحو 12 عاماً على صدوره، قررت السمان إصداركتاب "محاكمة حب" ضمن سلسلة "الأعمال غير الكاملة" لها تحكي فيها كل تشعبات القصة " هى وغسان" إصداء الكتاب الى تناول النقاد والصحافيين له، الى أوراق خاصة لم تنشر،وإذا السمان تتحدث عن أمراض ثقافية لأنها اعتبرت "هجوم" الصحافة العربية عليها من باب قمع الحريات الذي يتعرض له الكاتب في المجتمع العربي، وبالأخص المرأة.  الكتاب ممتع من ناحية تسلسله وسرده "للواقعة" كما حصلت، والأشد متعة في الكتاب تلك المحاورات المنشورة التي هي في صلب الكتاب إذ إنها تتضمن كل التفاصيل وكل الاجابات عن تساؤلات قد يطرحها القارئ حول الموضوع. وبعد اهداء أول الى رفاق القلم الذين دعموا الكاتبة في خطوتها البيوغرافية غير المسبوقة في العالم العربي والى الذين "وقفوا ضد همجيتنا الأبجدية المتمثلة في إحراق بعض أوراق راحلينا المبدعين في غياب أي مؤسسة عربية ترعى الميراث الثقافي للراحلين" والى الذين "هاجموا" والى الذين "حاوروا"... وبعد اهداء ثان الى "عشاق الشغب على الغبار والشخير التاريخي من المنظرين للرياء والدجل واستغباء الناس وقمعهم وتخويفهم وإرغامهم على القيام بدور الرقيب الذاتي...

  " كتبت السمان في فصل بعنوان "مصارحة" ذكرت فيه ان نحو مائتي مقالة نقدية سطرت حول هذا الكتاب، نصفها ضد الخطوة ومنها "مقالى فى مجلة العربى" ونصفها الآخر يؤيد "فعلتها"ونشرتها ولم تعلق عليها.وتنشر السمان في "محاكمة حب" وقبل البدء بالمحاكمة نصين غير معروفين بخط يد كنفاني وهما مضمون رسالتين موجهتين الى غادة السمان تحت عنوان أوراق خاصة. وإذا السمان تدافع عن كتابها "رسائل حب غسان كنفاني"، فهي تثير زوبعة أخرى بنص يذكر فيه كنفاني كراهيته للشاعر نزار قباني في هجاء جاء فيه:. "كان رأسه يابساً وشعره منتصبا كأنه شعر الفرشاة.. وكنت أضحك دائماً حين كنت أراه: فقد كنت أتصور أنه لو قطع هذا الرأس وألقي في دغل لحسبه قنفذ ما أنثاه الغاضبة!إنه رجل تافه: لو قدر له ان يقطع حياته جيئة وذهاباً أربع مرات على التوالي، فوق حقل من الطين، لما ترك أثراً! ثرثار... الى حد صار من غريزة أجيال الذباب ان تعرف الفخ المنصوب بين أسنانه!"وتذكر غادة السمان في إشارة تحت النص وبالحرف الصغير ان نزار كان قريبها عائلياً وكان يلتقيه كنفاني في بيتها..." ونزار أيضاً بادل غسان كرهاً بكره، وكان منظرهما معاً مسلياً: مبدعان وذكيان يتبارزان بالأبجدية كطفلين".. .كذلك يتضمن النص الثاني كلاماً في الحب من فصيلة الكلام الذي رفضه القارئ والناقد في الرسائل المنشورة سابقاً: ..."لو وجدت في كوة الضوء التي انفتحت أمامي بعد رحلة الشوك الطويلة واحدة غيرك لمت من اليأس، ولكن انت؟ أنني استغرب الرحلة الآن، بل أرى أنني لو لم اقطعها ـ في الليل والجرد والتوحش ـ لما وجدتك... لقد جفت فجأة نقاط الدم التي تركتها تسيل وتنطبع على احجار الطريق لتدلني على العودة الى البداية، وصرت بالبداية من جديد.أحس، أمام عينيك الشاسعتين، إحساس كاهن يستمطر السماء. إن وجودي كله معلق هناك، كي أفرش كفي ذات يوم خارج باب الكهف، فإذا بها تمطر".كلام جديد في الحب من محفوظات السمان كتبه لها كنفاني وتطلقه من جديد متحدية كل من يقف في وجه الحب الأشد قوة وتأثيراً من كل كلام. وكأنها بذلك "ترد الصاع صاعين". وتتحدى من رفض كلام العشق وضعف المعشوق بكلام جديد عنه. 

  وكنفاني في هذا النص أيضاً يشكو ولعه وحاجته الملحة الى وجودها بقربه ليستمد منها قوة. وأيضاً كأن السمان تحاول أن تجعل كنفاني يتكلم ويرد على المنتقدين برأيه الخاص بالموضوع: "أنت تستحقين أن أرحل اليك، عبر الليل والبرد والتوحش، ثلاثين عاماً"...وتفتح المعركة أو المحاكمة على الصحافة والصحافيين الذين انتقدوها بسيف استلته من كنفاني نفسه.وليست الحوارات المنشورة كلها ضد فكرة نشر رسائلها، بل على عكس ذلك، فثمة حوارات منشورة تفتح الأفق أمام كلام وكلام في الحب والكتابة والحياة والنضال والأدب والموت وكل الموضوعات الحية التي غالباً ما عالجتها السمان في أدبها، فتجيب بجمالية فائقة وبكلام مصفى على اتهامات واتهامات. وبما انها تسمي المحاكمة باسمائها فالحوارات استجوابات:  في حديث صحفي قالت غادة السمان إن "ملف غسان كنفاني مفتوح للحقيقة وللتاريخ ..فقد شكل كتاب "الرسائل" وما جاء بعده, أقوى ضوء ُسلِطَ على غسان كنفاني, وكانت له أصداء أكثر من مهرجانات التأبين التي أقيمت له على مدى عقدين من الزمن..لقد أعاده هذا الكتاب حياً بكامل بهائه الإنساني؛ لأنني وجدت حقيقته أجمل من تمثاله, ولم يسيء أحد إلى غسان كنفاني بقدر ما أساء إليه الذين اتهموني بتشويه صورته, فأنا لم أزور الرسائل ولم أستتر عليها لأنني لم أر فيها ما ينتقص من عظمة غسان, بل ما يضيف اليها" يقول غسان لغادة في رسالة: "إنني على عتبة جنون ولكنني أعرف قبل أي إنسان آخر أن وجودكِ معي جنونٌ آخر له طعم اللذة، ولكنه- لأنك أنتِ، التي لا يمكن أن تُصلح في قالبٍ أريده أنا- جنون تنتهي حافته إلى الموت! أمس رن الهاتف في المنزل، ورفعت السماعة..لم يكن ثمة أحد يتكلم على الطرف الآخر وهمست، بعد لحظةٍ، بصوت جبان: غادة؟" وهذا كله لا يهمك ..أنت صبيّة وفاتنة وموهوبة..وبسهولة تستطيعين أن تدرجي اسمي في قائمة التافهين، وتدوسي عليه وأنت تصعدين إلى ما تريدين..ولكنني أقبل..إنني أقبل حتى هذه النهاية التعيسة!" "ماذا أقول لكِ؟ إنني أنضح مرارة..يعصر لساني الغضب مثلما يعصرون البرتقال على الروشة، لا أستطيع أن أنسى، ولا أستطيع أن أبعد عن وريدي شفرة الخيبة التي بذلتِ جهداً، يشهد الله كم هو كبير، لتجعلينني أجترعها بلا هوادة!"لا أعرف ماذا أريد. لا أعرف ماذا أكتب. لا أعرف إلى أين سأنتهي. والآن – خصوصاً – أنا مشوش إلى حد العمى : إن النقرس يفتك بي مثل ملايين الإبر الشيطانية. أشفقي عليّ أيتها الشقية ...فذلك، على الأقل، شيء يقال"قلتِ: نتحادث في الهاتف..أما أنا فليس لدي قرشٌ أستطيع أن أصرفه، وأن أصرفه خصوصاً على عذاب لا أحتمله. لقد تقوّض هذا الشيء الذي كنته، وأنا حطام، وأعرف أن ذلك شيء لا يسرّك كثيراً، ولكنه حدث: عنوان القصة"حازم؟ أجل حازم، من نوع أكثر صميمية: إنني أكثر شجاعة منه في وجه العدو المعذ ِّب، ولكنني أقل منه شجاعة في وجه الحب""حازم :أحد أبطال قصص كتاب غادة السمان" الطريف حقاً في الجدل الذي أثير حول كتاب الرسائل أنها المرة الأولى التي ينافح فيها العربُ عن سمعة رجل ارتكب "خطيئة" الحب، دون أن يبالوا بسمعة ومشاعر الأنثى التي أعلنتْ هذا الحب في ليل الأول من فبراير شباط عام 1967 

 يكتب غسان لمحبوبته التي تتجاهله قائلاًأمية : أمية اللوزي زوجة سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة "الحوادث"، وكانا صديقين حميمين لغادة وغسان كمال : كمال طعمة، صديق مشترك كان يشاركهما السهر هو وعاطف السمرا وسواهما من الأصدقاءوعندما نتأمل تلك الرسائل، سيلفت انتباهنا أن رسائل غسان كنفاني لغادة السمان خطابات "إنسانية" تختلط فيها الصداقة العميقة بلغة العصر وأوجاع الزمن. تختلط فيها الصداقة بالقضايا. ولهذا جاءت رسائل غسان وثيقة "عشق عاقل" إن صحت العبارةوقد يتساءل القاريء عن رسائل غادة السمان إلى غسان كنفاني..وهي ترد على ذلك بوضوح في كتاب الرسائل قائلة: "وريثما أحصل على رسائلي إليه فأنشرها ورسائله معاً، أكتفي مؤقتاً بنشر رسائله المتوافرة، بصفتها أعمالاً أدبية لا رسائل ذاتية أولاً ووفاء لوعد قطعناه على أنفسنا ذات يوم بنشر هذه الرسائل بعد موت أحدنا"وهي بالمناسبة لم تنشر رسائله كلها، فقد ضاع بعضها – بحسب غادة- إثر احتراق منزلها ببيروت عام 1976، وما تبقى نشرته بعد حذف المقاطع السياسية التي لا بد أنها قد حملت جزءاً كبيراً مما لم يتضمنه أدب غسان كنفاني وربما جاز لنا أن نشير إلى أن أرشيف غادة السمان غير المنشور والذي أودعته في أحد المصارف السويسرية، يضم مجموعات من الرسائل تعد غادة بنشرها "في الوقت المناسب"... ولأن غادة كانت نجمة في سماء بيروت الثقافية في عقد الستينيات فإنه من المتوقع أن تؤرخ هذه الرسائل لتلك الحقبة ومن المنتظر أيضاً أن تكشف عن علاقات عاطفية لم تكترث غادة لإخفائها آنذاك، خاصةً مع ناصر الدين النشاشيبي الصحفي الفلسطيني الذي كشف عن وجود رسائل عاطفية موجهة له من غادة في أواسط الستينيات 

  وقد تحدث النشاشيبي عن "علاقة حب عاصفة جمعتني بالأديبة غادة السمان، وقال "جمعتني لقاءات بها قبل أن تتزوج، وشرفتني بالزيارة إلى منزلي بجنيف وأقامت معي؟!". وما كتبته في كتابي "المرأة تحب الكلام" تحت عنوان "كاتبة الليل" كان عن غادة السمان"!. ومن الأسماء الأخرى المرشحة لنشر رسائلها مع غادة، الشاعر الفلسطيني كمال ناصر الذي اغتيل في أبريل نيسان عام 1973 في حي فردان في بيروت على يد فرقة كوماندوز إسرائيلية قادها إيهود باراك .,,والغريبة اصرار غادة وهى فى منتصف الستين، أن ترجع لزمانها .. زمن الأنثى المرغوبة والمدللة ففى عام 2012

  قالت "غادة" : سانشر عن الرجال الذين اعطونى افضل مافى الحياة فغسان كان ينشر رسائله لي على صفحات الصحف ويقوم بقراءتها على الأصدقاء معلنا حبه، وبالتالي أنا لم أبح بسر ،ثم إنني توهمت أن خطوتي هذه ستشجع سواي على سد النقص العربي في حق أدب المراسلات والاعتراف وللأسف كنت مخطئة، وحدث العكس ولم يجرؤ أحد خلال العقدين الماضيين على مجاراة خطوتي  والغضبة ( المضرية ) والحملة الصحافية عليّ أخافت الكثيرين ، لكنها ببساطة لم تخفني ولأن أحدا سواي لم يتقدم ( لتعليق الجرس)  سأوقم أنا بذلك وسأتابع نشر رسائل المبدعين الراحلين لي وليكن ما يكون ، ثمة حروف جميلة في الأدب العربي لا يحق لأحد احراقها أو حذف كلمة منها ، سأقوم من طرفي بنشرها وأعرف أنه سيأتي في المستقبل من يساهم بذلك ،لقد سبقنا كثيرا الغرب في حقل نشر رسائل المبدعين واعترافاتهم أما عندنا فقانون الازدواجية يحول بيننا وبين نشر الحقيقة وكم أثار الراحل الكبير" سهيل ادريس"غضبا حين كتب في مذكراته حقيقة والده ، إنه الرائد الأول في قول الصدق في صفحات مذكرات عربية." لقد أحب غسان كنفاني هذه المرأة حباً زلزل كيانه، إلى الحد الذي يقول لها فيه :" لمأعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً. لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساكِ، لا...إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معكِ ويبدو لي أنني سأنتهي،معكِ"يبدو أن حالى معها كان يشبه حال غسان كنفانى مع غادة ..نفس العذاب ونفس الهوان.؟! 

  ولذا فعلى طريقة غادة نشرت عن نفسى وعنها ورحب موقع القصة السورية بذلك ونشرة باعتبارة رؤية نقدية لكتاب غادة عن غسان كنفانى،وغادة نفسها قبله نشرت مانشر فى مجلة العربى فى كتابها "محاكمة حب" 

  ووجدت نفسى مع أوضد "ليلى الحر" التى جلست وهمست: لماذا أنت ضد غادة وبقسوة؟انك لا تعرف غسان فقد كان طوفانا، يجتاح الجميع وكان يحب غادة حباً كبيراً ومخيفاً، فهولا يعرف رجلاًغيرهو ولافناناً سواه،ولاسياسيا أو شاعرإلاهو- حفنة من العبقرية والنرجسية المعقدة- وكنا نعرف انه من الفنانين الذين يعيشون جنونهم .. كيوسف ادريس عندكم هل تعرف أنه حب غادة ايضاً؟ القدر حاصر غادة بالمهوسون بالفن. فالمهوسون يحبون فن بعضهم البعض؟


البريد الالكتروني للكاتب:

Ashraftawfik11@gmail.com








شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء