أحمد صوان يكتب: الرسائل (1)



الرسالة الأولى..

القاهرة- نوفمبر 2015


بقلم: أحمد صوان

عزيزتي..
أعلم أن كلانا يُفضّل هذا اللقب.. بعيداً عن التكلف ويجمع العديد من التصنيفات في الوقت نفسه، أحب أننا لا نُبالي بتلك المُسميات الأخرى التي يتعامل بها الآخرون.. 

إنها الرسالة الأولى ولا أتوقع أن أكتب مثلُها بانتظام.. النظام عادة لا تُناسب أمثالي.. النظام في بلادنا كائن ينتظر اللحظة التي يبدأ فيها بالاعوجاج.. تماماً كالمُدّعي الذي ينهار أمام السيجارة الأولى والرشوة الباهظة والفتاة اللعوب والزجاجة الفاخرة.. إنها تلك الأشياء التي تؤرق مضاجع الكثيرين، فقط حتى تضعهم يد الله في التجربة.

رسائلي بدورها مزيج من كل تلك المتضاربات التي تعصف بالعقل بلا ترتيب منطقي سوى ما يدور بذهني.. هكذا نراها أفضل من حديث تليفوني أو الرسائل التي وفّرتها التكنولوجيا.. لا أزال أرى أن الطريقة القديمة أكثر سحراً..

قد تجدين في حديثي مزاج سيء.. ربما تجاوزت هذه المرحلة كذلك لأدخل في حالة من الاكتئاب الصريح الذي تنتابه لقطات قصيرة مُبهجة، لكنها في الوقت نفسه لا تفعل سوى إنعاش هذا القلب المُنهك كما تفعل الصدمات الكهربية قبيل لحظات الاحتضار، رأيت هذا بعينّيَ عندما رحل والدي إلى الرفيق الأعلى؛ عندها بدأت حكايتي مع النسيان، حتى أنني لا أذكر إذا كانت هذه بالفعل هي اللحظة التي بدأ يشتعل فيها الرأس شيباً، أم أن الأمر بدأ قبل هذا.. لا يهُم.. قُضيَ الأمر منذ أمد لم تعُد لديَّ الرغبة في استعادته.

هناك  كلمة مُضحكة أخرى هي الغضب.. لم تعُد تعني سوى المزيد من الصراخ وسط عالم لا يفعل سوى الضجيج، أي إضافة هُنا.. فقط سخرية البعض وشفقة الآخر، قليل من الاهتمام لا يُجدي على الإطلاق، بعض المصطلحات تفقد قيمتها بالتكرار مثل الوطن والشرف، بل والحقيقة نفسها تفقد ذلك البريق القديم.. الحياة كلها نسبية كما قال آينشتاين منذ عقود.. لكن الجميع لا يفقهون.

الاهتمام.. باستثناء وجودك ستجدينه إذا بحثت عمن يبغى منك ولو عود ثقاب، بعدها يلقى كلاكما مصيره في القمامة، عندها تأخذ طريقك إلى عزبة الصفيح حيث أعلى مناطق الإصابة بالربو في العالم، سيبقى عليك فقط الانتظار لتلقى النهاية إما بالسحق أو بالربو، في الحقيقة لا يُضير الشاة سلخها بعد ذبحها.. لا تقلقي.

ماذا عن الرؤيا؟؟.. قد تكون هي ما يدفعك للبقاء وسط كل هذه القذارة، الصوت الهامس الذي يوقنك بأن الرب ذاته يُحادثك.. الطيف الذي اشتقت له فيُخبرك بأن الأمر لم يحن بعد؛ عليك بالانتظار حتى يأتي ليُمسك بيدك.. أو تسمع الصوت يُخبرك بأن هُناك موعد لن يُعيقه الازدحام.

بالفعل الكتابة دواء قوي للاكتئاب.. دائماً يأتيني هذا اليقين وأنا أضع سطوري، رُبما ما يوقفني عن الأدب هو ذلك المزاج السيء الذي يُلازمني منذ أسابيع، لكن الكتابة في حد ذاتها كذلك الحبل الذي يوقف الاندفاع نحو الجنون.. ربما لهذا كتبت لكِ هذه السطور..
أعلم أنك ستستمرين في تلقي الرسائل طالما واظبت على إرسالها.. ربما أجد الإجابة بطريقة أخرى كعادتك.. لنا طرقنا التي لا يُدركها الآخرون وأُفضّلها.. لن أُنهي خطابي بالكلمة التقليدية "المُخلِص"، فهي ليست بفائدة طالما كان هذا يقينك وحدك..







الإبتساماتإخفاء