أحمد صوان يكتب: الرسائل (2)



الرسالة الثانية..

القاهرة- نوفمبر 2015
- - - 



عزيزتي..
أعلم أنك تبتسمين الآن وقد ظننت أن حديثي القادم قد يتأخر قليلاً.. ولكن -كعادتي في الكتابة- أعترف بأني لا أستطيع التوقف عندما تأتي الفكرة..كذلك راق لي الأمر عندما كتبت الرسالة الأولى، ورغم أن الكثير من المزاج السيء كان يدفعني لعدم تكرارها؛ لكن الكتابة كائن مراوغ، ربما تعدك بالاستمرار وتبتعد عنك شهور طويلة، وقد تظن أنها بعيدة، لكنها -في لحظة ما- تسيطر عليك.

لايزال هناك الكثير مما أود التحدث فيه، ولازلت حقاً لا أعلم مدى استمرارية هذه الرسائل بلا جدوى سوى عدم الذهاب لواحد من أولئك الحمقى ذوي النظارات الغليظة، والمتظاهرون بالانهماك وسط مراجع أجنبية كي يحلّوا مُشكلاتك.. لم يفهم أحدهم قط أن لا أحد يثق بهم سوى الشخصيات الرقيعة من الطراز الذي يُصيبه الاكتئاب لأن حبيبته "بتقفّش".. هؤلاء ليسوا منّا؛ فنحن من وصفهم الأبنودي بـ"أولاد الكلب" الذين لا يملكون تلك الرفاهية، الطراز الذي قام بدفن رفاقهم المدهوسين ثُم اجتمعوا ليسكّروا على روح المرحوم ويتراهنوا من منهم سيكون الضحية التالية.. إنه طراز صنعته تجربة لم يتحدث عنها مشتركو صفحات طبيبك الخاص.. أنا لم أعد غراً.. هذه الشعيرات لم تتحول إلى الأبيض بدون عبث طويل.

ابتسم الآن وأنا أثق في وصفي لعلاقتنا طيلة الوقت بأنها عبقرية -ولا أعرف رأيك- ولكنها على بساطتها تبدو غارقة في التعقيد لمن يرانا من بعيد.. لا يوجد موضع  لكل المعتقدات و الأفكار البالية عن العلاقات الإنسانية و أشكال الحب التي يعبدها الآخرون.. لم تُشكّل لنا سوى نقطة في بحر القيود المفروضة من قِبل من احتكروا لأنفسهم حق الحكم على الآخرين.. يروق لي كذلك أنها العلاقة تبدو لهم شديدة الغموض و الخصوصية.. أضحك حينما تتعالى الهمسات والتخمينات بينما كل منا غارق في الآخر بطريقته، حتى وإن كان تعاملنا مقتصراً على مكالمة هاتفية أو رسالة كل بضعة أيام.. لا أعرف.. ربما كان هذا ما يجعلك تبدين لي دوماً كإحدى فاتنات الإغريق.. في أحيان أخرى عندما يغرق كلانا في أموره الخاصة أرى الوحدة لطيفة ومليئة بالأفكار .. لكنها كذلك تشبه الحبس الاحتياطي إذا كنت منتظراً.. شخص ما.. حبيبة رقيقة.. فكرة.. صديق.. عندها يشعر المرء أنه بانتظار حكم ما .. إما أن يأتي فيخرج من محبسه .. أو يظل قابعاً بانتظار عودتك..

سألتيني في وقت ما عن توقفي المتكرر عن الكتابة، أتذكر أنني يومها ذكرت أسباباً واهية وأنا أتفادى عينيك حتى لا تكشفي كذبتي المرتجلة حينها.. الآن اعترف بأن المسؤولية مشتركة.. أهملت الأدب فتنحّى جانباً، وكأنه فتاة خدعها وغد ما في منتصف الطريق؛ هي فقط لم تر وهو يحملها أن الطريق مُحطّم، وأن ساقاه داميتان من السير حافياً وكأنه المسيح يخطو نحو الصليب، لم تشعر بتلك الشذرات الحارقة التي احتضنها طويلاً حتى لا تحرقها.. هكذا لم تعلم أنه لم يكن وغداً كما تعتقد، وأنه ربما تركها هُنا حتى يأتي بما يحمل كلاهما إلى طريق آخر؛ ربما ينتظر كلاهما تلك الصدفة التي تحمل طابع الأفلام القديمة، فيلتقي الشتيتان قبل أن يُفارق أحدهما عالمنا إلى الأبد.

كذلك فإن التجربة هي الأخرى لم يعد لها نفس المعنى العابث القديم الذي ينتظرك كنتيجة الثانوية العامة، بل كبرت دون نضوج؛ تعمل بمراحلها كتأثير الفراشة، فتارة هي تلك الرقيقة التي أدميتها من أجل هدف شبحي كالثورة، وأخرى كجميلة تحمل اسماً فارسياً صفعت مشاعرك ورحلت، وثالثة تبدو كخدعة أنيقة ولكنها تُعطيك الحقيقة؛ وفي كل مرة تفقد شيئاً ما لا تُدرك روعته إلا بعد شهور من الألم.

سألتيني كذلك يوماً عن معنى الرضا.. قد تجديه لدى قوم بوذا.. شبح آخر نسعى ولو حتى لرؤيته بينما يكره القادمين الجدد، رُبما تمثّل لك كصوفي يهرع للخدمة في موالد الأولياء، النوم العميق حتى آخر خلاياك، النظرة التي فقدتها منذ صرت وحيداً وتبقت فقط دمعة الرحيل؛ هو كـ"جودو" الذي أتعب الأجيال بحثاً عنه، وربما كان المهدي المنتظر الذي ترقبته الأديان كلها.

أنا كأي مُقامر بارع أخسر دائماً، لم يعد المكسب يُشكّل فارقاً كما تظنين، فالعجلة تدور ولن يوقفها إلا ملك الموت نفسه.. لا أدري، ولكن ربما كان هو ذلك اللاعب البارع الذي يربح طيلة الوقت ولكنه يُعطيك بين الحين والآخر مكسباً تافهاً يُجدد لك الرغبة في الاستمرار، حتى أنك لن ترين في هذا سوى ضغطة وقود إضافية تدفعك حتى النهاية.

قد أكون أطلت هذه المرة، ولكن أدرك أن مطالبتك برسالة جديدة قد فتحت باباً لن يُغلق قبل عدة احاديث أخرى.


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء