رانيا المفتى: 25 - قصة


 25 - قصة




رحب بها زملاءها في العمل بمناسبة عيد ميلادها، منهم من هنأها بعبارات سخيفة مثل "ربع قرن!! عجزتي" و "إيه ده 25؟؟ لازم نشوفلك عريس بقى" وآخرون هنؤوها بحرارة من قلبهم، ردت على الاثنين بنفس الابتسامة المصطنعة التي أتقنتها منذ بدئها للحياة العملية.

جلست دينا على مكتبها, وأغلقت الباب.. طلبت قهوتها وأخذت تستمتع بالهدوء.. يعلم الجميع بألا يزعجها في أول نصف ساعة من اليوم، حتى تنتهي من احتساء القهوة. بعدها تكون شخص آخر لديه قدرة خارقة على التحكم في تصرفاته واصطناع السعادة.

بدأت روتينها اليومي، تفتح بريدها الإلكتروني الخاص بالعمل.. تلقي نظرة على الرسائل الجديدة، ثم تفتح شبكات التواصل الاجتماعي. ولكن اليوم مختلف، اليوم هو عيد ميلادها الخامس والعشرون. 
يعتقد معظم الناس في سن المراهقة أن "العشرينيات" بعيدة، والوصول إليها لن يحدث إلا بعد زمن، عند بلوغ "الربع قرن" ستكون كل الأماني تحققت أو بدأت في التحقق، وكل الأسئلة قد أجيبت. ولكن الحقيقة المجهولة هي أن عند الوصول إلى تلك المرحلة العمرية تكون الأسئلة قد زادت، والأحلام تحطمت، والأولويات تغيرت.

شردت دينا وألقت على نفسها نظرة من الخارج، هي مثال لشخصية ناجحة، فهي تخرجت من الجامعة بتقدير امتياز، تحضر الآن دراساتها العليا، تعمل في مؤسسة مرموقة في وظيفة مهمة، تقتني سيارة أفخم من باقي أصدقائها، كثيرة السفر، وتتكلم أكثر من لغة، استطاعت أن تحقق كل هذا وهي في الخامسة والعشرين.

لا تبالي إن كانت متزوجة أم لا، فهي لم تعد تهتم بأن تثبت لكل من قال لها "لن تجدي عريسًا؛ لأن معاملتك جافة" إنهم على خطأ، لم تعد تبالي بما يفكرون، فهي تراهم كلهم تافهون واهتماماتهم تافهة، ربما السبب الأساسي لعدم ارتباطها حتى الآن أنها تشعر بالتفاهة في كل من تقابل، لم تقابل بعد من يستطيع أن يقنع عقلها به، كما أنها تجد راحة نفسية في قدرتها على الاعتماد على نفسها, وعدم ركضها وراء فكرة الزواج.

حياتها الاجتماعية لا بأس بها، تقابل أصدقاءها, أو من يطلق عليهم أصدقاؤها يومياً، يذهبون لحفلات، وسينما، يأكلون في مطاعم مرموقة ويشترون أفخم الملابس، يأخذون الصور وينشروها على شبكات التواصل الاجتماعي مع عبارات تعبر عن مدى سعادتهم وحبهم لبعض. 

هي تتبع كل خطوات وقوانين الحياة الاجتماعية الناجحة برغم علمها بمدى سطحية نظرة المجتمع للسعادة، فالتظاهر بالسعادة عبر الشبكات الاجتماعية أصبح أكثر أهمية من السعادة نفسها. وأخبار أشخاص معينة أصبحت تؤخذ كمعايير الحياة المثالية. ولكن الصور نادراً ما تظهر الحقيقة. ليس كل شخص يأخذ صورة "سلفي" مع "الأصدقاء" سعيد و يحب من معه بالصورة بإخلاص لذلك يخلد ذكراهم. فها هي، برغم من أن لديها صور عدة وهي تظهر عليها السعادة مع أصدقائها، فهي لا تثق بهم، وتعلم أنهم لا يثقون بها، فأي صداقة هذه؟

إنجازاتها وأصدقاءها بدوا كالملابس التي على الفاترينة في أي محل، ظاهرية مبهجة، تشجع من خارج المحل بالدخول لشراء ما بداخل المحل. ولكن محلها خال، لا يوجد ملابس بداخله، فقد اتبعت خطوات رسمتها لنفسها عندما كانت مراهقة بدون أن تفكر أن كل ما تريده هو إظهار السعادة, وليست السعادة ذاتها. ولتحقق تلك السعادة الظاهرية، أجبرت نفسها أن تتخلى عن ما كان يجلب لها السعادة الحقيقية.

شعرت بالغربة في مكان عملها الذي تعتبره بيتها الأول؛ فهي تقضي به معظم ساعات يومها. تساءلت عن سبب وجودها هنا، هل هذا مكانها؟ هل هذا ما تريده؟ إنها تعيب على من يركضون خلف الزواج ليثبتوا للعالم أنهم ذوو قيمة، فهل تختلف هي عنهم؟ هي تركض وراء المنصب لتثبت أنها مهمة وسعيدة.

في الحقيقة هي لا تعرف إن كان عملها يجلب لها السعادة.. ربما تحب ما يمنحه إليها العمل من منصب ومال. إن كان المال يجلب حقاً السعادة، هي ليست بحاجة إلى كسبه بشدة فهي تنتمي لمستوى اجتماعي ومادي يسمح لها بأن تتعايش بدون الحاجة لراتب باهظ.. في الحقيقة هي أرادت أن تثبت لأهلها أن يمكنها الاعتماد على نفسها وكسب المال دون الحاجة إليهم، ولكن المنصب والمال لم يجلبوا لها السعادة. ليتها كانت تدرك ذلك قبل أن تختار مجال عملها، ولكنها ضحت بما تحب لكي تكسب ما تكره.

انتفضت من مكتبها، ذهبت إلى مديرها لتستأذن بحجة أنها تشعر بالتعب، سمح لها مديرها أن تعود إلى المنزل، فهي نادرًا ما تطلب منه إذن بالذهاب.

عادت لمنزلها، كان خاو، أهلها كلهم في أعمالهم مما يعني أن لديها متسع من الوقت والهدوء لكي تستريح وترتب أفكارها. ذهبت لتبديل ملابسها في الغرفة ووجدته أمامها، البيانو القديم، كان التراب يكسوه فهو لم يستخدم منذ أعوام، نظفته بعناية، جلست على الكرسي وهي مازلت بملابسها، وبدأت في عزف أقرب مقطوعة لقلبها، لم تحتج النوتة، فهي تحفظها عن ظهر قلب، كل ما تحتاجه هو أن تجلس على البيانو وستعرف أصابعها ما تفعله، لا تحتاج إلى توجيه.

أخذت تعزف حتى شعرت بيد توضع على كتفها، كان أخاها يقف خلفها. تساءلت ما الذي أتى به باكراً من عمله، ابتسم وأجاب أنه أتى في موعده الطبيعي، لقد مضت ساعات وهي منهمكة في العزف، شعرت بسعادة غامرة لم تشعر بها منذ زمن، ورأت الفرحة في عيني أخاها، كان كالذي يرى شخص يحبه يبعث للحياة مجدداً.
فتحت حاسبها الآلي وبدأت في كتابة استقالتها.