أحمد صوان يكتب: الرسائل (3)




الرسائل 3- شعيرات الحكمة

أحمد صوان

القاهرة- نوفمبر 2015


عزيزتي..
بالفعل أشعر بالكثير من السخافة مع هذا اللقب رغم اضطراري لاستخدامه لأنه أكثر تلك السخافات حيادية، فالخطاب الذي يبدأ بـ"عزيزتي، حبيبتي، قلبي"-أو غير ذلك- كلها ألقاب تصلح لاستهلاك ما لا يليق بك، وهو كذلك لا يليق بوجودك أو مكانتك لديَّ؛ الأمر وقتها أقرب إلى الرسمية أو بوضع قناع ما لا نحتاجه فيما نتحدث، بينما الفكرة هُنا هي التحرر..

الأمر بالفعل تعدى المزاج السيئ وإن لم يصل إلى مرحلة الخبال بعد.. ربما هي روح مُثقلة دفعتني لكتابة الرسالة الثالثة على التوالي؛ وهو ما قد يُقنع البعض بأن الأمر -بدلاً عن الكتابة- يحتاج إلى شيء من العزلة.. هناك من ينصحك بسهرة لطيفة مع بعض الأصدقاء، أو جلسة عائلية هادئة.. مثل هؤلاء الحمقى من الطراز الذي يكتفي بالكلمة التي لا تُسمن ولا تُغني "معلش"، وهم أنفسهم أصحاب تلك الاقتراحات البلهاء التي لا تجلب سوى المزيد من الضرر النفسي..

هناك من تحدث معي في أن هذه الرسائل ينبغي أن تحمل عناوين واضحة -وربما شارحة كذلك على نمط الصحفيين الذين أنتمي إليهم بحُكم المهنة- بدلاً من تلك الأرقام الجافة، لا أراها على هذا النحو لسبب واحد هو أنني فاشل بجدارة في صياغة عنوان مُناسب لأي شئ، فقط عنوان روايتي التي تأبى الاكتمال هي ما أراني نجحت فيه، وقد يتغير هو الآخر إذا ما اقتنعت بأسباب ممن سيجرؤ على نشرها، لكني أؤجل التفكير في كل هذا حتى انتهي منها؛ ربما بعد اكتمال سنوات سبع كتلك العجاف التي مرت على مصر في عهد يوسف؛ لكني قررت التجربة رغم اقتناعي بأن العنوان سخيفاً للغاية.. ربما لأني من وضعه..

هناك جدوى من الابتعاد عن كل هؤلاء.. في الحقيقة لا أحد يدري ما الفائدة لكن صفحات التواصل الاجتماعي نفسها تدعوك يومياً للعزلة في صور عديدة يتم تداولها، والتجربة بدورها أثبتت في كثير من الأحيان أن الشقاء نابع منهم.. المرحلة المُستقبلية هي أن تتحول نظرات الآخرين إلى جحيم كما يقول العبقري سارتر، عندها نترك كل شيء، ولأكتفي بارتداء القميص الرائع الذي أحضروه إلى قناوي قبل الزواج من هنّومة الحسناء.. لا تقلقي.. هم بدورهم لن يفعلوا أكثر من مصمصة الشفاه أو المزيد من النظرات الحارقة، حتى لتتمني لو كنت فضائياً ويخرج من عينيك شعاع حارق..

في الماضي القريب كان هناك من يحتضن ولو حتى بنظرات كادت تبدو حقيقية فتدفع إلى الاسترخاء.. كان هذا قبل عصر العلم، عندما ظهرت حقيقة من يتخلى عنك من أجل عبارة إطراء زائدة، صورة لامعة على إحدى صفحات مواقع التواصل، عبارة من الطراز الذي يُشبه المغناطيس بينما تعرف حقيقتها من كتب التراث، أو حتى همسة من حبيب قديم تدفعه إلى إلقاؤك في صندوق مُغلق يفتحه أحياناً لجلب السخرية أو إظهار مدى براعته في جذب الحمقى الذين تخلوا عن عقولهم من أجل عبارات تبدو الآن -بعد شعيرات الحكمة- سخيفة.. عندها يتذكر المرء هو الآخر سخريته المليئة بالدموع، لكنها هذه المرة من نفسه التي ارتاحت يوماً ما.. "تستاهل" هي الكلمة المضادة لـ"معلش"، وهي التي طالما قالها المرء لنفسك مراراً قبل أن يتعلم ألا ينظر في المرآة، حتى لا يرى الشعرة البيضاء الجديدة المُصاحبة لنظرة الانكسار؛ ربما الأسوأ هو تلك اللحظات التي ترى فيها أحدهم أمامك أو على موقع ما، فتشعر بالغصة الحارقة.

هذه الشعيرات هي الديل على أن الاستغلال هو اسم اللعبة، كلٌ يتلاعب بما ليس لديه من أجل الحصول على فقاعة ستتحطم بمجرد اللمس، فيما لم يُدرك الحمقى أنها كالجمال الصارخ الذي يتوقف المرء أمامه عاجزاً عن الاقتراب، يمر أمامه كما يفعل سلاطين العصور الوسطى فيُفسح الجميع أمامهم الطريق.. كلهم تظاهروا بارتداء حزام العفة، بينما فعلوا كأي لص محترف وقاموا بتطفيش الأقفال حتى يبدو الظاهر لامعاً أمامك، هذه يا صاحبتي هي اللفتات البروتوكولية التي تجعل الأمر أكثر تحضراً.. ربما لولاها لمزّق أحد الموجودين الآخر من الانفعال؛ وكانت النتائج مذهلة مثل إعلانات زرع الشعر، مزيد من الأخاديد في وجهك وذكرياتك.. مكان آخر ترفض المرور من أمامه.. وجه ترفض ذاكرتك الاقتراب منه بعد أن كان يعشقه يوماً.. لا تنس مُعاقبة روحك العليلة بالتأكيد أن الجميع يُمارسون المرح بينما تظل أنت في هذا الهراء..

لكن أعترف بأن الأمر يُشبه موسى حينما كان غِراً.. بالفعل أتته الكلمة، إلا أنه كذلك لم يتعلم فضيلة الصبر والانتظار، حتى أنه أرهق الخضر في تأويل ما لم يُحط به خبراً؛ ولو لم يُشعل الفضول قلبه لما ذهب إلى موضع النار فحادث ربه، ورغم شرف الحديث لكن الإرادة الإلهية جعلته يطمع في المزيد؛ لم يُدرك أن أربعون عاماً شيئ لا يُذكر في عُمر الحكمة.. لكنها دهوراً من التيه، فكان لا بد أن يتلقى الصدمة تلو الأخرى حتى يُدرك أن العلم لا يأتي سوى بالصبر.. رأى الخضر مُقلاً في حديثه فلم يفهم أن الحكمة أثقلته.. وكان مُتعجلاً فلم يفهم.

 هُناك شيئاً سحرني في صراع الفرعون مع ربيبه؛ فبينما كان من الذكاء بحيث يعلم أن فرعون يُحكم من أذنه، طلب من ربه أن يمنحه قولاً فقيهاً، وأن يعضده بأخيه صاحب الحديث اللين.. وعلى نقيضه، لو لم يصغ فرعون إلى وزيره لكان الآن في مقبرة تليق بمقتنيات المتحف المصري.. فقط كان غروره كافياً لأن يصم أذنه عن ربيبه، وأن يُصدّق أنه من علّم رجاله السحر.

أزعم قدرتي على رؤيتك وشفاهك تتآثب في ملل؛ كالعادة لا أعد برسالة أخرى رغم أن الأمر راق لي، وهو ما يؤكده إطناب هذه الرسالة.. ربما كذلك قد انتظر منك رداً لن يأتي..


اقرأ أيضًا: 

أحمد صوان يكتب: الرسائل (1)


أحمد صوان يكتب: الرسائل (2)







شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء