إيمان الدواخلي: استعد.. اضرب




استعد.. اضرب


د. إيمان الدواخلي



كانا يركبان.. لا؛ على ما أذكر كانوا ثلاثة يركبون على ذلك الـ "موتوسيكل" الصيني الذي يزأر.. يزأر! لا؛ بالتحديد كان يضرِّط.. كأن ثلاثتهم حملاً ثقيلاً فوقه،  يضغطونه، ففرج عن نفسه بالضراط.

كان ثلاثتهم يلفون رقابهم، ومن فوقها رؤسهم، وفي كل رأس عينين، إلى عربة الفول، حتى أبطأ بهم الموتوسيكل الضرَّاط، وليحترق كل الواقفين بسياراتهم في الملف، ثم كل القادمين على الطريق غيظًا. ارتفع ضحك الأسفلت من سواد عيش أشد من سواد زفته، ما جعل الشارع المتكسر ذو المطبات السُلَّم، ذلك الاختراع الوطني المتفرد في هذا العالم، أو البلاعات المحفورة، عدا الصخور التي لا مبرر لوجودها إلا التعمد، بخلاف الزجاج المكسور والملقى بحرفية في أماكن معدة بدقة لخرم الإطارات، وعموما بكل تلك المشوِّهات التي يسُبُّها الناس فتضحك الحكومة. الشارع تحت الموتوسيكل يفخر على الراكبين والراجلين بعافيته وبقدرته على إطلاق الضحكة، التي تلازمت مع ضرطة جديدة  من الموتوسيكل، وقائده يعود إلى الإسراع بعد أن فوَّت عربة الفول ولم يقف ليأخذ مما اشتهى إلى حد فقدان الوعي.

وعجبت من شهوة الأعين الست للفول، ثم الذهاب.. وضحكت. وتلازمت ضحكتي مع ضحكة الشارع.. وفكرت أيضا أن أشارك الموتوسيكل تفريغ الضغط وإطلاق بعض أصوات الحرية؛ لكن جلستي أمام المقود وحزام الـ.. امممم يسمونه حزام الأمان على أي حال، وهو أسفل بطني ويلصقني بالكرسي، فيمنع حرية الإطلاق.

تحولت ضحكتي ضيقا عند هذا الحد، وأحسست ببطني تشارك الشارع والموتوسيكل الضغط عليّ وتنتفخ وتنتفخ وتنتفخ.. وتؤلم. نسيت العابرين، وكل ما حولي، وضغطت زر إشارة الانتظار، وانتقلت للحارة اليمنى، ووقفت. فككت الحزام.. لا فرج.. نزلت من السيارة، وارتكنت إلى ظهرها وحاولت أن أحزق، وبطني تعاندني. لا أدري لِم تعاندني بطني وترضى بكل هذا الألم. بقيت هكذا حوالي خمس دقائق، حتى كدت أبكي.

وأخيرًا.. أخيرًا أخيرًا وجدته يأتي ليفسر لي بؤس بطني.عسكري.. لماذا هو عسكري؟ لا شيء يدل على ذلك؛ إلا أن شيئا ما رمادي فوق قميصه، ودفتر في يده يتظاهر بالكتابة فيه وهو ينقل بصره بين وجهي ولوحة أرقام السيارة، وصوت يقول لي: أنتَ واقف في الممنوع أخبروني أنه لابد عسكري.

نظرت إليه كأبله لا يفهم.. انتقلت بعيني إلى لون حرف الرصيف؛ أبيض لا أصفر، درت برأسي للأمام والخلف حيث لا لافتات.. عدت أستقر بعيني عليه، وعلى وجهي ابتسامةٌ حيةٌ كما ينبغي للحياة أن تولد عند الفهم. أخرجت عشرة جنيهات من جيبي، وأعطيتها له وأنا أدقق في وجهه لرؤية رد فعله. هذا يفرق كثيرًا.. فرق قرار الذهاب إلى المظاهرة أو العودة إلى القهوة لإكمال دورة الـ "محبوسة". 

أخذها دون أي تعبير.. بحثت عن أي تعبير: شكر، احتقار، نصر، خيلاء، عدم رضا.. أي تعبير يخبرني عن الخطوة التالية.. لا شيء؛ فقط مضى! ضايقني.. بالفعل ضايقني جدا.. لم أستطع إلا أن اناديه أكاد أكون صارخًا فيه: باشا

باشا!.. من هذا الباشا؟!.. أنا حمار.. أنا أحقر من حمار.. استدار قليلا، فما رأيت إلا طرف عينه يلمحني.. حزقت.. بقوة الغيظ هذه المرة.. وأطلقت موَّالا طويلا بذيئًا كريه الرائحة. كان قريبًا لم يزل. قال: الله يقرفك. وظهر تعبير ما على وجهه أكد لي أن روتين يومه اختلف بي. ضحكت مع الشارع.. ضحكت كثيرًا.. وركبت السيارة، وعدت مع أول ملف.. لا مظاهرات.. فقط -كما الأمس- سآكل من عربة الفول، وألعب المحبوسة.