عبد الرحيم شراك: هل أقابلهما؟ - قصة




هل أقابلهما ؟  - قصة 

بقلم: عبد الرحيم شراك - المغرب 



هل أقابلهما يا ترى ؟ و كيف ستكون نظرتهما إلي؟ تساؤلات كثيرة دارت في رأسي فقد مضت مدة طويلة على رؤيتهما. إنهما نزار و باسل اللذان كانا يدرسان معي في المرحلة الابتدائية و الثانوية ، و قد لمحتهما للتو من النافذة . أصبح نزار مهندسا متميزا و باسل طبيبا معروفا !  كلاهما ناجحان في عملهما و قد بنيا أسرتين جميلتين كما يقول الآخرون. أما أنا فرغم مرور كل هذه السنوات فما زلت هنا أكتب فقط.

لقد مللت بصراحة ،فأنا أكتب منذ مدة طويلة يا غرفتي العزيزة. بعثت قصصي لعدة مجلات و لم تًنشر، كما شاركت في مسابقات كثيرة و لم أفز. المصير النهائي لأعمالي دائما هو التراكم فوق مكتبي. كثيرا ما أسأل نفسي :هل أنا فاشل ؟ هل أنا مقصّر في أمر ما ؟ خصوصا عندما يسألني الآخرون عن العمل . إنهم لا يعرفون أنني أكتب بجد و أنني لا أبخل بأي شيء في سبيل كتابة قصصي. لا يدركون مدى التعب و الجهد الذي أبذله في هذا الشأن، فهم يعتقدون أن ما أفعله سهل جدا و لا يدركون صعوبة الأمر البتة.

إن حبي للكتابة يسري في دمي منذ مدة طويلة، أكتب كلما أحسست برغبة عارمة في القيام بذلك. لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي قررت فيه الاعتزال و ترك هذه الهواية ، شعرت بفراغ كبير حينها و عدت للكتابة بكل شوق في اليوم الموالي. أنا أكتب من أعماق قلبي وأحاول أن أفيد غيري بقصصي قدر الإمكان.. كل جزء من هذه الغرفة يشجعني، الجدران و المكتب و الأقلام و الخزانة، حتى الأوراق المتناثرة و سلة المهملات... كلهم يقفون إلى جانبي عكس عائلتي و أصدقائي. كل هذه الأشياء التي ينعتونها بالجامدة تهتف بصوت واحد أسمعه بمفردي: استمر يا إياد  و لا تيأس! فنحن رفقاء دربك في السراء و الضراء !
لكن ، هل أقابلهما ؟

ها هي صورتي مع نزار و باسل فوق المكتب ، أتذكر بها أوقاتنا القديمة من وقت لآخر عندما أحنّ للماضي. و في نفس الوقت عندما أنظر إليها أشعر بالحماس و التحدي لكي لا أنسى الوعد التي قطعته عليهما. لكنني أخجل كثيرا من مواجهتهما، ولا أجد ما أقوله  كلما عادا للحي لزيارة الأهل. فقد قالا لي في آخر مرة  التقيتهما: " نحن ننتظر إنجازاتك يا إياد على أحر من الجمر " لكنني أتساءل الآن : ماذا حققت من أحلامي  كي أستطيع مقابلتهما ؟

هل يُعقل أن يرفض أصحاب دور النشر قصة " مصير ذبابة " التي كتبتها بمشاعر صادقة جدا ؟ و هل من المنطقي ألاّ تفوز قصة " ثلج الصحراء" رغم أنني قضيت ليال عدة بهدف إتمامها و إخراجها في أبهى حلة ؟ أحس بشعور مؤلم حقا ، و أخشى ألاّ أستطيع منعه . ما هذه الدموع التي بدأت تنهمر من عيني؟  يبدو أن اليأس بدأ يتسرّب إلي من جديد وهذا ما أخاف منه. لن أسمح أن تهتز ثقتي بنفسي أو تضعف عزيمتي مرة أخرى . لابد من أخذ الأدوية الاستعجالية كما أفعل دوما .

قفزت من مكاني بسرعة البرق و أخذت بعض الأوراق التي جهزتها لمثل هذه الحالات و كتبت عليها بالقلم" أنا كاتب ممتاز " لكنها امتزجت ببعض الدموع والعرق، و بدأت ألصقها بقوة على الجدران  و في  كل أرجاء هذه الغرفة.  أما ما تبقى من الأوراق، فقد ألقيتها في الهواء لتتساقط فوقي و أحس بتلك الجملة من جديد . أنا الآن أقرأها في كل مكان في هذه الغرفة ! سأثبت للجميع أنني كاتب ممتاز بإذن الله ، فهي الحقيقة التي أؤمن بها  و الغائبة عن الكثيرين ، لن أفقد الأمل أبدا ما دمت حيا. و سأثبت لفدوى أنني أستحق أن أتزوجها وسنبني أسرة جميلة معا ، وسأحصل على النقود كي أجهز نفسي ماديا لذلك.

أريد أن أنظر إلى النافذة مرة أخرى... ها هما نزار و باسل يتجولان في الحي، يشتريان الأشياء و يحملان معهما هدايا ثمينة. لماذا أشعر بالغيرة و الحزن ؟و يدور السؤال في ذهني مجددا : هل أقابلهما ؟ أنا خجل من نفسي لأني أريد إثبات ذاتي و أن أصرخ بصوت عال : الأدب والعلم وجهان لعملة واحدة فكلاهما متكاملان. لقد سبق و أن ناقشاني حول هذا الموضوع من قبل و هزماني هزيمة نكراء. لكنني أردت أن أثبت هذه الحقيقة التي أؤمن بها. أنا أحمل رسالة في داخلي و سأوصلها للجميع بإذن الله. 

لكن ،هل سأبقى مختبئا هنا كالفأر الخائف ؟ أم أقابلهما  و أنا مرفوع الرأس ؟ أحتاج لإنجاز ما على أرض الواقع ، لكنني لا أملك  أي واحد للأسف الشديد !

يبدو أنني لن أستطيع مواجهتهما رغم رغبتي في مقابلتهما. لكنني سأفتح هذه النافذة لتدخل أشعة الشمس إلى غرفتي. فاليوم تظهر نتيجة المسابقة الأدبية بعد ساعة من الآن. أنا أشعر بأنني سأحصل على المرتبة الأولى هذه المرة و ستفوز قصتي و سأحقق أحلامي. لأنني في النهاية كاتب ممتاز !

فجأة رميت كل الأوراق التي كنت أحملها في يدي و قلت للمخرج: لن أستطع تأدية دور هذا الكاتب بعد الآن ! لا أستطيع التمثيل أكثر فهذه العزيمة العظيمة التي يمتلكها أكبر بكثير من قوة تحملي !





الإبتساماتإخفاء