أحمد طراد: الأخلاق المعجزة.. ومعجزة الأخلاق



الأخلاق المعجزة.. ومعجزة الأخلاق 


بقلم: أحمد طراد 


قال لي ونحن ندير حوارا هادئا بعد غياب "انا لا أهتم للمعجزات لا يهمني ان كان عيسى احيا الموتى ام لا او ان القمر انشق لمحمد ام لا او ان العصا تحولت لحية أم لا فضلا عن أنني لم اشاهدها فحتى لو شاهدتها فإن ايماني مرتبط فقط باخلاق من يدعي النبوة " صديق عزيز لم ألقه منذ زمن جاء كعادته ليهديني هدية فكرية مهمة ورائعة فنقطة الفصل في اي نبوة هي الأخلاق فما جاء نبي ليثبت للناس اعجاز الله الذي يرونه ليل نهار في الحجر والشجر والسماء والأرض "وفي انفسكم افلا تعقلون" فاعجاز الله امر مفروغ منه الهدف الحقيقي من النبوة هي الاخلاق وإرساء دعامتها قد يتبادر لذهنك سؤالا بديهيا وماذا عن العقيدة وقضية التوحيد أليست رمانة ميزان في بعث الأنبياء والمرسلين فالكل بدأ كلامه بـ "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " وقولي هنا انك تناسيت ان توحيد الله رأس الاخلاق والاعتراف بالحق لاهله سيد الصفات الحسنة ورد الجميل خلق يقل وجوده دائما فتوحيد الله والاعتراف بربوبيته والوهيته أول الأخلاق بدليل نبوة موسى ليس انشقاق البحر أو العصا ولكن معجزته الحقيقية كانت " فسقي لهما ثم تولى الى الظل "

في سياق عزت فيه الشهامة تصبح الشهامة معجزة والمروءة دليل نبوة  فإذا تحدثنا عن المسيح فكانت نبوته دليلها الأخلاق وليست احياء الموتى فيقول وهو في المهد "اني عبد الله اتني الكتاب وجعلني نبيا *وجعلني مباركا اينما كنت واوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا عصيا " هذا الطفل في مهده يؤكد نبوته ببره بأمه منذ ولادته فليس كلامه في المهد معجزة المعجزة الحقيقية انه يبر امه منذ لحظة ولادته وفي بعثته يناشده الد اعدائه بأن يحيى له ابنته التي ماتت فيمشي معه إلى بيته فيحييها -بإذن الله- فتتعالي الأصوات بالفرح والتهليل بأن عيسى احيا الفتاة فيعطي المسيح الدرس ويوضح الفكرة ويقول لهم "بل كانت نائمة وايقظتها " التفتوا إلى معجزة نجدة العدو قبل احياء الموتى التفتوا بمعجزة عدم نسب فضل على العدو هو من عند الله لاظهار ضعفه.

هذه هي المعجزة وتلك هي اخلاق المسيح عليه السلام ودليل نبوته ....يقول النبي صلى الله عليه وسلم بوضوح شديد حاسما هذه القضية "إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق " هكذا بدون اي تعقيد هذا هو الهدف وتلك هي الرسالة فدليل نبوتي ليس في انشقاق القمر ولكنه في صدقي وامانتي حتى لقبت قبل ان ابعث بالصادق الأمين ودليل رسالتي ليس حمامة وعنكبوت أو خروج بين الناس دون أن يروني ولكنه يكمن في قول أنس رضي الله عنه " خدمت رسول الله عشر سنين فوالله ما قال لي لشئ فعلته لم فعلته ولا لشئ تركته لم تركته"  وليس دليل رسالته حديث الضب له وإنما قول السيدة عائشة رضي الله عنها حينما سألوها كيف كان الرسول في بيته فقالت "كان في خدمة اهله يحلب شاته ويخيط ثوبه ويخصف نعله "وفي موضع اخر تقول "كان يداعبنا ونداعبه ويلاعبنا ونلاعبه حتى اذا حضرت الصلاة خرج وكأنه لا يعرفنا "...تلك هي المعجزة الحقيقية حقا.

حتى الصالحين واهل الله لم تكن معجزاتهم دليل اهليتهم لله يقول الإمام الجنيد رحمه الله ورضى الله عنه " إذا رايتم العبد يطير في الهواء ويمشي على الماء فقيسوا عمله على الكتاب والسنة فإن وافقها فولي من اولياء الله وأن خالفها فزنديق من الزنادقة " اي ان المعيار هنا الاخلاق والمنهج وليست الخوارق فالخارقة الحقيقية هي أن تكون ذا خلق لا صاحب معجزة فلقد كانت معجزات الله في انبيائه أخلاقهم الاعجازية في ازمنة انحطاط الاخلاق ..حقا كانت اخلاقهم معجزة ومعجزتهم أخلاق وصدقا ان قلنا إننا اليوم وبعد انقطاع النبوة منذ اكثر من اربعة عشرة قرنا ان ازمتنا أخلاق وأن اخلاقنا أزمة .

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء