محمد حسن: السيرة الحلوة (4) - مقال



السيرة الحلوة (4) - مقال



عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنْتُ غُلامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ " فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ..  (رواه البُخاري).


لازلت حين اقرأ الحديث الشريف أتذكر أياماً جميلة، المرحلة الإبتدائية بالتحديد، حين قرأت الحديث ودرسته في كتاب الدين، أيام "اليوتوبيا" الأولي والأحلام البريئة والشَعر النائم علي جنبٍ واحد بالتراضي، كانت الكلمات بسيطة والكتاب مُبهج، والأيام تسير بهدوء ورضا وسعادة، وقتها حفظنا الحديث مع الشرح المبسط ، التسمية والأكل باليمين والأكل من أقرب مكان وأقرب طعام علي المائدة، هكذا دون تعقيد، مُعلمة محجبة حجاباً طبيعياً ومبتسمة ولطيفة شكلاً وموضوعاً هكذا بنفس الصيغة، كانت تلك الصورة عن الإسلام وكتاب الدين، لا أحد يتذمر ولا أحد يتعصب، ولم أسمع في تلك المرحلة عن أي شئ يُعكر الصفو ولم يرتبط الدين في ذهني وقتها إلا بالمعاملات الطيبة والأخلاق الكريمة والعبادات، لم نسمع وقتها عن خلط الدين بالسياسة، ولم نسمع عن أحزاب دينية، وبالتأكيد لم نعرف أو نسمع عن كلمة تُسمي إرهاب أسود أو حتي فوشيا، أيّا كانت الأسباب التي قد منتعتنا من سماع وفهم تلك الكلمات، لكن تبقي الحقيقة أن الجميع كان مستمتعاً بالأمر، من سنطالب بعودة تلك البساطة، لا أدري ولا أُريد، لكن أُريد مثل الجميع أن نسمع كلمات طيبة عن الدين وبسيطة مثل هذا الحديث الشريف، بساطة التمر والزيت في بيت الرسول الكريم، أو بساطة بسمته الشريفة "صلّ اللهُ عليه وسلم"، وإن كنتُ أعلم جيداً أن كل من خرج عن روح الدين وتسامحه ومحبته إلي التكلف والتعصب والتشدد ليس إلا دخيلاً علي روح الدين، لأننا في الصغر إستوعبنا القرآن إن لم يكن بعقولنا فبقلوبنا وشربت منه القلوب ولم تشبع بل ظلت ظمأي إليه دائماً، وظلت تردد الآيات بقلوب طاهرة وطيبة دون أي تعقيد.

أريد العودة للحديث وشرحه، فلا أحد يختلف علي شرح الحديث، لكنّي أنظر إليه تلك الأيام بنظرة مختلفة عن دراسته في الأيام الخوالي، ربما كان الحديث إشارة أولي إلي الإستقامة دون أن نعلم، والحث علي الرضا بالنصيب، واحترام الرزق وقسمته بين البشر، لابد أن سارق الملايين من أموال الناس ظلماً وعدواناً لم يسمع عن الحديث، وربما كانت يده تمتد إلي أطباق أُخري ولم يتعلم القناعة بما لديه من رزق حلالٍ طيب ولو قليل، أعتقد أنك لو أردت الحكم علي أخلاق شخص بشكلٍ سريع ستنظر إليه وهو يأكل، هكذا تحكم علي شخص جمعتك به جلسه في غداء عمل أو مائدة في فرح أو حتي عزاء، وهكذا تجد الكثير من "النكات والإفيهات" حول منطقة الآكل بشكل عام في مصر، وهكذا تجد موائد الطعام المفتوحة في الأفراح (open buffet) ومايحدث فيها من مآسي حقيقية أو إن شئت قُل "فضائح".

وهنا أيضاً إشارة قوية جداً لأن أساس الدين هو الأخلاق، وتفصيلة كما يعتبرها البعض بسيطة مثل الحديث حول الطعام تبدو في غاية الأهمية والخطورة، هنا أيضاً أكاد أُجزم أن من يذهب مرة بعد مرة ليملأ طبقه من الـ open buffet لن يقنع بوظيفته، ولم يسمع الحديث في صغره، وبالتأكيد سيظل درج مكتبه مفتوحاً لمزيد من الشاي، ولو تقلد منصباً مرموقاً أو حتي شرفياً بسيطاً ستمتد يده وتطيح في أطباق الآخرين !.










شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء