رشـا نعمـان: جُرِح غَائِر يَنْزُف كُل مَسَاءَ



جُرِح غَائِر يَنْزُف كُل مَسَاءَ

بقلم: رشـا نعمـان

   كنت أعلم أن الطريق معك سيأخذني للهلاك، كنت أري الصورة كاملة.. الاقتراب منك سيحطم بقاياي، كنت أدرك أن تلك الصورة المثالية ماهيَّ إلاَّ نشوة البدايات، وأن لهفتك وحنانك ما هما إلاَّ طُعم الشغف!.

   ولكنى عُلقت بغباء.. تمامًا كالأسماك التائهة فى قاع بحيرة راكدة، ولم أحاول الفرار منك ولو للحظة واحدة..

   أتتني فرص كثيرة للهروب ولم أفعل.. رُغم كل العذابات التى ألقاها وأنا أتنفس هواك باختناق، رُغم أنك فعلت كل شيء يجعلنى أكرهك.. تشبثت بك، ورغم يقيني بأنك لن تبقى مهما حاولت.. اتبعت ذات الطريق، كنت أفكر دائما بحمايتك، وكنت قلقة بخوفى عليك، لا أريد أن أتركك وحيدًا.. كلما فعلت هذا عُدت من منتصف الطريق. 

   أتدري تلك الهشاشة؟.. هشاشة أُمّ تجاه وليدها، ربما هيَّ هشاشة هذا العمر الذي نقضيه في وحدتنا يائسين لا أمل فى الأفق ولا إنجاز فى الماضى.


   فقدنا الشعور بمتعة الأشياء، صرنا نتشبث بالأحلام الصغيرة والسعادات الباقية، أنت أخر ماتبقى لى من أمان في هذا العالم، آخر ماتبقى من شعور، من سعادة، ومن أمل، ولكنك كنتُ تُصر دائمًا على تلويث هذا النقاء فى علاقتى بك!.

   كنتُ تُصر على إراقة دمى بجُرحٍ غائرٍ ينزف كل مساء، وأنا أفكر بك،  ماذا فعلت اليوم، هل أنت بخير؟.. هل تحتاج ليد حانية تربت على كتفك وتخبرك أنها دائمًا معك؟.. هل تشعر بالوحدة؟.. هل قرأت اليوم؟.. تري ماذا قرأت؟.. ألم ترانى بين السطور؟.. ألم تحمل لى أى ذكرى؟.. ألم يكن لى أى تأثير على حياتك لتذكُرنى وتشتاق وتبحث عن اسمي فى قائمة الهاتف وتستمع الى صوتى ولو سرًا؟.. هل يمكننى أن أغفو، هل يمكننى أن أستريح ورأسى ممتلئة بك كقلبى؟

   أتسائل.. لماذا لا أطردك من حياتى بقسوة كما كنت أفعل دائمًا؟.. لماذا ينتهي كل شيء عندك؟.. ولماذا كل هذا الصبر والغفران لأجلك؟.

   أعلم أنك هناك، لن تأتى.. وأن كل ما أفعله لأجلك يجعلك تبتعد أكثر.. "المضمون بقاءه يزهده المرء" .. "لا أحد يحب الطيبون" .. لا أحد يتعلق بامرأة تبذل من روحها عطاءًا بلاَّ نهاية.. الحبُ دائمًا للقاسية البعيدة، ولكن لا ترتاح كثيرًا فلكل شيء نهاية، سينفذ صبرى يومًا، وسأهرب من طريق آخر وأنت تلاحقنى لأعود كما أنا.. ولن أعود!.

   سيتوقف قلبي عن العطاء وأنت تشد يدي وتصل بى لمنزلى الآمن، لن أطلب منك أن تحتسي معى بالداخل فنجان قهوة، سأصرخ بك أن ترحل.. لأصفع الباب خلفك.. إلى الأبد!.



لمزيد من نصوص الكاتبة: رشا نعمان 




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء