محمد حسن: السيرة الحلوة (2) - مقال




السيرة الحلوة (2) - مقال



رجلان يبدو عليهما أثر التعب، يقفان بالقرب من أغنامه التي يرعاها ، سأله أحدهما : يا غلام ، هل عندك من لبن تسقينا ؟

قال : إني مؤتمن، ولن أسقيكما، ولو كانت لي ما بخلت عليكما بما يروي عطشكما
يبدو أن الرجل أطمأن لإجابة الغلام، فسأله: هل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل (أي شاة لم تدر لبناً)؟.

قال : أما هذا فنعم، فذهب إلي غير بعيد وعاد ومعه شاة، فيمسكها أحد الرجلين فيسمح علي ضرعها بيده، فإذا بالضرع وقد إمتلئ باللبن، ويأتي صاحبه بصخرة متقعرة فيحلب فيها ويسقيه ثم يسقي الغُلام، ثم يشرب هو، ثم يقول للضرع: اقلص (أي إرتفع) فيعود كما كان قبل أن يمسح عليه بيده..!

هنالك يندهش الغُلام، ويصمت صمتاً طويلاً، حتي بعد انصراف الرجلين، ويظل هكذا ربما لأيام، حائراً واجماً من التفكير ولايزال المشهد يتردد في ذهنه ويتفتق لأيام طويلة بعدها.

فجأة يتوقف خطيب الجمعة ليسأل: هل عرفتم الغلام والرجلين؟

ثم يُجاوب بعد بُرهة: الغلام هو عبد الله بن مسعود، الذي سيعرف التاريخ فيما بعد إسمه ويحفره في وجدان الدولة الإسلامية، والرجلان هما الرسول صلّ الله عليه وسلم، وصاحبه ورفيقه أبو بكر الصديق، فيضج المسجد ما بين آهات ومابين زئير: لا إله إلا الله...

أكمل الإمام خطبته، وانتهت الصلاة، ولم انته من التفكير في كلامه بعد، عبد الله بن مسعود كان صبياً أميناً قبل أن يدخل الإسلام ورفض أن يسقي الرجلان من الأغنام المؤتمن عليها، أبو بكر الصديق كان مشهوراً بأخلاق لم تتكرر وذلك قبل أن يعلن إسلامه، الرسول صلّ الله عليه وسلم نفسه، كان ملقباً بالصادق الأمين وكانت تودع عنده الأمانات منذ الصغر وظل هكذا حتي البعثة في عامه الأربعين، وحين مدحه ربّه كما المعلوم مدحه بأخلاقه كأفضل كخيار للمدح قال:

(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القمر الآية 4 ، لذلك يبدو اضحاً أن الأخلاق هي التمهيد الأول و الإرتباط العميق الصلة بالدين، بل هي أساس الدين، وأمامك عشرات الأدلة أن رسائل الأديان هي الأخلاق، لأن الخُلُق القويم هو روح الدين وجوهره والأساس والخلفية المشتركة بين الناس، بينما العبادات تخص الشخص وتظل بينه وبين ربه، قل لي أرجوك إن تركت الصلاة أو الصوم من المتضرر؟

المتضرر أنت وحدك، لن يشعر أحد أنك تركت العشاء عشر سنوات، ولن يبكِ أحد لأنه ببساطة "دي شيلتك لوحدك"، لكنك لو ارتفع صوتك في الشارع ببذاءة أو كلمة خادشة للحياء كم فرد سيتأثر بتلك الفعلة؟

حين تكسر إشارة مرور، حين ترمي القُمامة خارج الصندوق، حين تكتب علي أسوار المدارس والأبنية وفي الشوارع تلك الكلمات، حين تؤذي جارك بمكبرات الصوت، كم سنحتاج من سنين لكي نثبت أن جوهر الدين أخلاق وسلوك وليس علامة السجود والجلباب القصير واللحية والنقاب، رأيت وسمعت من علّم إبنه أن يقول يا أبي ويا أمي، لكنّه لم يعلمه أن يحترم زميله في الفصل ولا يتعد علي مكانه وأدواته المدرسية!.

في العالم المتقدم هناك تقديس لكل المساحات المشتركة، تقديس للسلوك العام والأخلاق، بينما مساحتك الشخصية افعل بها ماشئت مالم تتعد علي حرية الأخرين، في بيتك صلّ ألف ركعة واتلُ من القرآن ما شئت وردد الإنجيل، أو حتي إشرب من الخمر ما يجعلك تري أفيالاً تطير في سقف الغرفة وتعزف لك وحدك، لكن الرصيف له قدسيته، المواصلات العامة، الهيئات الحكومية، احترام الطوابير والنظام دون رقيب، في المساجد والكنائس وملاعب الكرة والمسارح والسينمات، لن تجد مسألة الدخول والخروج تتعدي الدقائق الخمس التي تخبر صاحبك أنك ستصبح أمامه بعد مرورهم تماماً، ويظل بعدها غارقاً في صمته لمدة ساعتين حتي تصل بسلامتك، الفكرة وصلت ؟ حمد الله علي سلامتك.



اقرأ أيضًا:  محمد حسن: السيرة الحلوة (1) - مقال





شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء