إيهاب مجدي: خطبة الجمعة - مقال




خطبة الجمعة

بقلم: إيهاب مجدي عثمان


١

كان هذا منذ عدة سنوات في يوم جمعة تلا أحد أحداث "الفتنة الطائفية" بين المسلمين والمسيحين والذي سقط فيه عدد من الضحايا آنذاك. يومها خصص الشيخ خطبة الجمعة للحديث عن فساد الدين المسيحي وعن أفضلية الدين الإسلامي وعظمته.

يومها في الركعة الثانية من صلاة الجمعة قرأ الشيخ سورة الإخلاص. وبينما قرأ "لم يلد ولم يولد" علا صوته وتغيرت لهجته وشدد على كل كلمة!.. يومها كان آخر يوم أصلى الجمعة في هذا المسجد.


٢

منذ تلك الخطبة السابق ذكرها، إعتدت الصلاة في مسجد آخر لا يحظى بخطيب واحد ثابت،  حتى كان أحد أيام الجمعة في شهر أكتوبر، من عامنا هذا ٢٠١٥.

يومها قال شيخنا فيما قال:

"إن العلماء غير المسلمين أثبتوا بالأبحاث إن تدبر آية في القرآن يشفي من الأمراض." 

"إن الاستحمام يقلل نسبة السكر في الدم بل ويعالج مرض إرتفاع ضغط الدم."

"الوضوء خمس مرات في اليوم يقضي على رائحة العرق."

"خبراء الدايت يملأون القنوات الفضائية بينما سبقهم الرسول بمئات السنين فقسم المعدة إلى ثلاثة أجزاء."

"معنى إن المعدة أصل الداء إن الأكل الكتير بيسبب أمراض الإسهال والإمساك والتلبك المعوي"

"أوصيكم بالحبة السوداء والعطارة، وذلك بعد استشارة الطبيب الحكيم المسلم."

"الصلاة رياضة. ولكن لا أخبركم أن تصلوا كرياضة ولكن نحن نصلي لأن الله أمرنا أن نصلي."

"إعتزلوا النساء في الحيض. أحذركم لأن البعض لا يستطيع أن يكبح رغبته."

"أوصيكم بتقليل وترشيد العلاقة الحميمية. ترفقوا بنسائكم."

بين خطاب سطحي ومعلومات مغلوطة أضاع شيخنا خطبة الجمعة.

بعد أن سلمنا يمينا ويسارا وقبل أن أغادر جلستي سمعت صوت يعلو. لم أتبين الكلمات ولكن بدا لي صوت رجل يحتد مخاطبا الإمام. فتساءلت إن كان يناقش خطبته. لم تطل حيرتي عندما انتصب الرجل واقفا مواجها المصلين وهتف لافتا إنتباه الجميع: "يا جماعة".

تحدث الرجل غاضبا حزينا فقال أن الأطفال غير مكلفون بالصلاة حتى يبلغوا العاشرة من عمرهم. رفع صوته مخاطبا أهالي الأطفال ألا يصطحبوهم إلى المسجد فأصواتهم تزعج المصلين وتمنع التركيز في ما يقوله الشيخ.

لم يزعج هذا الرجل إلا صوت الأطفال ولم يزعجه صوت شيخنا يردد الأباطيل. رفع صوته ليلوم آباء الأطفال على اصطحابهم لا لينهر شيخنا على قول ما لا ينفع.

٣

في طفولتي وشبابي لم أكن أحرص على حضور خطبة الجمعة وأتذكر كيف كان أبي يوقظني صباح كل جمعة ويحثني على الإسراع بالنزول حتى ألحق بالخطبة، بينما أتثاقل في القيام والوضوء حتى أضطر أن أهرول لألحق بالصلاة ذاتها. مضت بي الأيام وصرت أحرص على الخطبة.

أدعوكم ألا تفوتوا خطبة جمعة وأدعوكم أن تركزوا فيما يقول الخطيب وأن تفكروا فيه وأن تبحثوا وتسألوا عما قال بعد أن تغادروا ثم أن تقبلوه أو ترفضوه.

ويا شيخنا، إعلم أن خطبة الجمعة هي فرصة لا تضاهيها أخرى. يأتيك الناس تلبية لنداء ربهم لا تلبية لندائك. و يخرجون من المسجد فيفعلون ما حثثتهم على فعله لا لترضى ولكن إبتغاء مرضاة الله. كل خطبة جمعة تضيعها في ما لا ينفع هي فرصة إصلاح وإفادة قد أهدرتها.

يا شيخنا، خطبة الجمعة أمانة فلا تضعها.

...

إنتهيت من كتابة هذا المقال صباح يوم الجمعة ٣٠- أكتوبر - ٢٠١٥. بعدها ذهبت إلى المسجد وكان الخطيب قد بدأ خطبته، تعرفت على صوته قبل أن أدخل المسجد. وما أن دخلت حتى أتاني صوته:  "أماااانة. كل عمل كلفت به أماااانة".



الإبتساماتإخفاء