عمر ثروت: الرئيس ولجنة تنمية الأخلاق والضمير



الرئيس ولجنة تنمية الأخلاق والضمير





لفت نظرنا مناقشة السيد رئيس الجمهورية لمسألة منظومة الأخلاق مع أعضاء مجلس علماء و خبراء مصر في إطار البحث عن التنمية الشاملة و النهوض بالمجتمع المصري، و هو إتجاه صحيح تماماً، فمنظومة الأخلاق هي الحاكمة لحركة النهضة و التنمية، و حيوية المجتمع و قوته مرتبطة بقوة حضور منظومة الأخلاق، و حين تتفكك هذه المنظومة ينال الفساد من المجتمع و يصيبه الخمول، أما الأخطر من ذلك أنه مع إنهيارها يتحلل المجتمع و يفنى بفقدانه كينونة وجوده، و لكن ما لفت نظرنا هو التوجه لإنشاء لجنة لتنمية الأخلاق و الضمير لتباشر عملها تحت رعاية مؤسسة الرئاسة، و هي نظرة بيروقراطية لحل مسألة اجتماعية سياسية بوسائل الإدارية، و هو توجه غير صحيح بالمرة، فحتى لو شُكلت ألف لجنة، لن تستطيع هذه اللجان مجتمعة أن تمس منظومة الأخلاق لا من قريب ولا من بعيد، فالذي فكك منظومة الأخلاق من الأصل هو النظام الاجتماعي السياسي الذي شَكَّل المجتمع، و إصلاح منظومة الأخلاق يجب أن يكون ينطلق من نفس المنطقة لا من خارجها، و هذا يذكرنا بالإلحاح المستمر على النخبة الدينية لتغير الخطاب الديني الإسلامي، دون إستيعاب أن هذا الخطاب هو تعبير عن فكر ديني بالأساس، و هذا الفكر هو نتاج بنى معرفية و أنساق إدراكية حددت أبعاد تناول الإسلام، و التغيير الجذري يبدأ من جذور بنى الإدراك و المعرفة، و الوسيلة تكون ثورة ثقافية شاملة.        


و لكن ماهي منظومة الأخلاق؟ منظومة الأخلاق هي حزمة من القيم و المبادئ و المُثل العليا، التي تحدد ماهية الأخلاق الحميدة التي يجب الإستعانة بها في المعاملات، و التسلح بها لإنقاذ الفرد و الجماعة من السقوط في أي فعل أو قول ينافي القيم و المُثل العليا، و إذا كانت منظومة الأخلاق نابعة من مصدر متجاوز للطبيعة و التاريخ - كالدين مثلاً الذي هو وحي من الله عز و جل - تكون مجموعة القيم و المبادئ الحاكمة ثابتة نسبياً، أما إذا كانت منظومة الأخلاق وضعية مصدرها دنيوي، فهي في هذه الحالة نسبية، لخضوعها لفهم الناس للواقع و البئية المحيطة، و هي عملية مستمرة تولد مفاهيم متغيرة بإستمرار.


و بناء على ذلك فيمكن لنا في مصر خصوصاً و الوطن العربي بشكل عام، أن نستخلص أن منظومة قيمنا عربية إسلامية، بتحديدنا مرجعية و مصدر هذه المنظومة و هو الإسلام، ونحن لا نتكلم عن الإسلام من منظور ديني محدود بل من منظور حضاري واسع الأفق، هذا الأفق الذي إستوعب كل أبناء الأمة العربية - مسلمين و مسيحيين و أيضاً يهود في بعض المراحل - الذين ساهموا في بناء حضارتهم العربية الإسلامية.
و يبقى لنا الربط ما بين منظومة القيم و النظام الاجتماعي السياسي و نقاط التماس بينهما، فكيف يمكن للنظام أن يفكك منظومة القيم و يدفع بإنهيارها؟


الأمر يستدعي أولاً تحديد ديناميك النظام الاجتماعي السياسي القائم و الذي تشكل من بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، فهذا النظام أوجد نخبة إجتماعية تملك ثلاثة أرباع الثروة في مصر، هي في تعدادها أقلية (١٠٪) و لكن نفوذها هائل على الدولة و المجتمع، هذه النخبة الإجتماعية تتكون من فصائل متعددة تشكل بنائها (نخبة سياسية، نخبة مال و أعمال، نخبة إعلامية، نخبة فنية إلخ....)، و تكفي نظرة متأملة في تركيب هذه النخبة كي ندرك أمراً هاماً يخص قواعد الحراك الإجتماعي و قنوات الصعود على السلم الإجتماعي، و هو أن الفساد - و الإفساد - يشكل طابعه العام، فلنأخذ بعض مثال للتوضيح و ليكن البرلمان، و الذي هو مفرزة النخبة السياسية، كيف إلتحق النواب بالمجلس؟ أو بمعنى أدق، ماهية قنوات الصعود السياسي؟ هل كانت قنوات الصعود على أساس الدفاع عن مبادئ سياسية و مذاهب إجتماعية و رؤى إقتصادية مختلفة أم بالكذب على الجماهير و النفاق للسلطة الحاكمة و توظيف المال السياسي و الرشاوى الإنتخابية و شراء الأصوات و التوريث السياسي؟ و إذا كانت الغلبة للمال السياسي و نفاق السلطة الحاكمة، ما الذي ستكون عليه هيئة النخبة السياسية؟ و ما النتائج المترتبة على خنق قنوات الصعود السياسي على أساس الثقافة و المعرفة و العمل الشعبي (التي تعبر عن منظومة القيم العربية الإسلامية) في مقابل توسيع قنوات نفوذ المال و الخضوع للسلطة الحاكمة (التي تتعارض مع منظومة القيم العربية الإسلامية)؟ أليس هذا معناه أن الطريق لإعتلاء عرش الهرم الاجتماعي من بوابة النخبة السياسية هو طريق المال و نفاق الحكم؟ و أن من ليس لديه هذه الأدوات من الأفضل له التنحي جانباً أو القيام بمغامرة قد تنجح بنسبة ضئيلة للغاية، ألا يعد ذلك من أدوات تفكيك منظومة القيم العربية الإسلامية؟ 


مثال آخر و هو نخبة المال و الأعمال، التي تعمل في ميدان (المال الأعمال) الذي يعد دينامو النظام الاجتماعي السياسي كله، لأنه ماكينة ضخ الثروات لخزائن الطبقا العليا و أداة إمتلاكها لوسائل الإنتاج، بالتالي هو حضانة تكوين هذه الطبقة التي تعد عماد النظام بأسره، و إذا أخذنا في الإعتبار بأن مصر تستهلك بأكثر ما تنتج، و أن ما تنتجه ريعي بالأساس - قناة السويس، تحويلات المصريين في الخارج، السياحة، المساعدات الخارجية - مع الآخذ في الإعتبار حجم الفساد السياسي الهائل لعهود ما بعد حرب أكتوبر، و الإرتباط العضوي ما بين السلطة و نخبة المال و الأعمال، يمكن لنا أن نفهم مصادر تكوين و مضاعفة ثروات هذه النخبة، من السمسرة و العمولات إلى السطو على مقدرات الشعب (أراضي و قطاع عام)، و منه إلى قنوات الصعود لإعتلاء عرش الهرم الإجتماعي، ألا تتعارض هذه العملية كلها مع منظومة القيم العربية الإسلامية؟


و إذا طبقنا نفس القاعدة التحليلية على النخبة الاجتماعية بأسرها سنرى حضور طاغي للفساد (محظور منظومة القيم)، فمثلاً إذا كنت إعلامياً يمكن لك أن تنتمي للنخبة الإعلامية دون إكتراثك بالقواعد المهنية، فيمكنك التجسس و التشهير و نقل الأخبار الكاذبة،  و بدهسك للقواعد الأخلاقية، فلك مطلق الحرية في السب و القذف، بشرط تخديمك على السلطة الحاكمة و مصالح الطبقة العليا المالكة للآلة الإعلامية، ألا يعد كل ذلك من أساليب تفكيك منظومة القيم العربية الإسلامية؟


الجانب الآخر من فساد - و إفساد - النظام الاجتماعي السياسي هو أنه شكل مجتمع ذو الطبقتين، طبقية أقلية حاكمة و طبقة أغلبية محكومة، المنتمي للطبقة الحاكمة سيكون مشمولاً بنفوذها و أدواتها التي تحقق له الحياة الكريمة إلى حد البذخ، و تصون حقه إلى حد الطغيان، تضمن له مستقبله إلى حد الإكتفاء، و ينعم بالعدل المفرط إلى حد الظلم، بقائه على قمة الهرم الإجتماعي مرهون بالمهارات التوريثية لسلفه، و الخدمات من تعليم و صحة متوفرة برفاهية تامة، و الإسكان الفاخر محجوز سلفاً في أرقى المنتجعات، مع المصيف شمالاً و المشتى شرقاً، المأكل و المشرب وفير لحد التخمة، و الزواج سهل و يسير بمجرد الإشارة، و العمل في أملاك العائلة موجود، و في أي مجال آخر يقف على جرة قلم، بل مقعد البرلمان ذاته ينتظر إماءة الموافقة.


أما المنتمي للطبقة المحكومة فويلٌ له، فالحياة الكريمة ترف لن يستطيع بلوغها و عليه بالقناعة بما هو متاح، جهده و إجتهاده لا يكفيان لتشكيل مستقبل أفضل فبالكاد يؤمنان إستمراريته و يحميانه من السقوط على السلم الاجتماعي - ألم يقل رئيس الوزراء السابق أن على الراغبين في شغل وظائف حكومية الإتجاه للعمل على التوك توك و صرف النظر عن الوظيفة - هذا إلا لو ترك بلده و أهله و عمل بالخارج، العدل بعيد حتى لو طاله نظره و الظلم قريب من طرق بابه في أي لحظة، التعليم متهالك لدرجة تسر العدو سروراً، و الرعاية الصحية لا تليق بمواطن كريم، يحتاج لصحة فوق الصحة لينال الرعاية أو يموت نتيجة الإنتظار و الإهمال، الإسكان الكريم غالي و غير متوفر، و العشوائيات في تزايد، أما الزواج فهو صعب الوصول إليه، و إذا تم فالأصعب هو تأمين إستمراره، فالحياة للمنتمي لهذه الطبقة عبارة عن الحرث في أرض بور، لا طاحونة الجهد تتوقف، ولا ثمار الأحلام تطرح.


و هذا الوضع الاجتماعي يحفز بشده و يضغط بشكل رهيب على الفرار من الطبقة المحكومة و الإنتماء للطبقة العليا، لا بغرض الوجاهة الاجتماعية فقط، بل لأنها جزيرة النجاة من بحر الفقر و البؤس و المهانة، و لهذا فهي تدفع شرائح اجتماعية واسعة لفعل أي شئ يجعلها تصعد على السلم الاجتماعي، و إذا كانت قنوات الترقي الاجتماعي يغلب عليها طابع الفساد بما يتعارض مع منظومة القيم العربية الإسلامية، إذاً فهذا الوضع إجمالاً هو وضع مفكك لمنظومة القيم، فمثلاً و كأن هذا النظام الاجتماعي السياسي يحث بناتنا على سلك طريق الرقص الشرقي، الذي منه تُفتح أبواب الفن و الإعلام، و تراكم الثروة و الإنتماء للنخبة الاجتماعية، بدلاً من سكة العلم و الاجتهاد و العمل الشاق بالكد و العرق، فإذا كنتي أم معيلة في الحالة الأولى فقد فلحتي، و إذا كنتي أم معيلة في الحالة الثانية فويلك في هذه البلد و هذا المجتمع، و بهذا تتعطل منظومة القيم العربية الإسلامية، لأنه في حال تطبيقها تفشل صون الحياة الكريمة لأفراد المجتمع، مع الأسف!


و بعد أن تفككت منظومة القيم العربية الإسلامية و عم الفساد، أصبح صعباً - إلى حد الإستحالة - على أي فرد منا ألا ينال منه الفساد، فمن يستطيع أن يتعامل في مصلحة حكومية دون أن يدفع رشوة؟ من هذا الذي يجرؤ على قول كلمة حق في وجه حكم مستبد؟ و أين يمكن أن تأتي قيم العمل في ظل نظام لا ينتج؟ و الأهم من هذا كله، كيف يمكن تطبيق جوهر منظومة القيم العربية الإسلامية الذي يُطوع المادة في سبيل تحقيق المُثل العليا، في حين أن المادة أصبحت هي عنوان الحركة العامة لمجتمع أصبح مادياً قحاً.


و بهذا يمكن لنا أن نرى أن سبب المشكلة هو مكمن الحل، ألا و هو النظام الاجتماعي السياسي الذي يشكل المجتمع، و الحل إذاً يكون في نظام جديد يعيد بناء المجتمع على أسس طبقية و ثقافية جديدة، و هذا عبر ثورة اجتماعية شاملة تبني نظاماً اجتماعياً سياسياً يعيد ترميم منظومة القيم و ينجو بها من الإنهيار، حتى يتفادى المجتمع المصري مصير التحلل، و ينهض كقوة حيوية لينفقذ الوطن العربي من الهلاك، و يحسم معركة الوجود العربي.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء