ضياء فتحي موسى - أشخاصٌ رائعونَ


أشخاصٌ رائعونَ - قصّة قصيرة


ضياء فتحي موسى


قبل ساعة من انصراف الشمس, وقفت بائعة الكُتب أمام عربتها على رصيف الطريق, سيدة في سن الأربعين, ممتلئة بعض الشيء, تبيع الكتب والجرائد على عربة صغيرة متنقله تجرها باليد, في وجهها ابتسامه صادقة ترغم بها الزبائن على الشراء, وكانت ترتدي زيًا مُهذّبًا وأنيقًا, قميصًا أبيضًا متّسعًا فوقَ بنطال أزرق, وقبّعة برتقالية مكتوب عليها بخط واضح:
 " الأشخاصُ الرائعونَ مخلّدون " 
 وكان شابٌ في العقد الثالث, طويلٌ وفي رأسه صلعة خفيفة, قد انتهى لتوّه من اختيار كتابه, وفي كل وقت يُرسل إلى البائعة نظرات مُطمئنة, كأنّ بينهما شيء جاوز حدّ البيع والشراء, شيء فيه نُبل, وردّت هي النظرات إليه بذات الطريقة. 

وبينما كان يُقلّب الشابُ في صفحات الكتاب الذي أعجبه, رجّ آذانه دوى صراخ قادم من الجهة المقابلة للطريق, تحديدًا من الرصيف الموازي, صراخٌ بشريًا مُستغيثًا, فالتفتت أنظار المارة إلى مصدر الصوت المتشنّج الذي كان يعلو باستمرار, وإذ بالمستصرخ بائع أحذية يجلس ببضاعته على الرصيف, وقد خطف منه لصٌ حذاءً منذ لحظات وهرب. 

ترك الشابُ الكتابَ عند البائِعة, وحوّل عينه إلى أربعة آخرين, أصدقاءه وفي نفس سنّه, كانوا يقفون على بعد أمتار قليلة, فتاة جميلة تُخف عينيها وراء نظارة شمس سوداء, وثلاثة رجال, ثيابهم تدل على أنّهم من فئة متوسطة, في الأقل ليست ذات الفئة التي منها اللص, وفي ثوان قليلة, تبادلوا نظرات متفاهمة تملئها اليقظة والحماسة, اتخذوا بأعينهم قرارًا ما, بعدها, انطلقوا بكل ما أوتوا من سرعةٍ خلف اللص, إلّا الفتاة ظلّت في مكانها.

 بدأوا المطاردة, تخللوا الطُرقات والأزقّة, وبان في وجه كل واحد منهم عزم وتحدي, كانوا يُريدونَ بأية طريقة القبض عليه, بعضهم كان أسرع من الآخر, وبعضهم تعثّر أو وقفَ ليلتقط أنفاسه, أمّا اللص فكان دائم الحرص, إذا فطِنَ إلى أنّ هذا الشارع  مُغلق في نهايته فلا يدخله, ولو شعر أنه إذا وقفَ ليستجمع قواه سيلحق به الراكضونَ خلفه فلا يقف, ولأنّه خشي أن يسقط الحذاء من يده, أوصلَ رِباطَ الزوج الأول بالثاني, ثمّ أوصلهما بحبل التقطه من الأرض أثناء ركضه, ثمّ جعل الحبل حولَ وسطه, فأصبحَ الحذاء موثوقًا فيه وصعب أن ينفلت.  وكان أسرع منهم جميعًا وأكثر رشاقة, يقفز إلى أعلى فيُعلّق جسده في شيء, أو يقفز من فوقَ سيارة تعبر الطريق بسرعة, وإذا دنى منه أحدهم ووضع يده عليه ليمسكه, انفلتَ كأنّه قطعة ثلج! ربّما لأنّه لم يزل في سن المُراهقة ساعدته ليونة جسده على أداء هذه الحركات الصعبة, أو لخبراته في الكر والفر,  هكذا كان بالنسبة لهم داهية أو فأرٌ يجري في شقاق الأرض, وقد أدركوا أنّه ليس من السهل الإيقاع به, إلّا أنهم واصلوا الركض بلا هوادة.

ثم تفرّقَ الذينَ يطاردونه, كأنّهم اتفقوا على خِطّة فيما بينهم, فغادر اثنان, الشابُ الذي في رأسه صلعة وآخر أسمر, وبقي اثنان, هما الأسرع, خلف اللص الذي كان يثق أنّ الشرطة هي التي تطارده, وكان يلتفتُ كل حين ليحدد المسافات التي تفصله عنهما, ووجهه مفجوع مأخوذ. في كل المرّات يسرق ثم يهرب, لكن هذه المرّة خرج له من حيث لا يعلم أشخاصٌ معاندون ليغيروا حساباته. 

 قصد اللذان غادرا اللص مطعمًا شهيرًا في مكان منفتح على السماء ويطل على النيل, جلسا على طاولة ولم تزل أمارات التعب ظاهره في وجهيهما, ثم نظر الشابُ الأسمر إلى بنايات سكنية متلاصقة تظهر على الضفة المقابلة من النيل, أمعنَ النظر فيها, كانت متواضعة البناء وكثيرة, فبدى أنّ له فيها شيء, بعدها نزل إلى "مَعدّية" ليعبر إلى الجانب الآخر من النهر, بينما ظلّ صديقه, ذات الصلعة, في طاولته.

وفي هذا الوقت, كان الشابان اللذان يطاردان اللص, لم يزلا بكل عزم وراءه, وقد أزعجهما وأنهكَهما, وجعلهما يزرفان العرق, وأثناء ذلك, دخل اللصُ مَخبزًا في حي شعبي في محاولة منه للهروب من الشابين, فأحدثَ ارتباكًا في أنحاءه, عمّت الفوضى وتعطّل العمل, فانزعج العمّال وحاولوا القبض على هذا المتطفل, ركضوا وراءه وأحاطوه, ودخل الشابان المخبز ليلحقا به ووقفا في صف العمّال, إلّا أنّه تغلّب عليهم وتسرّب منهم كالماء يتسرّب من شبكة الصيد, وقفز من نافذة صغيرة, لم يتجرأ أي أحد على تقليده, فصار خارج المخبز, لتبدأ المطاردة من جديد. 

جاء النادل إلى الشاب الذي يجلس في طاولته, فأخبره أنّه ليس زَبون, إنما جاء لمقابلة مدير المطعم لأمر هام, وطلبَ من النادل أن يُخبر المدير بذلك. 

في مكان آخر, بالتحديد فوقَ جسر يصل ضفتي النهر ببعضهما, وجدا اللص المراهق نفسه مُحاصرًا بالشابين, لم يعطياه فُرصة للهرب هذه المرّة, ضيّقا عليه الخناق, ليس من نافذة هنا مثل التي كانت في المخبز لتساعده على الهرب, ليس أمامه سوى القفز في النهر, وهو بكل تأكيد, كما يظن الشابان, لن يفعل ذلك, إلّا أنّه كان قريبًا جدًا من الحافة, ولسوء حظّه انزلقت رجله وفقد توازنه ليسقط في النهر سقطة ميت, ثم لمّا وقع في الماء لم يظهر منه شيء, بل اختفى في عمق النهر, فخلع الشابان القلقان ثيابهما من فورهما وقفزا إليه لينقذاه, وفتّشا عنه فلم يجداه, وساعتها أدركا أنهما وقعا في فخ, فليس سقوطه من البداية سوى مكيدة منه, لإيهامهما أنه يغرق وحين يراهما ينزلا إليه يخرج هو من مكانه في لحظة إلى الشط, وقد رأياه ينظر إليهما ويهرب, فلاما أنفسهما وجاهدا للحاق به.

 من جانب آخر, وصلَ الشابُ الأسمر إلى بناية في ارتفاع خمسة طوابق, وقفَ تحتها وسأل عن المالك, فأرشده شخصٌ إلى امرأة عجوز تجلس إلى كرسي خشبي أمام مِدخل العِمارة, فذهبَ إليها وفتح معها حديثًا.

  وبعد وقت, بدأ نور السماء يخفت, وفي أثناء سعيهما للقبض عليه, وجدا الشابان أنفسهما في مكان خالٍ متّسع, بعد التدقيق عرفا أنّهما في أحد المصانع, مصنع ملابس بالتحديد, لم يعرفا كيفَ أصبحا داخله, مطاردتهما للّص أوصلتهما إلى هناك. وقف كل منهما في ساحة كبيرة ممتلئة بتماثيل عرض الملابس "ماتيكان" تزيد عن ألف في أقل تقدير, تجسّد أطفال وشيوخ وأعمار وسط بينهما, ذكورٌ وإناث,  ومنتشرة بعشوائية, بدت أشباح للناظرين, أو أموات يقظين, بعضها عارٍ والآخر تغطيه قطعة أو قطعتين من الثياب, ومنها ما هو مُحطم تمامًا. وكان اللص إذا رآهما مقبلان نحوه, رجع إلى وراء تمثال ليخف نفسه, هكذا حنى أصبح ليسَ وراءه غير حائط ضخم, فتمثّل تمثالًا ليختلط الأمر على الشابين ويصعب, وأخف الحذاء المسروق في قدميه, أي انتعله.. في أولِ الأمر مرّت أعينهما عليه ولم يكشفاه, فظنّ أنّه انفلتَ منهما, وسرت في جسده دفقة أمل, لكنهما أعادا النظر مع التدقيق, وشعرا بروح تنبض في هذه القطعة تحديدًا, ثم لاحظا الحذاء الذي كان يبرق, كان تمثالًا قديمًا باليًا بوجه بائس تُعرض فوقه خرقًا ممزقة, نحيف الساقينِ, وفي قدميه حذاء بلا جورب أعلى سعرًا من التمثال ذاته! لم يعد يراودهما شكٌ في أنّهما يقفانِ أمام اللص, لذا هَمّا ليقبضا عليه, وقبل دِنوهما منه, كان قد تأكّد له أنّ حيلته كُشِفَت, فجرى من أمامهما في رد طرفٍ..

وكانت الفتاة التي لم تشاركهم المطاردة, قد تحركت خطوات إلى بائع الأحذية, الذي لم يزل يندب حظّه التَعس لأن حذاءه, الذي يُشكل قدرًا من بضاعته, قَد سُرِق, فهدأته بكلمات, ثم أخرجت مالاً وأعطته إيّاه, دفعت ثمن الحذاء الذي سرقه اللص. 

أمّا الذي طلب مقابلة مدير المطعم, فقد وافقَ الأخير على مقابلته ورحّبَ به واستمع له, قال أنّه جاء طالبًا المساعدة, فوعدهُ المُديرُ أنّه سيفعل ما بوسعه من أجله.

وكانت المرأة العجوز, مالكة البيت, تؤجر غرفًا في بيتها لمن يحتاجها, وأغلب زبائنها من بسطاء الحال, وكان الشابُ الأسمر يحدثها ليستأجر غُرفة قد عاينها وأعجبته, ودفع لها مقدّم خمسة شهور, ثم تسلّم منها مِفتاح الغُرفة. أمّا الفتاة, التي دفعت ثمن الحذاء, فقد خرجت من متجر وفي يدها العديد من الحقائب الممتلئة, ثم انتظرت أمام المتجر.

غادرت الشمسُ السماء تمامًا, وحلّ الليل بديلًا, ولم يزل اللص يهرول منتعلًا الحذاء المسروق, ومن وراءه الشابان, وقد وصل بهما إلى زقاق جدًا ضيّق, مظلم وكئيب, لا يسكنه سوى الكلاب والقطط والفئران, يتغذونَ على ما يُلق به الناس من نفايات, لذا فالروائح تخرج من كل رقعة, من الحوائط المتصدعة نفسها, روائح نتنة لا يقدر عليها إنسان, وقد التوت قدم اللص فسقط, فأسرع إليه الشابان, فجعلته وقعته في يد الشابين اللذين يطاردانه منذ أكثر من ساعة, ليست سقطته هذه المرة خديعة منه, إنّما حقيقة واضحة, لذا قبض عليه الشابان بعدما أنهك قواهما, وأيقن اللص حينئذ أنّه سيقض ليلته في السجن, واستسلم لذلك..

استقلّت الفتاة سيّارة أجرة, ثم أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا مع الشابين اللذين قبضا على اللص, عرفت منهما مكانهم, ثم طلبت من السائق أن يذهب إلى ذات المكان في أسرع وقت. وفي جانب آخر, كان الذي قابل مديرَ المطعم قد غادر متجهًا إلى المكان الذي فيه اللص, كذلك الشاب الأسمر الذي استأجر الغُرفة من المرأة مالكة البيت, وقد تجمعوا هناك في وقت قليل, عند اللص, في مكانٍ مختفٍ بين الأزقة, صعب الوصول إليه إلا بتحمل المشقة والجلَد, فوضعت الفتاة الحقائب التي معها أمام اللص الخائِف, الحقيقة أنّه كان يرتعد من الخوف, وكان الحذاء لم يزل في قدميه, ووضع الشابُ الأسمر مفتاح الغرفة أمامه, لم يكن يفهم شيء, حار في نفسه وظهرت أمارات الذهول في وجهه المفزوع!

ثمّ, بعد أيّام, اجتمع الشبّان الخمسة على وجبة طعام, في المطعم الشهير, وكان النادل هو ذاته المُراهق الذي كان لصًا, وكان يرتدي قميصًا أبيضًا, مكتوب عليه " الأشخاصُ الرائعونَ مُخلّدون".

في النهاية,لأنّ الغرض من الجزاء هو التغيير وليس إحداث الألم, فعلينا معرفة أنّ عامة الناس تؤلمهم أشياء واحدة معروفة, لكن تغيرهم إلى الأفضل أشياء مختلفة واستثنائية, ومن ذلك نؤمن بأشخاص يصح أن نسمهم "الاستثنائيون" أو ا"لأشخاص الرائعون" , لديهم القُدرة على الصعود بالناس إلى مرتبة أعلى, يعرفون كيف يفعلون ذلك, ينتهون من تغيير أنفسهم نحو الأفضل ثم يبدؤون بمساعدة غيرهم, وهم متواجدون في كل مكان, كلنا محظوظون إذا قابلناهم في يوم من الأيام, والحظ العظيم إذا صرنا نحن هم, وهذه كانت حكاية لبعضهم.









الإبتساماتإخفاء