يوسف السباعي: وادي القلوب المحطمة

يوسف السباعي



أجل ! ما من زواج تم فى وادى القلوب المحطمة إلا وأعقبته كارثة تورث النفوس حسرة ولوعة ..

جمعتنى وإياه على الشاطىء ربوة عالية كستها الخضرة ، وظللتها شجرة هرمة كأنها والزمن صنوان ، وكان الوقت قبيل الأصيل وقد أشرفنا من مجلسنا على مغرب الشمس وقد أخذت تهبط فى الأفق حتى غمرتها مياه النهر فبدت كأنها جمرة متأججة توشك أن تخبو .. وبدت من خلفنتا الكروم الممتدة فى الوادى الخصب تتخللها أشجار البرتقال والليمون وقد حملت إلينا النسمات شذى عطر يفوح أزهارها البيضاء .

ونظرت إلى الرجل وقد اتكأ بظهره على مقعده وأخذ يهز ساقيه هزات منتظمة ، وأطلق بصره فى الأفق البعيد ، وشاعت فى وجهه علامات الغبطة والزهو وقال مستضحكا : 

قلت لك إن هذا كان اسمه حتى صادفتها .. فمسه ومسنى منها سحر بدلنا وخلقنا جديدا .. لقد أصبح اسمه بعد ذلك " وادى القلوب السعيدة " .. وأصبحت أنا رجلا سعيدا .

منذ بضع سنين كان هذا الوادى خراباً بلقعاً .. وكنت أعمل بالتدريس فى إحدى مدارس المدينة وكانت هى طالبة فى هذه المدرسة . ورغم أن نوع جمالها قد جعلنى أميزها عن غيرها من الفتيات ، إلا أننى لم ألق إليها فى بادى الأمر كثير اهتمام .... أولا ، لأن الظروف المحيطة بى وقتذاك كانت تجعلنى شديد الزهد فى أن أخوض معارك غرام ... شديد الرغبة فى أن أقى قلبى مزالق الهوى ومهاوى الحب ... وثانيا ، لاننى حتى لو فشلت فى وقاية نفسى معارك الغرام – فلا أقل من أن أنأى بها عن الجو المدرسى فلا أجعلها تشتبك مع طالبة هى فى منزلة ابنتى أو هذا هو المفروض . وهكذا لم أحاول قط أن أظهر لها اهتماما خاصاً .. وإن كنت لم أستطع أن أمنع نفسى من الضيق لغيبتها إذا غابت .. أو السرور بوجودها إذا ما حضرت فقد كانت تلك إحساسات خفية فى داخل نفسى لا أستطيع الوصول أو التحكم فيها .. على أية حال لقد اعتبرتها مجرد شعور " استلطاف " لا يستدعى من كثير انزعاج أو تفكير .

ولكن المسألة بدأت تتطور .. وبدأ ينشأ بيننا ذلك الود الصامت .. والصداقة التى نحس بها فى الصدور ، ولا تفصح عنها إلا نظرة أو بسمة تسرى بين الطرفين مسرى الكهرباء .
وفى ذات يوم كنت أشرح أحد دروس الجغرافيا . فذكرت فيما ذكرت هذه المنطقة وقلت لهن على سبيل التسلية إننى أعرف أن هذا الوادى يطلقون عليه اسم " وادى القلوب المحطمة " وأثار الاسم ضحكهن ولم يخل الأمر من أن يعلقن عليه ببعض النكات والتعليقات .

وفى نفس اليوم التقيت بالفتاة خارج المدرسة وكانت المرة الأولى التى ألتقى بها عى حدة فتصافحنا .. واحسست بمتعة شديدة عندما شعرت بها تسير بجوارى جنباً إلى جنب وكان حديثنا لا يمكن أن يخرج عن المحيط الدراسى حتى سمعتها تسألنى ضاحكة ... هل رأيت وادى القلوب المحطمة ؟ 
فهزت رأسى بالإيجاب . فعادت تسأل :

- هل تعرف لمً أطلقوا عليه هذا الاسم ؟
- إن لذلك قصة . – قصة حب ؟
وترددت برهة قبل أن أجيب . لو قلنا قصة بغض فقد يكون التعبير أصح .. هل تودين سماعها ؟

- ذلك يتوقف على خاتمتها .. أن كانت محزنة فإنى زاهدة فى سماعها .. لأنى أحس بشىء من السعادة .. لا أود أن أفقده .
- إذا كان الأمر كذلك فلا داعى لقصها . 

وكان فى صوتى رنة حزن جعلتها تعود فتطالبنى بقصها وتصر على ذلك وكنا قد وصلنا إلى الحدائق العامة فدلفنا إليها وانتحينا ركناً هادئاً وبدأت أقص عليها القصة قائلا :


- إنها لعنة قديمة أطلقتها عجوز هندية فأصابت المكان وظلت به حتى يومنا هذا ، ولقد قالوا إن سبب اللعنة هو أن العجوز كانت لها ابنة تعمل خادمة عند سيد الوادى ، وكانت الفتاه أشبه بزهرة متفتحة أو عصفور مترنم يشع السحر من عينيها ويفيض الشهد من فيها ... لاترى إلا مرحة ضاحكة جمة النشاط مجدة دؤوباً لا تكاد تشرق الشمس إلا وهى تسحب البقرة لتحلبها .. وتظل طيلة يومها فى عمل مستمر لا تهدأ ولا تستقر .. فكانت محل رضاء السيد الكهل وامرأته .. وموضع عطفهما ... حتى كان ذات يوم ذهب الرضاء وتطاير العطف ، وحل محلهما غضب شديد على الفتاة .

لقد أحب ابنهما الفتاة ... ابنهما الذى سيصبح سيد الوادى ، والذى سيرث تلك الأملاك الواسعة ، قد أحب 
الخادمة ! ... ولو قد حدث هذا الأمر فى وقتنا هذا لما كان بالشىء المستغرب ، ولما نظرنا إليه نظرتنا إلى شىء يستحيل وقوعه ، أو إلى جريمة تستحق العقاب .. لأن الحب أمر ليس للأنسان فيه قدرة الاختيار بل هو مقود مساق .. وما كان الفتى والأمر كذلك ليلام على وقوعه فى حب الفتاة ولكن السيد والسيدة هالهما الأمر ،وثارت ثائرتهما عندما أنبأهما بعزمه على الزواج من الفتاة ... وصمما على أن يطرداها شر طردة وأن يبعداها عن الوادى ويوقعا بها أقصى العقاب فقد اعتبراها مسئولة عن غواية ابنهما وإيقاعه فى شراكها .

وهجمت السيدة العجوز على الفتاة فى حجرتها فكالت لها الشتائم والسباب وجردتها من ثيابها . ثم أقبل السيد فانهال عليها بسوطه حتى ألهب ظهرها .. وانطلقت الفتاة تعدو من الدار فزعة مرتعدة حتى وصلت الى أمها فسقطت أمامها مغشياً عليها .

وراع الأم ما حل بابنتها ، فرفعت كفيها إلى السماء ودعت الله أن يحطم قلوب أهل الوادى وذريتهم من بعدهم عقب كل زيجة تتم ، وأن يفجع كل زوج فى زوجته وكل زوجة فى زوجها وكل أب وأم فى بنيهما .
وسادت فترة سكون قطعتها الفتاة متسائلة :-

- وهل استجيب الدعاء وحلت اللعنة ؟
- أجل .. فأصابت أول ما أصابت صاحبة اللعنة نفسها .. وكان أول قلب تحطم هو قلبها هى .
- ماذا تعنى ... وكيف ؟
- لقد فر الفتى ابن السيد .. وتزوج الفتاة رغم أبيه وأمه .. ولم تمض بضعة أسابيع .. حتى حلت اللعنة وماتت الفتاة بين ذراعى زوجها بعد أن أصيبت بلدغة أفعى .
- وهل استمرت اللعنة ؟
- أجل .. لقد مرت السنون .. وفى أول زواج حدث فى العائلة بعد ذلك أنجب الزوجان طفلا قرت به عيناهما ولكنه لم يكد يبلغ الثالثة حتى سقط من النافذة ودق عنقه وجنت أمه الثكلى . وهكذا استمرت اللعنة تحطم قلوب القوم وتفجع نفوسهم جيلا بعد جيل .. فمرة تفر الزوجة مع عشيق لها .. ومرة يفر الزوج مع خادمته وثالث يلعب الموت دوره فيأخذهما ليترك الآخر كليم القلب مجروح الفؤاد .. أجل ما من زواج تم فى وادى القلوب المحطمة إلا وأعقبته كارثة تورث النفوس حسرة ولوعة ترى هل أحزنتك القصة ؟

- لا أظن .. ولكن قيل لى .. هل ينسب الناس كل تلك الكوارث التى حدثت فى الوادى إلى لعنة العجوز ؟ .
- طبعاً .. ولقد انتهى الأمر بصاحبه الأخير إلى هجره والفرار منه بعد أن تحطم فيه قلبه .. أجل .. لقد تركه لخادمه وأقسم ألا يعود إليه .. وأصبح الآن خادمه سيده . 
- ولكن ما هى قصة الكارثة الأخيرة التى حدت بصاحب الوادى إلى هجره ؟ 
- كغيرها من الكوارث لا تخلف قليلا ولا كثيراً .. لقد أحب الرجل – أو هكذا خيل إليه – فتاه شقراء فاتنة ، وكان يرى فيها ملاكا طاهراً حتى تزوجها .
- يخيل إلى أنك تعرف الرجل جيدا ً
- أجل لقد كنت أقرب الناس إليه .. أقرب مما تتصورين .. فأينما ذهب ذهبت ، وأينما ذهبت ذهب 
- .. هل فهمت ؟ !! 

ونظرت إلى نظرة طويلة ثم هزت رأسها ببطء وقالت فى صوت خفيض .. أظن أننى فهمت .. قل ماذا حدث لصاحبك بعد أن تزوجها ؟

- حدث أمر فى غاية البساطة .. لقد كان لصاحبى هذا صديق عزيز لديه .. صديق طفولة وزميل صبا .. فدعاه فى ليلة عرسه .. وفى الصباح عندما جلس لتناول الفطور .. لم يجد صاحبه ولم يجد زوجته .. لقد فر الأثنان ؟.

- غير معقول !.

- معقول أو غير معقول .. إن هذا هو ما حدث .. إنها لعنة العجوز قد حطمت قلب صاحبى ..

- ولكن لا أظنك يا سيدى تعتقد أنت الآخر أن لعنة العجوز لها دخل فى الأمر ..زوجة طائشة لا خلاق لها ولا وفاء وصديق أنانى استبدل بالوفاء خديعة وبالأمانة خيانة .. وزوج سليم النية ظن بهما خيراً فلم يعرف خبيئة نفسيهما وحطمت قلبه الواقعة .. ما دخل لعنة العجوز فيما حدث ؟ 

وأحسست بشىء من الخجل وأصابنى الارتباك وشعرت أنها ترمقنى بنظراتها فلم أنبس ببنت شفة وأردفت هى تقول :

- قل لصاحبك إنه جبان لأنه فر من وطنه خوفا من لعنة العجوز .. وقل له أن يتعلم كيف يختار امرأته وكيف يعطى قلبه لمن تستطيع صيانته .. لا لمن يطربها تحطيمه !. 

ونظرت إلى عينيها لأسبر غورها ولأنفذ إلى رأسها ، وقلت كأنما أحدث نفسى .. إن صاحبى لم يعد فى حاجة إلى من يقول له ذلك .. فلقد اختار فعلا .. ويخيل لى أنه لم يخطىء هذه المرة !

- إذا فماذا يبقه بعيداًً عن موطنه ؟
- إنه يخشى ألا ترضى أن تعود معه .
- هل سألها ؟ - لا .
- ولم ؟ - إنه يخشى .
- يخشى ! .. ألم أقل لك إنه جبان .. ماذا يخشى من سؤالها .. هبها رفضت فلتذهب إلى حيث ألقت .. لأنها تكون لا تستحق حبه .. ويكون قد أخطا فى الأختيار مرة أخرى .

والتقت عينانا ، فلم أستطع المقاومة ولمحت فيهما انتظاراً ولهفة ، لقد اتهمت صاحبى بالجبن ، وهى لاشك قد عرفت أن صاحبى هذا هو نفسى ، وهى تعيب على أننى لم أسألها .



واقتربت منها ، وكان المكان قد خلا إلا منى ومنها ، فأمسكت بوجهها الصغير بين كفى ، لقد طلبت منى أن أسألها فمددت شفتى وهمست فى شفتيها بالسؤال ، وأجابت سؤالى بنفس الطريقة همسة ولمسة من شفتيها .
وأحسست بيدها تضغط على يدى وسمعتها تقول :- 

- سأتحدى لعنة العجوز ، إن المسألة لاتحتاج إلا إلى شيئين حب ووفاء ، وساستطيع بهما أن أقهر اللعنة ، وأن اجعل من وادى القلوب المحطمة ، واديا للقلوب السعيدة .

وعدنا سوياً إلى الوادى ، فأصبح يا سيدى كما تراه ، لا يكف طيره عن الترنيم ،ولا زهوره عن الابتسام ، لقد مرت علينا ثلاث سنوات أنجبنا فيها طفلا وطفلة ، وإنى لأحس ، بالقناعة والرضا ، وأحمد الله على نعمته .

ولم يكن يتم قوله حتى رأينا دخاناً يتصاعد فى الهواء من ناحية الدار ، ورأيت وجه الرجل يكفر وبدا فى عينيه ذعر شديد فأصابتنى قشعريرة ، وقفز من مكانه صائحا : " حريق " !!

وانطلق يعدو إلى الدار كسهم مارق وأنطلقت أعدو خلفه بكل قواى وتذكرت فى تلك اللحظة لعنة العجوز ولم أشك فى أنها خطرت برأسه ، وأنه قد خشى أن يكون حريق قد شب فى الدار فأصاب زوجته أو ولديه بسوء ، وأنطلق كالمجنون لكى يبعد عنهم ذلك السوء .

وعندما وصلت إلى حديقة الدار كان الرجل قد اندفع إلى الداخل وأخفاه الدخان المتكاثف ، وبعد لحظة رأيت امرأته وولديه يقبلان من خارج الدار وقد روعهم الحريق وأحسست بفرحة شديدة عندما تبينت أنهم بخير ، وأنهم لم يكونوا داخل الدار ، وأخذت أصيح بالرجل لكى أنبئه بسلامتهم حتى يعود إلينا ، ولكنه لم يسمع ، لقد كان يعدو وسط النيران كالمجنون وهو ينادى امرأته وولديه .

وأخيرا خرج الرجل من النار ولكنه لم يكن إلا جسدا أكلته النيران وأحرقه اللهب ، ومات الرجل ، ولم يكن موته هو الذى أوجع قلبى فما حزنت لشخص مات ، إنى أحسد الموتى على موتهم ، لأنى أرى فى موتهم نجاة لهم من حياة كلها تفاهات وسخافات ، ولكن الذى روعنى حقاً ، هو تلك المرأة وولداها ، وقد بد ثلاثتهم كأنهم تماثيل للوعة والأسى . 

أجل هذه القلوب الثلاثة البريئة المحطمة ، هى التى حطمتنى وأبكتنى .. هذه المرأة الشجاعة التى ظنت أنها تستطيع أن تقهر القدر بالحب والوفاء ، وقد جزاها القدر شر الجزاء !!







الإبتساماتإخفاء