محمد العوضى: تاريخ انجليزي





بقلم: محمد العوضى


من الغريب أن يجهل أحد نصف منزله ! ، أنا الآن في الثامنة عشر و أحلم أن أكون طيار أجوب العالم و أكتشف بلدانه ، و إلى الآن لم أكتشف نصف منزلي !

و تلك المشكلة ليست بالجديدة ، إنها قديمة كعمري أو للدقة منذ بدأت أن أدرك ما حولي و أنا أعلم أن تلك المنطقة محرمة علي ، لم يقل أحد لي ذلك لكن التجربة علمتني ، غالبا ما نكون جميعا بغرفة المعيشة أنا و أخي و أبي و أمي و عمي نشاهد التلفاز ثم يحين وقت النوم فتأخذنا أمي إلى غرفتنا و تضع جوارنا دورقا و كوبا من البلاستيك و قطعتي حلوى، و تتمنى لنا نوما هنيئا ..

في البداية لم تكن تكفيني قطعة الحلوى أو دورق المياة أو الأضواء المضاءة ؛ كنت أريد أمي :(، فأصحو من النوم و أعبر غرفة المعيشة ، أفتح الستارة الفاصلة إلى الغرفتين الأخرتين لأجد بعدها بمتر و نصف باب كبير جميل و مبطن يشبه كراسي غرفة المعيشة!، و أظل أدق عليه و أضربه و أنادي و أبكي لكن لا مجيب  و يوما بعد يوم اعتدت الأمر و لم أعد أذهب لهناك ، و أخي أيضا اعتاد ذلك و كان يؤنسني إلى أن انتقل إلى حجرته المجاورة، هكذا قالت أمي بعد أن أتمم سبع سنوات، كنت حينها تسع سنوات أظن نفسي كبيرا، و حاولت الاعتراض لكني لم أستطع  فذلك هو نظام البيت، و بيتنا ليس كأي بيت !، يكفي أن تعيش معنا أسبوع واحد لتستطيع أن تعرف ماذا سنفعل في كل لحظة من الأسبوع التالي، حتى الصلوات لها نظام ثابت ، أمي علمتنا الصلاة عندما أتممنا السابعة، و عندما أتممنا العاشرة كان أبي يصلي بنا الفجر و الظهر ، و عمي يصلي بنا العصر و المغرب و العشاء ثم يتناوبان في الأسبوع التالي إلى أن أتممنا الرابعة عشر ، و حتى الآن لا أعلم لما لم يصليا معنا سويا ! ، لكنه نظام البيت ، و في بيتنا يجب ألا نسأل إلا فيما يخصنا فقط ، و رغم ذلك كنت أتجاوز أحيانا ، ثمة أسئلة تدق رأسك فتسأل ! ، أذكر عندما سألت أمي لماذا يسكن عمي معنا ؟ فأجابت لأنه و أباك مرتبطان جدا ، و لا يوجد لهما أقارب آخرين ، فسألتها إذن لماذا لا يتزوج كأبي ؟ ، فأجابت بحسم : تلك أمور خاصة لا ينبغي لنا السؤال عنها ، ثم إن المنزل لدينا كبير و به حجرة خاصة لكل شخص بالمنزل ، و عمك شخص ودود لم يسيء إلى أحد يوما ، و إكرامه إكرام لأبيك ، و إن لم تسعه أرض منزلنا سنحمله في عيوننا ، و أتمنى ألا تتحدث في ذلك الأمر ثانية لأن أبيك إذا علم سيغضب كثيرا ، سكت و لم أعد أسأل لكن عندما أتى خطابا بنكيا لعمي ، و رددت حامل البريد و أنا أخبره أن هذا الشخص لا يسكن هنا ، و سارعت أمي و اعتذرت و أكدت لحامل الخطاب أن العنوان صحيح و أرته صورة بطاقة عمي ، سألتها من جديد ، أمي إن نسب عمي لا يشبه نسب أبي تماما فكيف هذا ! ، فأجابت ببساطة لأنهما أخوان من الأم ، ألم تكن تعرف ! ، عدا ذلك لا أذكر أنني سألت سؤالا لا يحوي ( أنا ) أو ( نحن ) ! ، حتى أخي لم أكن أسئله عن أحواله إلا إذا سئلني و طلب مشورتي ، أذكر أنه أخبرني بالقريب أنه يريد أخذ رأيي بأمر ما ، و كما توقعت صارحني بحبه لزميلته في الشقة المجاورة ، لكني لم أتوقع أن أقرب أصدقائه يحبها أيضا ! ، على كل حال ذلك وارد و من الممكن أن يحبها أيضا أخرون ، المهم من هو الذي تحبه ؟ ، عليكما أن تسألاها صراحة كل على حدة أثناء مرافقتها لكما في الدروس ، و ما تختاره تلتزمان به كي تظلا أصدقاء ، هكذا أخبرت أخي ، ليلتقي بصديقه بعد أيام و أكد كل منهما للآخر أنها تعتبره أخا لا أكثر ، كان هذا مريحا لكلاهما لكن قلب أخي لم يسع الفرحة لأكثر من شهر فصارح صديقه أن حبيبتهما تجاوبه الحب و الرسائل و القبلات و أنه لم يشأ اخباره حرصا على مشاعره ! ، فأخبره صديقه أنها له كذلك و ربما أكثر ! ، و اتفقا على لقائها سويا ..
لماذا تخدعيننا و تدعين حبنا !
- أنا لم أخدعكما ، أنا أخبرت كلا منكما أنني أحبه ، و أقسم أني صادقة
و لماذا لم تخبري كل منا بعلاقتك بالآخر !
- و لماذا أخبره !! ، ذلك أمر سيضايقكما ، ثم أنكما طلبتما أن أجعل علاقتي بكما سرا ! و لقد وفيت بوعدي ! ، لماذا تحاسباني ! أخبراني هل قصرت معكما في شيء ! ، هل جعلت أحدكما يبكي كما جعلتماني أبكي الآن !
لكن ذلك لن يدوم عليك الآن أن تختاري أحدنا و الآخر سيتقبل
- لا أستطيع .. لا أستطيع ، تحدثا مع بعضكما و أبلغاني بقراركما و أقسم أني سألتزم به ! ، و تركتهما و رحلت ! ..
و كان يوما عصيبا عندما عاد أخي و صديقه يسألاني عن حل لهم !
فأخبرتهم أن لدي حل .. لكنه غريب جدا !



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء