ياسر جمعة: لعلي أبلغ الأسباب - قصة




لعلي أبلغ الأسباب - قصة 


بقلم: ياسر جمعة


أمر حاكم البلاد بمنع نطق وكتابة حرف السين، وكما حدث مع الحروف السالف منعها.. كان كل من يخالف يختفي، ولا يظهر بعدها أبدًا.. لذا حلت" الشين" مكان "السين" في جميع الكلمات، فأمر الحاكم ألا يُنطق حرف الشين في اليوم أكثر من مرة، إلى أن يحين موعد منعه كذلك، أول العام، وعلى الجميع الالتزام.

الخوف والغموض حول الناس إلى كائنات صامتة، تتواصل، إن تواصـلت، بالإشـارات وبعض الأصوات التي انبثقت فيما بينهم بشـكل تلقائي. 

هذا وقد تطور بهم الحال، فأصبحوا يكاكاون ويصوصون وينونون، وكذلك تبدلت هيئاتهم من عامٍ إلى عام، أو من حرفٍ إلى حرف، ومثلهم كنت، غير أنني كنت محتارًا.. ما هو السبب؟! 

حدث ذلك بعد أن أتى إلى بلادنا غريب، أشعث، رث الثياب، عجوز، اصطفاه الحاكم وسماه الحكيم. 
ولقد أثبت هذا الغريب أنه يستحق.. فقد هزم كل الأعداء وهو يتعبد في أغوار صومعته، وكانت الحوامل من النساء يذهبن إليه، فيخبرهن إن كان ما في بطونهن ذكرًا أم أنثى، وكن يسعدن أكثر بالأنثى، على عكس ما كان في السابق، قبل إلغاء التجنيد، وكان يستطيع أن يحقق لهن ما يرتسم في خيالهن من ملامح يودنْ لو تكون لما في بطونهن.. مما جعله مثل إله.

وفي ذات يوم، استدعاني الحاكم، فسقط قلبي في بئر الخوف، وفي القاع ذاب.

كنتُ قد وجدت شكلًا جديدًا يحل محل الأحرف التي تُمنع، أسجلها في عقلي وأدون بها انطباعاتي حول ما يحدث، في أشكال متداخلة، على سبيل التمويه.. فهل انكشف أمري؟!
قلت لنفسي: الخوف موت، ولكنه موت مخز، وأنت يا شقي وما تستحق.

وذهبت إلى صومعته حيث انتقل بجوار الحكيم وأنا أتسأل: أي الموتات استحق؟!

ألقيت السلام وجلست، دون أن أشعر أنني في حضرة  حاكم مهاب وحكيم مقتدر، لأنني كنت حزينا جدًا.. فأنا لا أعرف أي الموتات استحق... وما انتبهت إلا على صوت هامس كعطر يقول:

- أهلًابك. 

رفعت رأسي، فرأيتُ شيخين متطابقين تمامًا في الشكل والهيئة، يرتديان الأبيض، ويفترشان جلد حيوان على أرض عارية، وكانت على وجهيهما ابتسامة كأنها لواحد.
أيهما الحاكم وأيهما الحكيم؟!

لقد ضاعت ملامحهما القديمة مني، فكرت، أو ربما أصبتُ بعمى من نوع خاص.

قال أحدهما:

- أنت مكلف برسالة.

وقال الآخر:

- وهي أن تقوم بدفع الناس كي ينطقوا الأحرف التي يتم منعها.

كنت أمام لحظة انتظرها، فقلت:

- لماذا ؟ 

نظرا فى عين بعضهما، ثم قال أحدهما: 

- كى ينتقل كل من يستطيع التمرد إلى مكان افضل.

تذكرتُ الحالة التى وصل إليها الناس، فقلتُ وأنا اقف:

- هل لي أن أنطق الأحرف التى مُنع نطقها ؟

قال أحدهم: 

- لك ذلك، ولكن عليك أن تعلم أن أمامنا ما يزال حرفان، وسيُمنعان في عام واحد وليس عامين.

انصرفت يومها محمومًا مثل نبي تلقى وحيًا، وكنت أردد كل الأحرف التي مُنعت، وأنا سعيد متحمس، أجوب الطرقات، دون أن أنتبه إنني نسيت أن أسألهما عن الحرفين المنتظر منعهما... ولكنني توقفت ونظرتُ حولي.. كانت الطُرق على غير ما أعرف.. خالية هي، تتشابه في صمتها وظلامها الشفيف.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء