نجيب سرور.. ناسك فى محراب الهوى



نجيب سرور.. ناسك فى محراب الهوى - رثاء فنان


***

آمنت بالحب من فيه يبارينى  .. والحب كالأرض أهواها فتنفينى 
إنى أصلى ومحراب الهوى وطنى .. فليلحد الغير ماغير الهوى دينى




نجيب سرور..

ممثل و شاعر ومخرج وكاتب مسرحي 

ولد في 1-6-1932 وتوفي في 24-10-1978 بقريه إخطاب مركز أجا بمحافظه الدقهليه التي تعد احد اهم قلاع الاقطاع انذاك ورغم حاله ابويه الماديه الصعبه الا انهما اصرا علي ادخله المدارس فانتمي الي احد المدارس الحكوميه الممتلئه بالتلاميد ذوي الحالات البائسه مثله التحق بكليه الحقوق تنفيذا لرغبه ابيه ولكن سريعا ما بدأت ميوله الفنيه والمسرحيه تظهر فقرر ترك دراسه الحقوق وهو بالسنه النهائيه والالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحيه الذي تخرج منه عام 1956 مما اغضب والده ولكن سرعا ما سامح الاب ابنه عندما علم بانه من المقرر ارسال بعثات من خريجي المعهد للخارج خاصه الي روسيا بعد ان اغلقت لندن وباريس باب البعثات بعد حرب 1956  .

فور تخرج سرور من المعهد انضم للمسرح الشعبي المنتمي لمصلحه الفنون وشارك بالعديد من مسرحياته سواء كمخرج او مؤلف او ممثل.

انضم للحزب الشيوعي وكان اكثر شاعر معارض للنظام المصري انذاك .. كان يقوم بتدريس مادتي التمثيل و الاخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحيه وكان يقول ما يريد كيفما يريد من وجه نظرة الثوريه ويتكلم عن ازمه المسرح بكل صراحه وقوة لذلك طرد من المعهد .. فقام سرور بعرض مشكلته بمجله الكواكب قائلا :

" في تقرير للخبير الفرنسي السيد توشار شهادة لي بأنني أحسن أستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية عرفت هذا من السيد الوزير نفسه ومن الدكتور مصطفى سويف..  ومع ذلك وبعد عامين من التدريس في المعهد، وبعد هذا التقرير، فوجئت باستبعادي من المعهد! كيف؟ ولماذا؟ وهكذا.. لا معهد.. ولا عمل بالمؤسسة.. ولا تعيين.. ولا دخل منتظم..ولا راتب ثابت..ولا اطمئنان إلى اليوم والغد وما بعد الغد!..ولا يمكن طبعا الاعتماد على فرص العمل المتباعدة وغير المنتظمة في الإذاعة والتليفزيون. وأنت تعلم لماذا؟"!

وفي عام 1958 سافر سرور الي موسكو في بعثه لدراسه الاخراج المسرحي .. ولكنه فوجئ بالوحدة الزائفه مع سوريا، ثم بالانفصال عنها كما راقب تعامل المخابرات المصرية مع الطلبة فتحول إلى (معارض) سياسي في الخارج و اشاع انه كان عضوا باحد التنظيمات الشيوعيه بمصر ولكن ما ان صرح بذلك حتي حوصر بشكوك قاده التنضيمات الشيوعيه العربيه هناك وسرعا ما فصل من البعثه وألغي جواز سفرة حتي ان السلطات المصريه وقتها طالبت المسئولين بترحيله الي مصر ولكن الشيوعين العرب بموسكو دافعو عنه باستماته ونجحو في تغير قرار المسئولين السوفيت تجاهه فبقي في موسكو ولكن تم نقله الي جامعه اخري حتي لا يحتك بالمبعوثين المصريين.. ولكن سرعا ما اختنق نجيب بتلك المجموعه الشيوعيه المنتمي اليها او بالاحري المنتميه اليه فقرر ان يصارحهم بانه لا يريد السياسه ولا يريد ان يستمر معهم وانه سوف يهتم بدراسته التي اتي من اجلها فقط وما ان استقرت حالته وكسب ثقه المسئولين عنه حتي هجر الدراسه ايضا والتفت الي شرب الخمر وغرق فالديون وهجر المسرح وشرع في كتابه قصيده العودة" التي أورد مقاطع منها في ديوانه "لزوم ما يلزم"، وهى قصيدة مليئه باليأس والضياع والحنين إلى الوطن وجاء فيها :  

         يا مصر يا وطني الحبيب
         يا عش عصفور رمته الريح  في عش غريب
       ولو في جسمي المهزول آلاف الجراح
       وكما ذهبت مع الرياح.. يوما أعود مع الرياح
  ومتى تهب الريح أو هبت..  فهل تأتي بما يهوى الشراع ؟؟
  ها أنت تصبح في الضياع  في اليأس 
     شاة عاجزة ماذا لها إن سُلت السكين غير المعجزة ؟؟




وفي 1963 اخد نجيب يتكلم بكثرة عن مدي نفوذ الكيان الصهيوني في الاتحاد السوفيتي وقد انكر عليه اصدقاءه هذا فلم يصدقو كلامه عن خضوع السوفيت للصهاينه وظنو انه يغالي كعادته في معظم اراءه .. وفي احد اليالي واثناء جلوس سرور مع اصدقاءه وقعت مشاده بينه وبين احد الشباب اليمنين فحضرت الشرطه التي حاولت اقتيادة من ذراعيه ولكنه قاومهم بشده مما جعلهم ينقضو عليه ويقتادوه عنوة الي مبني  الشرطه وانهالو عليه ضربا وكانت تلك اخر ايام سرور بموسكو فارسل له احد الاجين السياسين المصريين دعوة الي بودابست وقرر سرور الذهاب وعمل هناك بالقسم العربي باذاعه بودابست وهناك  كتب قصيدته ’المسيح واللصوص’ التي اتهم فيها المسيح بانه سبب ظهور اللصوص المتاجرين والحاكمين بأسمه وقال فيها سرور محاورا  المسيح :

ـ هل تصدق ما تقول؟

ـ الآب قال بأنني حتما أعود .. ملكا على أرض البشر .. لتسود في الناس المسرة      والسلام!

ـ لو عدت.. من ذا يعرف؟

ـ سأقول: جئت أنا المسيح!

ـ سيطالبونك بالدليل

ـ ستكون في جيبي البطاقة والجواز

ـ هذا قليل..  ما أسهل التزوير للأوراق في عصر اللصوص ولديهم الخبراء سوف يؤكدون إن الهوية زائفة

ـ لكن عليها الختم.. ختم الآب!!

ـ يا بئس الدليل!  سيؤكد الخبراء أن الختم برهان على زيف الهوية!

ـ سأريهم هذى الثقوب..  في جبهتي أنظر  وفى الكفين..  في الرجلين.. 
جئت أنا المسيح!

ولكنه ايضا لم يسلم من زملائه الشيوعين السورين حيث كانت قدراته الابداعيه اعلي منهم فعادوه بشده حتي جاء عام 1964 عليه وهو جائع مشرد فقرر الذهاب للسفارة المصريه ليسلم نفسه حتي يعود للوطن كي يموت به مثل ’سنوحي’ 

وهنا في مصر كتب الناقد رجاء النقاش مقالا مطولا بجريده الجمهوريه عنوانه "مأساه فنان مصري في بودابست" متحدثا عما يعانيه سرور من مخاطر ووصفه بانه قط فوق صفيح ساخن وهذا السطح هو القلق واخد في استماله النظام المصري للسماح بعودة نجيب للوطن حتي انه انهي مقاله بــ " إن حنين هذا الفنان إلى وطنه ليس جريمة وتفكيره في بلاده عندما تأزمت به الأمور وانسدت في وجهه الطرق هو نوع من التوبة الصادقة ينبغي أن نقبلها منه ونساعده عليها"

وفي عام 1964 عاد نجيب سرور الي وطنه مرة اخري مثقلا بالخبرة والمعرفه و التحارب الحياتيه و الدراسيه ..

عاد سرور الي مجالاته الفنيه بقوة سواء الإخراج المسرحي او التمثيل او كتابة الأغاني وكتابة الشعر الحديث ذو التركيبه الدراميه   وكتابه المسرح الشعري الذي برع فيه ونقله الي مرحله مختلفه وكانت بدايته في ملحمه ’بهيه وياسين’ التي بدأ في كتابتها بموسكو ثم بودابست وقد استطاع المخرج كرم مطاوع ان يقدمها للمسرح بشكل بديع وكانت حدثا جللا تكشف عن مخرج مبدع وكاتب للشعر المسرحي الدرامي مبدع..

وفي ظل معرضه سرور للنظام باراءه وشعره ومسرحياته اصبح احد نزلاء زنازين صلاح نصر ومورست عليه اشد انواع التعذيب .. ولكن قوته وصلابته اثبتت لهم ان هذا لن ينجح فخرج وقررو ان يتركوه يفعل ما يحلو له ولكن جائت مسرحيته (الذباب الازرق) التي تجاوز فيها الخط الاحمر حيث تطرق لما فعله الملك حسين ضد الفلسطنين عام 1971 حيث تدخلت السلطات الاردنيه لدي السلطات المصريه لايقافها فتم طرد سرور من عمله ومنعه من النشر كما اتهم بالجنون ليودع بمستشفي الامراض العقليه !! ليخرج بعد قضاء اربع سنوات ونص بها و يرسل سرور استغاثه ليوسف ادريس قائلا :
" لقد تلقفوني فور عودتي من دمشق وأرسلوني.. لكن مهلا، ليس في معتقل من المعتقلات الحكومية المعروفة والمزدحمة بالنزلاء، وإنما في مستشفيات المجانين، مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية!! المهم أنني خرجت من مستشفى الأمراض العقلية بمعجزة حطاما أو كالحطام! خرجت إلى الشارع.. إلى الجوع والعري والتشرد والبطالة والضياع وإلى الضرب في جميع أقسام البوليس المخلص في تنفيذ أغراض الأعداء والمحسوب علينا من المصريين أو نحن العرب! خرجت أدور وأدور كالكلب المطارد بلا مأوى، بلا طفلي وزوجتي.. وظللت مجمدا محاصرا موقوفا.

 وبعيدا عن مجالات نشاطي كمؤلف مسرحي ومخرج وممثل، وبعيدا عن ميادين النشر كشاعر وناقد وزجال ومؤلف أغان"

يشرد نجيب سرور مرة اخري ويجوع فيحاول النظام استقطابه ليقدم للتلفزيون اعمالا ترفيهيه خاويه مقابل الاف الجنيهات ليرفض سرور قائلا:

" قل لوزيرك إن هذه اللعبة القذرة يجيدها غيري، وهم أكثر من الهم على القلب." 
يموت سرور باحدي نوبات السكر ببيت اخيه بدمنهور يموت حزينا باكيا مشردا وكتب علي قبره :

قد آن يا كيخوت للقلب الجريح أن يستريح فاحفر هنا قبرا ونم
وانقش على الصخر الأصم يا نابشا قبري حنانك
هاهنا قلب ينام لا فرق من عام ينام وألف عام
هذي العظام حصاد أيامي فرفقا بالعظام ..


-  يعتبر مسرح سرور مسرح ذو طابع ملحمي يسعي لطرح القضايا الادبيه والاقتصاديه والسياسيه ودراسه العلاقه بين الافراد ومجتمعهم 

-  لم تمتد حياته الادبيه والسياسيه رغم ثراءها وبصمتها الثقافيه طويلا فقط اربعه عشر عام تعلو وتهبط بين النجاح والمعناه والتشرد .

* من لاعماله:

شجرة الزيتون – يس وبهيه – اه يا ليل يا قمر- الكلمات المتقاطعه – الحكم قبل المداوله – لزوم ما يلزم – بروتوكولات حكماء صهيون – رباعيات نجيب سرور .. وغيرهم الكثير والكثير.