عمر ثروت: في نظرية المؤامرة - مقال



في نظرية المؤامرة - مقال 



هناك خيط رفيع ما بين السقوط فريسة لنظرية المؤامرة و ما بين إدراك حقائق الصراع، فالصراع بصفة عامة متعدد المستويات و الأبعاد، إذا أخذنا مثلاً الصراع في سبيل الثورة، هذا الصراع سيواجه شبكة مصالح داخلية و إقليمية و دولية، كما أنه سيواجه قوى إجتماعية لها نظام اجتماعي سياسي مدعوم بنظام حكم له هو الآخر تحالفاته الإقليمية و الدولية، و بالتالي فالنظرة ذات البُعد الواحد للصراع تفقد صاحبها القدرة على رصد التحديات بدقة و بالتالي تفتح ثغرات بلا حدود يمكن أن تدخل منها القوى المضادة لحركته، و منها تُفتح الأبواب لضربه بالضربات القاصمة.

أما المؤامرة فهي الضربة القاضية لأي صراع، و مع الأسف هي متفشية في العقل الجمعي المصري - و العربي - بشدة أياً كان الإنتماء لتيار من التيارات الرئيسية الثلاثة - تيار الدولة التقليدية، و تيار الإسلام السياسي، و التيار الاحتجاجي (لا نرى أنه ناضج بما يكفي كي يستحق لقب ثوري فهو حتى و إن كانت الثورة غايته فهو لم يغطي أي ركن من أركانها في إعداد المشروع أو بلورة الرؤية أو بناء التنظيم) - و الغرض من هذا المقال هو السعي لعلاج العقل الجمعي المصري من آفة نظرية المؤامرة، مع توسيع أفقه ليقدر على إستيعاب حقائق الصراع كي ينخرط فيه، فدقة الظرفان (القومي العربي و الوطني المصري) يحتاجان من كل مصري الإنخراط في الصراع و فرض الإرادة الثورية والوطنية و القومية فيه.

و لكن أي صراع بالتحديد نقصد و الذي على أساسه نهدف إلى تهيئة العقل الجمعي المصري للإنخراط متسلحاً بالعقلية الموضوعية؟ فحتى لا نتوه في العمومية و في خضم شبكة صراعات متداخلة داخلية و إقليمية و دولية، وجب إبراز الصراع الأسمى متعدد الطبقات - ذو أربعة طبقات بالتحديد - الذي يبني مجد مصر و شعبها، و هو حسم معركة الوجود العربي، فالقوى العربية تتآكل و الوطن العربي يتحول إلى فضاء عربي تُلحق أجزائه بالقوى المحيطة به، و مصر قدرها موصول بقدر الوطن العربي، فأمنها وثيق الإرتباط بالأمن القومي العربي، و مستقبلها مرتبط عضوياً بمستقبله، فالطبقة الرابعة من الصراع هي أن تملأ مصر الفراغات بصفتها قوة عربية و تسد الثغرات لصد نفاذ القوى الأجنبية في الجسد العربي، و هذا ما يدخلنا للطبقة الثالثة من الصراع و هي أن تبني مصر قدرة الفعل و التأثير في الوطن العربي، و أدوات دفع الواقع بإتجاه التغيير، الذي لن يتحقق في ظل نظام اجتماعي سياسي فاسد و مفسد كالنظام الحالي و الذي شكل مجتمعاً مصرياً مليئاً بالتناقضات و المشكلات، بما لا يؤهله لحمل عبء التحولات الكبرى الذي تستدعيها طواحين الصراع الشامل، و هنا تدخل الطبقة الثانية من الصراع بالثورة الإجتماعية التي التي تزيح النظام الاجتماعي السياسي و القوى الاجتماعية الحاكمة، ليحل محله نظام جديد ذو فلسفة اجتماعية تعيد بناء المجتمع على أسس طبقية و ثقافية جديدة، في سبيل تفجير طاقات المجتمع ليكون قوة حيوية قادرة على حمل عبء صراع هائل بمثل هذا الحجم، و أخيراً تتبقى الطبقة الأولى من الصراع و هي بناء تنظيم (أو الطليعة الثورية) الذي هو نواة الحركة الشاملة للصراع كله، و التي يجب أن يتمتع عناصر هذا التنظيم بالعقلية الموضوعية، و إلا إنهار البناء الثوري قبل أن تبنى طوابقه الأولى.                

لابد أولاً أن نتذكر المرحوم الدكتور "عبد الوهاب المسيري" الذي كان دائم السعي لتفكيك نظرية المؤامرة بأسلوب علمي رصين، و الذي يجب على كل مجتهد في الشأن العام أن يتسلح بكتاباته في سعيه لبناء مستقبل أفضل.

نعود لنظرية المؤامرة، و نؤكد على أن السبب المباشر لتفشي نظرية المؤامرة هو العقلية الاختذالية، و أن العقل الجمعي المصري يغلب عليه الطابع الاختذالي، على عكس العقلية الموضوعية التي نحاول أن نرتقي بالعقل الجمعي المصري - و العربي - لمستواه، أو بمعنى أدق، نحاول تهيئة العقل الجمعي لكوادر الطليعة القائدة لمصر على قالب العقلية الموضوعية حتى يكون لديها القدرة على تحمل عبء صراع شامل  كالذي يفرضه الظرف التاريخي الراهن على مصر و الوطن العربي.

العقلية الاختذالية ترتب الحقائق و المعطيات بتنسيق معين يختذل المد المضاد كله في عنصر واحد (النظام ضد الثورة بالنسبة للتيار الاحتجاجي، الدولة العميقة المرتبطة بمنظومة أعداء الإسلام الصهيونية/الغربية بالنسبة لتيار الإسلام السياسي، التحالف الغربي مع التنظيم الدولي الاخواني ضد الدولة المصرية بالنسبة لتيار الدولة التقليدية)، فهي معادلة ذات بُعد واحد بسيطة و صلبة نابعة من قوة أخطبوطية خارقة (النظام، اليهود، الإخوان) تتلقى الضربات و تظل حية رهيبة، أما ضحية المؤامرة مفعول بهم (شباب الثورة، المصريين، الإسلاميين) و لا طاقة لهم بمواجهة هذا الشيطان العملاق، فهذه المعادلة تلغي أي خصوصية للضحية (بأن له إرادة فاعله، عقل و روح و نفس قادرة على فعل المعجزات) و تحوله لقطعة شطرنج مادية خاضعة للتحكم التام من قبل حفنة من الأفراد قابعين في غرفة ما في أحد المباني السرية (التابعة لوزارة الدفاع في القاهرة أو المملوكة لأحد أباطرة اليهود في نيويورك أو المطلة على مضيق البوسفور في إسطنبول).

أما العقلية الموضوعية فأمرها مختلف، حيث أنها عقلية لا تخضع حركة الصراع لمعادلة أصلاً، بل تُخضعها لحركة التفاعل بين ظروف و مصالح و علاقات القوى مع إرادة بشر ذوي عقل و نفسية و غريزة و إرادة، كلها عناصر مركبة لا يمكن التنبؤ بنتاجئها، فقد تُحسم جولة الصراع لصالح أحد المتصارعين، و الطرف الخاسر قادر أن يعوض خسارته في الجولة المقبلة تماماً كما أن الطرف الغالب لديه القدرة على تعزيز نصره بنصر جديد، فالصراع متجدد بعزيمة و إرادة من يريد الإنتصار، فالمارد الضخم ممكن أن يتحول لقزم مثير للشفقة إذا إمتلك خضمه أدوات القوة التي تخضعه، و من هنا فالصراع حسابات قدرة و ميزان قوى، مع هامش للعوامل الخارجية و التي إن وقفت كحائل دون النصر، تخضع للدراسة و التحليل، حتى لو تكرر ذلك ألف مرة.

و من هنا نرى أن العقلية الاختذالية كسولة، تبسط المسألة و تبسط الحل (الديمقراطية هي الحل، الإسلام هو الحل، الجيش هو الحل) ثم تنصرف عنه، فالفرد المنتمي للعصر الحديث بإيقاعه السريع يبحث عن صيغة بسيطة تفسر الصراع في جملة، و تحله في كلمة، كلمة سر تحل لغز العجز و الفشل، و عقلية كسولة كهذه العقلية، لا تنخرط في صراعات بل تركن للإستسلام و التسليم، فمن قادر على صد مؤامرة بهذا الحجم؟ إلا إذا طبقنا الديمقراطية و الحرية أو عدنا للإسلام و الشريعة أو تركنا الدولة بجيشها و شرطتها و قضائها.

على عكس العقلية الموضوعية، فهي عقلية مجتهدة، تحاول إستيعاب التفاعلات المركبة للأحداث، لأن النصر غايتها، في صراع معقد متعدد المستويات، أطرافه متعددة و كلٌ منها لديه إستراتيجيته التي تؤمن مصالحه على حساب مصالح مصر و الأمة العربية، و مهما كانت الأوضاع العامة متردية، و مهما كانت السقطة التي نالت من مصر و وطننها العربي، فالعقلية الموضوعية تفهم دروس التاريخ الإنساني التي تؤكد أنه لا يوجد مستحيل في قاموس الأمم ذات الإرادة الصلبة و الهمم العالية، و تدرك أن تاريخنا العربي الإسلامي يوثق قدرات الأمة الكامنة و قدرة مصر على قلب موازين الدنيا و ما فيها، فنار الصراع مستعرة لأن ما يشعلها هو نبض الأمة العربية الحية بقلب شعب مصر العربي.

 نعلم أنه في الظروف التاريخية العصيبة كالظرف الذي نحيا فيه الآن، و حين يعجز العقل الجمعي المصري - الذي تعرض و مازال يتعرض لأبشع عملية تجريف و تسطيح - أن يستوعب كافة أبعاد التحديات، و يتعرض لضغوط الواقع العام الصعب، يلجأ لنظرية المؤامرة كعزاء للنفس و تبرير للفشل و تصوير الذات على أنها ضحية لقوى أكبر لا تُقهر، و لكن نظرية المؤامرة تعطي زمام المبادرة للطرف المعادي، و تُدَعم ضمنياً وضع الهزيمة الراهن، و هو ما ليس مقبولاً على الإطلاق، هذا وإلا خرج الشعب المصري - و من ورائه العربي - من التاريخ.

يجب على الثوري - و ليس الثائر المحتج - الذي يرغب في تغيير الواقع و النهوض به لصقل مستقبلاً أقوى، أن يتسلح بالعقلية الموضوعية، و أن يدرك أنه كإنسان هو الفاعل، ليدرك المجتمع من ورائه أنه مجتمع قادر، و أن الصراع عبارة عن تفاعل لمستويات مختلفة من التحالفات و المصالح و الدوافع، و أن ضعف إرادة الأمة هي ثغرة أي تهديد و مخطط و إستراتيجية تنال من مصر و الوطن العربي، و أن حسم معركة وجودهما لن تأتي بدفن الرؤوس في الرمال (رمال الثورة المسلوبة أو رمال الإسلام الضائع أو الدولة المنهارة)، بل بالثقة في الذات الحضارية العربية الإسلامية و في الشخصية القومية العربية و في الجَلَد الشعب المصري، فسواعدنا و عقولنا قادرين بالكد و الدم و العرق أن يحولا الهزيمة إلى نصر.


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء