أميرة حسني: سنوات الإنتظار

سنوات الانتظار


بقلم: أمير  ة حسني



اليوم عطلة نهاية الاسبوع وهو بداية متوقعة دوما لميعاد الاعراس اقلب بين صندوق ذكريات قديم لأجد دعوة فرح قد مضى عليه عدة اعوام 
اذكر ذلك اليوم عندما حصلا على هذه الدعوة من قبل فتاة تعمل فى قسم الاستقبال الخاص بالمستشفى العام الذي اعمل به 
اتتني خجولة ومضطربة فى نفس الوقت فهى لا تستطيع اخفاء هذا الحدث ولا تستطيع ان لا تدعونى ورغم تقبلى للدعوة بابتسامة راضية وتمنياتى بحياة موفقة الا انى لا انمر نظرتها لى كنوع من الشفقة ام خوفا منى ...
فمنذ عدة اعوام مضت وفى اول ايام عامى الدراسي فى احدى كليات القمة كما تسمى فى بلادنا لفت نظرى شاب خجول يرتدى ملابس تعبر كثيرا عن كونه من الطبقات المكافحة جدا وهو يحاول بجهد وتركيز شديد فى كتابة كل ما يقوله الدكتور فى المحاضرةلا اعلم سبب هذا الحرص الشديد فى كتابة كل كلمة وان كنت بنوع من الجراءة من كثرة اشتراكى فى الانشطة الرياضية فى نادينا العريق وحضورى لدروس الموسيقى والاختلاط بمن هم فى مثل سنى شجعنى على سؤاله عن سبب هذا التركيز وهى بالفعل مطبوعة فى الكتب التى سنتسلمها بعد ايام 
اجابته لى كانت صادمة ومحرجة فى نفس الوقت اشعرتنى بتأنيب الضمير فهو لديه خمسة اشقاء فى جميع مراخل التعليم المختلفة وبالكاد يستطيع توفير نفقات تعليمه يحاول ان يوفر ثمن ما يمكن الاستغناء عنه من الكتب بكتابة كل ما يستطيع فى المحاضرات ورغم شعورى بالحرج من نفسي الا أن ثقته فى احابته زادت من اسئلتى له والتعرف عليه بشكل أكبر ودعوته للغذاء مع رفقائنا احتفالا بأول يوم دراسي رفض بأدب مستأءنا الانصراف لم ابالى كثيرا بردة فعله وذهبت مع اصدقائي واستمتعت بقضاء وقت لطيف ختى عودتى للمنزل ووحدت فى انتظارى والدى بمفجأة غير متوقعه ميدالية رقيقة لعربة صغيرة قد وعدنى بها خال دخولى هذه الكلية ونسيت كافة احداث اليوم وغمرتنى فرحة بأحلام سعيدة لقرب قيادة سيارتى ...
واتى اليوم التالى وذهابي للجامعة ووجدتنى ابحث عنه ها هو نفس الخجل نفس التركيز فى المحاضرات ذهبت اليه مسرعة بصباح الخير بادلتى بصباح حار شجعنى على تجاذب اطراف الحديث معه ومعرفة اى شيء عنه كل ما عرفت ان والده موظف بسيط فى احدى الهيئات وان والدته ربة منزل وله خمسة اشقاء كما ذكر وبدوره هو سألنى عن عمل والدى فأخبرته على استحياء ان والدى يمتلك احدى الشركات الخاصة بالسياحة ولكن والدى رجل عصامى بدأ منذ الصفر وانه دوما يفخر بذلك 
لاحظت شروده عنى وحاولت تغيير الموضوع واخباره بهدية والدى وانى قلقه بشأن تعليمي القيادة اخبرنى انه على استعداد ان يتم تعليمى نظرت له مندهشة فاذا به يجاوبنى بسرعة قبل سؤالى بأنه بعمل سائق فى فترة مسائية وانه يمكن تعليمى لمدة ساعة يوميا حتى أصبح محترفة
لا اعلم سبب فرحتى ان كان بسبب انه من سيتولى تدريبى ام لا ولكن نظرة عينى لم تسعفنى فى كتم هذا الشعور ويبدو انه كان الشرارة الاولى لما عرفت ما يسمى بعد ذلك ...
اخبرت والداى بما جرى ووافقا على تعليمى فى حديقة منزلنا وحتى نكون تحت اعينهم وحضر زميلى واستقبلته والدتى بتىحاب وهى تتوسم فيه ملامح شاب طموح لا يخجل من العمل لتحسين دخله ....
لا اعلم كم من الوقت مضي فى تدريبي على القيادة ولكن كنت اشعر بسعادة غامرة حيال قربه لى لم اعد ابالى باى من اصدقائيى القدامى وزملائيى الحائرين فى سبب تغيري هذا كل ما كنت افكر به فقط هو زميلى ولم اكن اعلم كيف اعبر له عن اهتمامى او التقرب منه فأنا لم اكن ذو تجربة سابقة ولا اعلم عن الحب اكثر ما استمع فيه لبعض الاغانى 
حتى علمت بالصدفة موعد يوم ميلاده وانتهزتها فرصة لاحضار هدية مناسبة احضرت جميع الكتب والمستلزمات المطلوبة للدراسة وذهبت بسيارتى لعنوان منزله وطلبته فى الهاتف مسرعة ان يأتينى واتى زميلى مهرولا وخائفا من ان يكون اصابنى مكروه ولكن ابتسامتى طمأنته نوعا ما 
لم اعطه الوقت لسؤالى عن سبب زيارتى المفاجية واعطيته هذا الصندوق الكبير مكتفيه بكل سنة وانت طيب 
ورجوته ان يفتح الصندوق فى منزله وانصرفت مسرعة الى منزلى وكلى شوق الى مكالمة هاتفية منه لأعرف ردة فعله ...
وطال انتظارى ولم يتصل بي ولم اقوى على الانتظار كثيرا هاتفته سائلة بدلال هل لم تعجبك هديتى ؟؟
ولكن نبرة صوته اللى قد تستشيط غضبا اخجلتنى بانه لا حاجة له لهذه الكتب والادوات وانه يعمل ويستكيع توفير نفقاته وانه لا يرغب فى ان اعطف عليه وانه .. وانه ..قاطعته قائلة لماذا هذا الفارق ألست حبيبي
لم أعى كيف نطقت هذه الكلمة ولم اشعر بطول فترة الصمت بعدها الا على صوته وهو يرفض ارتباطى معلاا بانه لديه الكثيرمن المسؤليات والالتزامات تجاه اسرته تجاه نفسه وانه لا يقبل ان يعلقنى به طوال هذه السنوات لمصير لا يعلم ان كان سيتفق معنا ام لا ..انهى حديثه معى شاكرا اياى على هديتى واعدا اياى بردها قريبا فى اول فرصة ...
لم يغمض لى جفن طوال الليل تارة باكية وتارة محادثة صديقتى التى لامتنى وبشدة على هذه المشاعر وان هذا الشاب غير مناسب وقد يلزمه نصف عمره لتحقيق مطالب والداى اللذين سيرفضاه قطعا مذكرة اياى بأننا فى كلية تحتاج لتركيز شديد وان هذه العلاقة ستؤثر سلبا على تحصيلى ..
 لم اعبأ كثيرا بكلامها وغفوت قليلا حتى الصباح وذهبت للجامعه باكرا عن ميعاد محاضرتنا انتظر زميلى بفارغ الصبر وما ان رأيته حتى صارحته بأننى احبه ولا استطيع الا انتظاره حتى يتكمن من تكوين مستقبلا يليق بنا وذكرته بوالدى وانه بدأ منذ الصفر وان طريقا مفرد بالوردر ينتظرنا فور تخرجنا لم يعطنى فرصة لاكمال حديثى قائلا ان هذا كلام فى البداية فقط وانه لا يستطيع ان يوعدنى بما لا يقدر على تنفيذه ولكن فجاه وبدون نقدمات وجدتنى احمل يديه بحب لم استطع اخفيه اننى على وعدى له مهما ملفنى الأمر من سنوات الانتظار وكل ما اطلبه منك التركيز فى دراستك التى لا بديل لنا بها لتحقيق حلمنا سويا ..
مرت ايام واسابيع على محادثتنا هذه لا اذكر فيها سوى سهري على كتابة مذكرات وملخصات لكل المواد اعد له السندوتشات تعينه على ايام التأخر فى كليتنا اوصله يوميا ذهابا وايابا من والى منزله حتى يوفر كل ما يمكن توفيره.
أراه يتقدم فى دراسته عامًا بعد عام, وأرانى أحمل مادةً أو أكثر للعام القادم, ولا يعنينى ذلك شيئًا؛ فالمهم أن يتقدم حبيبى للأمام وأن أعمل بكل طاقتى على ذلك.. حتى اتخذت قرارًا أخفيته عن الجميع, وصارحته هو فقط به, وهو أن أتعمد الرسوب هذا العام حتى يتمكن من التخرج والعمل فى هذه السنة, وبعدها يمكنه التقدم لوالدى وطلب الارتباط بى الذى ما أن أعلنت عنه لوالدى حتى ثار كثيرًا مهددًا بقطع علاقتى بهذا الشاب, وإلا سيمنعنى بكل الطرق, وعندما ذكّرت والدى بأنه رجل عصامى, وبدأ طريق الكفاح منذ البداية إلا أنه رفض كلامى قائلًا بأنه اختار أيضًا منذ البداية من تناسبه؛ حتى لا يحملها شقاء الحياة. رفض أبى كل توسلاتى, وكل دموعى, وكل هذا كان سبب أكثر قوة فى تعمد رسوبى.. ربما يغير من رأيه بعد أن يتسلم حبيبى العمل, ويحاول تحقيق حلمنا سويًا, وأتى خبر رسوبى كالصاعقة لوالدى الذى لم يعتد على ذلك أبدًا, واعتبره خيانة للأمانة فى الالتفات لدروسى؛ حيال أنه لم يكن ينقصنى شيء لم أعبأ كثيرًا بكلام والدى وعتاب صديقاتى الاتى فطنّ لما فعلته عن عمد, ولا شيء فى عقلى سوى حبيبى, وتفوقه الملحوظ.. حتى أتت آخر سنوات التخرج, وحصل على ترتيب متقدم بين دفعتنا.. أعقبه منحة من الجامعة لتعيينه معيدًا بها .. تلقيت الخبر بكثير من الفرح والدموع؛ لقرب تحقيق حلمنا سويًا, وتمر أيام وأسابيع وشهور, ولا يأتى حبيبى لتنفيذ هذا الوعد معللًا بأنه يلزمه الوقت؛ حتى يتمكن من بعض التجهيزات المادية؛ ليليق بى أمام والدى, وأجدنى مقتنعةً تمامًا بكل كلمة يقولها.. بل وأشجعه أكثر على كلامه.. حتى فاجأنى ذات يوم بأنه مسافر للخارج لاستكمال المنحة فى دولة أوروبية. أين؟ ومتى؟ وكيف تم الاتفاق على هذه المنحة؟ ولماذا لم تخبرنى؟ كل هذه الأسئلة لم يجب عليها بإجابة تقنعنى.. سوى أنه لابد من استكمالها بالخارج لتفيده فى فرصة عمل تكون أفضل تساعدنا على تحقيق حلمنا وان ما زالت أمامى سنة فى الدراسة يكون أنهى هو فيها شوطا جيدا فى المنحة ويأتى مسرعا الى ... لم أجد بدًا من الموافقة والدعاء له بما هو خير له, واستغنيت عن قطعة ذهبية أمتلكها؛ لتوفير ما تبقى من مستلزمات سفره.. ومضت أيام وأيام على سفره.. تباعدت اتصالاته.. قلت كتاباته.. وكل ما يغلبنى شوقى معاتبة.. ينهرنى بشدة على عدم تحملى لظروفه, وأن كل ما أفكر به هو ارتباطى به فقط دون النظر لأهمية مستقبله.. أجدنى باكيةً على تغير حاله ولا أعلم ما السبب.. حتى انقطعت كافة اتصالاته لأكثر من شهرين ولا أعلم أين أجده .. كل ما استطعت فعله هو الذهاب لعنوان منزله محاولةً السؤال عنه, وأنا على استحياء من سبب سؤالى .. وجاء رد أهله لى صادمًا حينما أخبرتنى والدته أنه بخير ويرسل لها نقودًا تعيننا على الحياة ومصاريف أشقائه وأنه قد يأتى قريبًا لخطبة ابنة خالته وهى تقول لى "عقبالك" .. لم تستطع قدماى أن تحملانى لم يقوى قلبى على النبض تحجرت الدموع فى عينى لم أع ماذا افعل.. أو ماذا فعلت استجمعت قواى, وخرجت لسيارتى باكيةً لا أعلم إن كان هذا بعلمه أم بدون .. تمر شهور طويلة جدًا على انتظارى لحبيبى الغائب, ولا يأتى, ولا يتصل, ولا أعلم عنه أى شيء.. حتى قابلت زميلًا لنا بالصدفة فى محل لتصليح الهواتف وأخبرنى بان زميلنا فلان قد عاد من السفر, وأتى أيضًا لتصليح هاتفه مازحًا بأن رغد العيش قد بدا عليه كثيرًا.. تركت هاتفى فى المحل, وذهبت مسرعةً لمنزله, وطرقت الباب, وكلى ترقب وخوف, ولم يطل انتظارى كثيرًا.. حتى فتحت شقيقته الباب وأخبرتنى ببشاشة أن أخيها بالداخل تفضلى.. لم أعلق ووجدتنى أمشى وراءها كالمسحورة.. أيعقل أن يأتى ولا يخبرنى؟ وإذا بخمس دقائق تمر علىّ.. إلى أن يأتى من غرفته كأنها سنوات.. وجدت مقابلته الباردة لى أبلغ من أى رد. أين كنت؟ ولماذا لا تتصل بى؟ ولماذا حضرت للبلاد ولم تخبرنى؟ ماذا حدث؟ لم أفهم من حديثه سوى بعض جمل بأن والديه رفضانى.. نعم رفضانى؛ فهما يريان أنك من طبقة أعلى, ولا يمكنك أن تتقبلى العيش فى مستوى يقل كثيرًا عما تعيشين به, وأنه من الصعب أن يرتبط بفتاة قاربت الثلاثين.. قد تكون فرصتها ضعيفة فى الإنجاب, وأن وضعه الحالى كمعيد فى الجامعة يحرجه بالارتباط بفتاة رسبت كثيرًا ... ألم أكن على هذا الوعد قديمًا؟ ألم أخبرك أننا سنتخطى الصعاب؟ أى سن تتحدث عنه؟ ولماذا كنت أنتظر؟ ألم أنتظرك أنت ألم أرسب فى الجامعة خصيصًا لإعطائه فرصةً لتحقيق حلمنا؟ لم يجب.. سوى أنه عليه طاعة والديه, وإلا كان عاقًا لهما, ويخشى الله من عقابه, وألا تخشى الله من عقابك على خداعى, وسنوات عمرى الضائعة؟ كان رده بالسكوت ابلغ من أى رد.. 

استجمعت قواى وحملتنى أرجلى بصعوبة بالغة لسيارتى.. لا أقوى على قيادتها.. أذكر ملامحى الباكية, والمترجية له.. من تذكر حلمنا المنتهى على وهن أعذاره. ليس لى من ألجأ إليه.. أشكو إليه هو أن قلبى بهذه السهولة, وعدت لمنزلى باكية القلب.. متحجرة الدمع.. راجيةً صديقتى لتأتى إلىّ بعد انتهاء فترة عملها؛ فهى بالطبع سبقتنى فى العمل؛ لرسوبى المتكرر.. أذكر كلماتها المعاتبة لى منذ البداية.. الملم قوتى السابقة, وتصحيحى لمسار خاطئ, وتجاوز هذه العقبة بالتركيز فى هذا العام.. أذكر أخبارًا نُقلت لى بالصدفة عن حياته غير الموفقة مع ابنة خالته التى لم تنجب لأكثر من عامين, وأنها لم تستطع الخروج من عباءة مستواهم المتواضع, والمثول أمام رغبته فى الظهور الجيد بها وسط طبقته الجديدة.. يترامى إليه شكواه من عدم تحملها المسؤولية وتوفير الهدوء المناسب لإكمال مسيرته .. تأتى إلى هذه الأخبار, ولا أعلم إن كنت أشفق عليه أم أشعر أن هذه عدالة السماء جراء ما فعله بى.. أذكر ما كنت أفعله من أجله, وما آل إليه حبنا من هوان, وكسر قلبى. 
تمر على ذكريات أليمة أقرر بعدها تمزيق هذه الدعوة كما مزقتنى سنوات الانتظار..



الإبتساماتإخفاء