عمر أحمد سليمان: قراءة لرواية "ليلة العشاء الأخير" للكاتب " إدريس الصغير"



قراءة لرواية ليلة العشاء الأخير

للروائي المغربي الكبير إدريس الصغير



 بقلم: عمر أحمد سليمان



أهداني الأديب الكبير رائعته (ليلة العشاء الأخير)، وكان جاداً في مراسلتي بها من المغرب إلى مصر.. أهداني إياها وكأنه يهديني ليس إبداعه، بل رحلة سياحية للمغرب الجميل بمعالمها العتيقة، ورائحتها المُعتقة، وأصالة أهلها، وتميز لغتهم ولكنتهم وألفاظهم...

يحمل الأديب قلماً ينساب منه حبر ثقافته التي ينتمي إليها، وله أسلوبها الذي يختلف عن أساليب الثقافات الأُخرى.. قد لا يشعر الأديب بهذا، غير أن أصحاب الثقافات المختلفة يُلاحظون الفرق بسرعة، وتلقائياً يُمكنهم تمييزها وتحديدها، والاستمتاع والتورط باستسلام وإيجاب في جوها وعبقها وسماتها وألفاظها وأشخاصها وأماكنها..

هنا تظهر قيمة الكاتب المُنغمس في ثقافته، المُترع بها، المُعبر عنها، وليس الفاقد لهويته، المُنقلع من جلدها... أنه سفير لحضارته وثقافته بكل ما تحمل من ملامح ولمحات وسمات وعلامات وميزات وإشارات..

هو إعجاز اللغة وأساليب تعبير كل ثقافة سواء في نطقها ولكناتها ودلالاتها أو طريقة عرضها وأسلوب سردها..

سياحة لغوية ذات رائحة نفاذة تنقل سمات الأماكن والأشخاص بحذافيرها وصورها ورائحتها وطعمها.. تماماً كالتوابل، لكل نوع منها صورته وملمسه، ورائحته الطيبة المُحببة، ومذاقه الشهي المُستساغ...



الغلاف:

أعجبتني لوحته.. بأسلوب جديد في الرسم، رجل وامرأة، متمدنان، لا تظهر عينيهما أو وجهيهما، وهو ما يتناسب مع عدم ذكر اسميهما في الرواية، يسيران جنباً إلى جنب في الشارع بالليل، يحمل كل منهما بذلته، كأنما الفقر هو سيد الموضوع، إذ يُدلل عليه حاشية جيب بنطال الرجل المتدلية خارجه، ومع ذلك تبدو ملابسهما أنيقة، مع ثلاث ألوان قاتمة متقاربة، الأسود والبني والأصفر الباهت.. كأن الرجل يصحب المرأة في موعد، وبالتحديد إلى موعد عشاء تناسباً مع العنوان.. المرأة مُستقلة عنه، لأنها لا تعقد يدها في مرفقه، وسترتها المرفوعة على ظهرها تدليل على أنها تملك حياتها الخاصة وعملها الخاص، ومالها الخاص.. وكذلك الرجل له حياته الخاصة، غير أن الجيب البارز دلالة على الإفلاس، له سمته الخاصة في الفقر المُدقع، وهو بالنسبة للرجل عامل رئيسي بعلاقته بالمرأة؛ وبالتالي فهذا دليل آخر على عدم ارتباطهما بالزواج مثلاً..



العنوان:

(ليلة العشاء الأخير).. يبدو للوهلة الأُولى مُلوحاً لقصة العشاء الأخير أو للوحتها البديعة التي عبر عنها الفنان العبقري ليوناردو دا فينشي.. منوهة بعشاء المسيح وما حوله من ملابسات...

وهكذا يجعل إدريس الصغير روايته مسار شبيه لعشاء المسيح، حيث يجعل صاحبته التي لبثت معه حتى تناولا معاً آخر عشاء، رحلت بعده، وكأنها هي مسيح حياته وديدنه، إذ لا أهل له ولا أصدقاء، فالأهل ماتوا، وهو من النوع الانعزالي، المتسامي بثقافته وأدبه..

وعلى العنوان يُعلق بالفصل الأخير: (هو ليس مسيحياً. وُلد مُسلماً إلى أن يُغيبه القبر. لكن يحلو له أن يُسمي آخر لقاء بينهما، بليلة العشاء الأخير. كلما لفظ هذا التعبير أمام شخص إلا وانصرف ذهنه نحو المسيح. ومن كثرة ردوده حول هذا الموضوع، فضل أن يتوقف عن الرد وأن يستسلم إلى الصمت، غير عابئ بكل التعاليق.)



قصة الرواية:

أشبه بسيرة ذاتية، استعراض سريع لحياته، (استعرض فيها حياته منذ وعى إلى الآن. قد لا يتذكر أشياء كثيرة، غيبها النسيان، واستقرت في اللاشعور. لكن أشياء أُخرى طفت على صفحة ذاكرته طازجة، وكأنها لم تحدث سوى ساعة تذكرها.)

هي باختصار رحلة أو تجربة مرضية طويلة لكاتب مُسن، أجبرته على مواجهة ماضيه بدل هروبه منه، استعاد فيها ذكرياته، ومُراجعة حياته السابقة، وإعادة حسابات قديمة، استعرض فيها محطات هامشية سريعة، جريئة فكرياً وسياسياً وإنسانياً وطبياً واجتماعياً وتاريخياً...

ولربط العنوان بالمحتوى، مع الغلاف العبقري.. أن صاحبته "معشوقته" قد تركته بسبب أنه لم يقم بخطوة إيجابية في علاقتهما.. وكل علاقاتهما عشاءات بلا صِلة حقيقية تؤكد هذا الحب.. الفقر والحاجة لم يُعيناه على الزواج منها، كما أنه آمن بأن الزواج مؤسسة فاشلة.. اكتفى من علاقته بها بعشاءات وحسب، أو أرادها أن تعيش معه بدون زواج.. وبطبيعة الحال لم تكفيها العشاءات أو الحب فحسب كامرأة شريفة عفيفة تطمح في رجل جريء، يملئ كيانه، ويملئ عليها حياتها، ويربطهما رباط رسمي مقدس، فتكون له وحده، يُدافع عنها، ويكفيها من كل الجوانب...

وهكذا لم يكن في وسعه شيء كما هي عادته دائماً في حياته.. فتركته في ركوده وسلبيته، لتجري في حياة أُخرى تحمل حياتها لمرفأ آمن..

(كان المُتَبّطُ الأكبر الذي يقف عائقاً في طريقه، هو فقره. لم يكن يملك من المال نقيرا. كان يصطلي بنار الحرمان، حين أدرك أنها تمتلك من الجمال والعفة ورجاحة العقل، ما يعجز هو عن أن يُبَوِأهُ مكانة سامقة، ومركزاً اجتماعياً مُريحاً، آثر أن يزهد في الذي هو حق له. ليتهاوى سريعاً، فيهوى في لجة الحمم المُشتعلة. ص21 )



بناء الرواية وتقنياتها:

* سرعة السرد تتفق كثيراً مع شخصية الشخصية الرئيسية ومسارها الحياتي.. السطحية، عدم الاكتراث، وعدم الجدوى، وعدم وجود محطات مهمة في حياته.. حتى أنه يُصرح قائلاً:

(هو لا يستقر على حال، حتى المرض لم يحد من سرعة تحركه. يأتي كل فِعل بسرعة لا تعرف الوَهن. الكل يُلاحظ أنه يتعجل في كل شيء.)

* ابتدأ بأعراض المرض وآلامه في الحاضر في خريف عُمره..

* استخدم بكثرة تقنية الفلاش باك، أو العودة بالذاكرة إلى الوراء، بشكل أساسي في السرد.. وهي التقنية التي تتناسب مع نقطة / سِن اللاعودة.. يُراجع فيها المُسن حياته الماضية، ينظر هل سيرضى عنها أم يكتشف أخطاءه ليُصلحها بسرعة قبل جولة الحياة الأخيرة..

* نلاحظ أنه أيضاً لم يذكر اسم الشخصية الرئيسية في الرواية أبداً.. وهو ما يعطي الرواية منحى السير الذاتية، التي يتحدث فيها صاحبها باعتباره شاهداً على حياته بالمواقف والتجارب والأشخاص بدون أن يُشير إلى نفسه بالاسم..

* لاحظت أن الفصول غير مُرقمة أو مُعلمة بحروف أو بعناوين.. تبدأ فقط بعد ختام فصل مُعلم بزخرفة، في منتصف صفحة تالية... وكأن الفصول بلا ملامح.. أو أن حياة البطل بلا عناوين بارزة ولا محطات معلومة ظاهرة.. حياة متداخلة لا شيء يُميزها، حياة راكدة عادية تعيش بلا تخطيط داخل الشخصية الرئيسية.. وهو ما يؤكد على الموضوع الرئيسي ليلة حبيبته التي تعشت معه العشاء الأخير، وهجرته لأنه غير ذي جدوى، أو أنه لن يُقدم لها شيئاً ذي جدوى مع تقدم عمريهما...

* يتنقل إدريس الصغير باستمرار من ضمير الراوي العليم بضمير الغائب إلى ضمير المُخاطِب لذاته؛ ليُظهر مدى ارتباط الراوي العليم به، أو ليُوحي أن الراوي العليم ما هو إلا هو يتوارى خلف ضمير آخر.. كما في صفحة 22، 23 و 30 و32... على مدى صفحات الرواية...

* يعتمد إدريس الصغير في سرده على وصف الأماكن والأشخاص وتردد الأفكار عنهما.. كانطباع للشخصية الرئيسية التي يأتي السرد من خلالها.. في حين أنه صامت، لا يقوم بمواقف أو حوار إلا في حيز بسيط.. أغلب الأحيان تدور عينه، ويتكلم عقله إزاء إما أماكن أو أشخاص أو ذكريات، أو ينقلها عنه راوي عليم، أو أنه هو مَن يكتب ويتعمد التواري وراء ضميرين، إما ضمير الغائب (الراوي العليم)، وإما ضمير المُخاطب الذي يُحدث به نفسه.. الراوي هنا لا يُخاطب شخصاً آخر، إنما يتحدث إلى نفسه، فقط يكون السرد بضمير المتكلم بمعنى أنا، لكنه يسوقه في ضمير المُخاطب.. وهي في سياق المُراجعة تقنية مُحبذة، ومناسبة مع محاسبة الشخصية لنفسها كأسلوب سردي مُلائم، وغير مُستخدم كثيراً...



أسلوب الكاتب في الرواية:

* الأسلوب والألفاظ جزلة وحلوة كالعسل.. حتى ليُحب المتلقي إعادة الفكرة أو الكلمة على لسانه وتمريرها على وجدانه من سلاستها ولباقتها الوافرة بالمتعة..

* لذة سلاسة الحديث تتأتى من خلال دقة اللغة الوصفية، ووجازتها الوافية، وتشبيهاتها البديعة، كذلك صدى الأفكار، وأيضاً إشارات الطابع الشرقي والإسلامي الخفيفين اللذين تستحبانه نفوس العرب، وتتعرف عليه عقول الأجانب بدهشة وإعجاب..

منها مثل هذه العبارات:

(يتجمد في وضعه، مكتفياً بالتقلب على الجانبين، الأيمن أولاً ثم الأيسر ثانياً، متحاشياً أن يضجع على البطن أو على الظهر، يكره كراهية مطلقة أن يلتصق جسمه بجسم أحد أياً كان) إشارة لنصائح نبوية خاصة بآداب النوم..

(هكذا كان ينسل من كل جمع، حديثه شجون، ينتهي بالغيبة والنميمة، والعبث بأعراض الناس.)

* استطاع التوغل في نفس الشخصية الرئيسية، وجعل لها صدى حالات إنسانية نفسية ترتد في نفس المتلقي أياً كانت جنسيته..

* الرواية سياحة للمتلقي المغربي، وفي ذات الوقت أظن أن إدريس الصغير قصد أن تكون سياحة للقارئ العربي، يسوق فيها معالم وملامح من مدينة الرباط المغربية بجمالها وتراثها اللفظي والزمني والمكاني..

* لدى إدريس الصغير نزعة لا تخفى القارئ من خفة الظل.. تُضحكه أو تُبسمه.. وهي نزعة مخلوطة بكمية بسيطة من الكوميديا السوداء، أو السخرية المضحكة المؤسفة.. منها:

(وأخيراً قال له الطبيب: ـ حمداً لله على سلامتك. عندك سل.)

(كانت تضع كمامة على أنفها وفمها، فينبعث صوتها عند الحديث، وكأنه صادر عن بوق ميكروفون في حاجة إلى إصلاح، يُذكره بصوت بائع مبيدات الحشرات في الأسواق القروية.)

* يستعمل إدريس الصغير الألفاظ العفيفة، التي قد تُعبر عن علاقات حميمية أو سلوكيات خاصة بين الأزواج أو بين الرجل والمرأة، مثل:

(كان زوجها يُعاشرها معاشرة الأزواج) (كثيراً ما تمنى وتمنت تلك التي عشقها حد الموت أن يجلسا معاً في وضعية حميمية أمام مدفأة لاهبة في عز قر الشتاء..)

* يتعمد إثارة أسئلة في ذهن المتلقي لتشغله إجاباتها، حتى وإن لم يُجب عليها في الرواية..

( ما الحياة إذن؟.. ما الوجود وما العدم؟.. ما الألم، وما الملل، وما الشوق، حين يُشعل اللوعة، فلا يطيق بعد ذلك المرء صبراً؟.. ما الصبر إذن؟.. وهل الدنيا فعلاً حظوظ!)

إلا أنه في بعض المواضع جعلني في حاجة لمعرفة إجابات لتكوين صورة معينة عن محيط الشخصية المحورية، مثل:

مَن هُم الآخرين الذين لا يخفى عليهم رغبته في الموت ؟(ص5)

وما هي حياة الهوان والذل والقذرة التي تنزع إنسانيته ؟ (ص6)

مَن هُم الذين يكرهونه، ويحبون أن يروه متألماً خائفاً مستعطفاً، وأن يَنهَدّ وأن يتهاوى ؟ (ص8)

* يستخدم الكاتب عبارات وكلمات مأخوذة من القرآن والسنة، ويدمجها لتُكَوِن تناصاً جميلاً يُمتع القارئ، ويمنحه عن طريقها أُلفة تُشعره بأنه بين يدي أمينة، تستمد إبداعها وأفكارها من ألفاظ ومعاني ربانية تهب الطمأنينة والثقة...



موضوعات الرواية:

* تدور القصة حول خمسة مواضيع:

الأول: مرضه في الحاضر، الغلاف الأساسي الذي يُحيط بالمُحتَوَيات الأخرى.. والمثير لذكرياته الماضية سواء ذكرياته عن حبيبته أو طفولته أو اعتقاله أو وظيفته... غير أنه يتعرض لملابسات المرض والتقاءه بالمشرفة الاجتماعية، القائمة على علاجه التي تلثغ الكلام بشكل محبب، وانطباعاته المتجددة بزياراته للمستوصف والمستشفى على الممرضات والمرضى وحالته وآلامه ووحدته.. ومواقف الناس التي تُثمن عقاره ولا تُقيم تراثه.. وانطباعاته عن الحكومات العربية والمسئولين.. وانطباعاته عن الموت والزواج وحفلات الفراق..

الثاني: ليلة العشاء الأخير مع حبيبته.. تعلقه بها، وضياعه بدونها، وسراب الحياة في غيابها، وتفريطه فيها، وحنينه المُستعر أبداً إليها، واستحضارها في كل نائبة ومحنة يمر بها، لتسري عنه أوجاعه وتُخفف عنه هَمه.. كطيف يُعمر ليله ونهاره، يُناجه كلما آلمه الوجد في وحدته الباردة المظلمة، كزنازين السجون المبتلة برطوبة الأزمنة السحيقة.

الثالث: حول اعتقاله وملابساته السياسية، كتلقيبه بالفلسطيني، ونقمه على الواقع العربي، والقبض عليه، وتحقيق المحققين تحت وطأة التعذيب، وحبس حريته في السجن، وعلاقاته بنزلائه وقصصه عنهم.. وتأثير الاعتقال على نفسه، ومن ثم انعزاله داخل قبو أرشيف عمله.

الرابع: أرشيف محل عمله مطموس الوظيفة، نادر الارتياد.. وقضاءه الوقت فيه بالقراءة رغم صعوبة جوه بين الحر والقر..

الخامس: ذكريات طفولته، وخاصة مع أستاذه الشرقاوي، وأبيه الذي تركه صغيراً، واهتمامه المبكر بالقضية الفلسطينية، والتزامه بالصلاة وقراءة القرآن، وقرفصته مع أترابه لحلقة بابا أحمد يستمع إلى طريقته المشوقة في رواية العنترية، والشاب الوسيم الأنيق الذي روى لهم حكايات ألف ليلة وليلة، وشراءه لأجزائها بالتقسيط، متمتعاً بحكاياتها سنوات وحده من فرط غرامه بها،

يُراوح بينهم في ترابط وتناسب أحياناً، وبشكل مُفاجئ أحياناً أخرى...

* يسوق إدريس الصغير قضايا جوهرية وأساسية باستمرار، تُعاني بلاده أو أهلها أو ذاته من فقدها، إلا أنها في الحقيقة قضايا عربية كُبرى تُقابل لدى كل متلقي عربي صدى وألم ومُعاناة..

* ناقش قضايا الوطن، والموت، والمرض، والجهل، وعادات المجتمع مُشرحاً لها، عارضاً إياها للضوء والاستكشاف والنقد..

* بحث عن السعادة في الرواية بشكل أساسي، عبر عنها في عدة فقرات وفصول عرضها بأشكال مختلفة، سواء في أمنيات، أو في أسلوب معيشة أو اختيارات معينة قام بها قد يصيبها بها أو يُضيعها منه، أو عرض لقصة، ككاتب عظيم مثل سالنجر عاش حياته الطبيعية بدون سعي للشهرة، أو عر لعبرة، كقصة طاغ ضيع سعادته بقسوته وساديته، أو تصوره في السجين السياسي الهَرِم، الذي لو نجح في قلب نظام الحكم إلى أي مدى كان سيمنح للوطن والمواطنين السعادة ؟ أم أنه سيتحول إلى طاغي جديد في سلسلة ظلم واستبداد تالية.. واستشهاده على تحسن حظه بذاك الفتى المسلول الذي وجد السعادة وحُسن الحظ بعدما مر بنفس تجربة مرضه الرهيبة..

* استطاع أن يُشرح نفسية الراغب بالموت، المعالج لمرضه في نفس الوقت.. ربما هو في نزاع بين معاناته من ذكرى حبيبته الراحلة، وإعجابه بالمشرفة الاجتماعية... هو يخشى الموت وحيداً، لكن الموت سيكون أحلى برفقته لحبيبته..

(أنت الآن شيخ، عليه أن يعد موته بهدوء ومهل. أنت لا تملك تركة، يتنازع حول توزيعها الورثة الشرهون. الاستعداد للموت يعني عندك أن تفرغ ذهنك من كل ما كان يشغل فكرك، ويمنع عنك النوم إلا هي. فكر فيها هي دون غيرها. كنت تتمنى أن تموت فوق صدرها. رغبة بسيطة، حتى أعتى حكام العالم الذين ما زال التاريخ يتحدث بإسهاب عن سطوتهم، لن يُمانعوا في جعل مُحب يضع رأسه على صدر محبوبته، مُناجياً إياها إلى أن يُسلم الروح إلى باريها.)

وهنا تكمن دلالة العنوان (ليلة العشاء الأخير)، هو الوقوع بين نقطة فاصلة بين مرحلتين... حب قديم، وحب جديد... حب بلا مسؤوليات، وحب بمسؤوليات جديدة يحكمه تقدم السن وخشية الموت بلا علامة حب مميزة.. أو أنه فكر في أن الزواج هو الطريقة الوحيدة التي يُمكنه بها الاحتفاظ بمحبوبته الجديدة بلا خشية الرحيل عنه والوحدة..

* بعد أن يسوق محاسبته ومُراجعاته، يكتشف أنه كان مُخطئاً، فيُصحح فكرته لكن بعد فوات الأوان وضيق الوقت.. فحبيبته التي لم يكترث بالزواج منها شاباً، عرف قيمتها، وآمن بها شيخاً:

(آمن الآن أنه وإياها. نصفان لكيان واحد. وتأكد بما لا يدع مجالاً للشك بأنه، إنسان ناقص يفتقد نصفه الثاني الذي بدونه لن يُدرك السعادة إطلاقاً.) (استصغر نفسه، واستكثرها عليه، فضاعت منه.)

* يتعرض للخمر وتجربته معه، ولدي تحفظ على إدراجه في الرواية، لحدٍ ما، إذ أن مجتمعنا العربي الإسلامي برغم واقعه المُر والمُخجل، لا يجب أن تشيع في تراثه أو ثقافته مثل هذه الآثام، ويُروج لها وكأنها أمر عادي أو عادة ضارة فحسب..

* أعتقد أن قارئ الرواية يحتاج لثقافة معينة أرقى قليلاً من المتوسطة.. فقد نثر المؤلف بعض أسماء أو أقوال متعلقة بالفن والموسيقى والأدب والشِعر والسياسة التي تحتاج لمعرفة أو هامش ليفهم سر اختيار الاسم أو اللفظ داخل جملةٍ ما، مثل:

(ولو عاش فيفالدي داخل هذا القبر، لما أنتج ما أنتج.)

 * ساق عبراً عديدة رأى فيها مصير الطغاة، مَثل بأحدها عن شرطي نتن أشرف على تعذيبه بسادية لم ير مثيلاً لها، انتهى مشلولاً يقضي حاجاته الطبيعية على فراشه، بينما تخونه زوجته، وبعدما فقد النطق، عاشرت عشيقها أمامه بنفس الغرفة وهو يحتضر!



النهاية:

هكذا هي حياة الراوي أو الشخصية الرئيسية.. عناء يتلو عناء.. مرحلة تتلوها مراحل أصعب.. فقد حبيبة.. وسجن حرية، وانعزال اختياري.. حظ تعس.. مرض حابس..

ها هو يعبر الماضي يبحث عن الحاضر، غير آمل في المستقبل..

فترة أو مرحلة أخيرة راجع فيها ماضيه التعس، في الوقت الذي يتداوى به من مرضه رغبةً في الحياة، أو فرصته الأخيرة في الحياة، كأنما يتخفف من حمولته وذنوبه وأخطاءه استعداداً للموت..

انتهت نهاية غير مغلقة وتبدو مفتوحة لا يستطيع المتلقي القطع بنهاية معينة..

الموت قد يكون نهايته المحتومة قريباً.. أو قد يكون الولادة الثانية له بعد موت ماضيه التعس، لحياة جديدة مُفعمة بالحظ والسعادة..

مفهوم الحياة هنا مرن ونسبي.. فقد تكون الحياة بعد الموت قُرب حبيبته ذي أبعاد أُخرى مُحببة وجديدة.. أو قد تكون الحياة بمعناها الشائع ولادة جديدة مَجازياً ليحيى مع حبيبة جديدة مُتجاوزاً الماضي المُحزن، وفقره المُدقع، وتردده في اتخاذ القرار الصحيح إلى السعادة، بعد مُراجعة شاملة ودقيقة ومدروسة تلافت كل أسباب التعاسة.



اللغة:

* وردت عديد من الكلمات الغريبة، والتي لا بد أن لها أصل في اللغة العربية الفُصحى، كما أنها تُدلل على ثقافة واسعة للكاتب في اللغة العربية، دعتني للإعجاب بها، كأنما هي تحدي ومغالبة للغة الفرنسية التي كانت لغة رسمية المغرب سابقاً، ثم أصبحت لغة ثانية غير رسمية، حيث تستعمل في التجارة والأعمال وتلقن في المدارس والجامعات.. ومن تلك الكلمات في الرواية:

(اكترى) وهي بمعنى استأجر، ولكنها كلمة غير مألوفة أو مستعملة كثيراً في الكتابة أو القراءة...

(مرقونة بخط أسود) وتعني أنها مكتوبة بالآلة الكاتبة، وهي لست شائعة أو مألوفة..

(غب) وتعني بعد أو عقب، وهي كذلك غير مألوفة أو شائعة..

(المرمدة بالمقهى مملوءة بأعقاب سجائره) يُمكن أن نفهم أنها (منفضة السجائر)..

(السواعد العَبْلَةُ) ويُمكن أن نفهم أنها السواعد المكتنزة أو الضخمة، وهي كذلك كلمة غير شائعة..

(يَتَناقَزنَ) ربما بمعنى يتقافزن..

(الكراء) بمعنى الأجرة أو بدل إيجار..

ومع ذلك فقد استمعت باستعماله لكلمات غير شائعة إلى سطح اللغة، ساقها في سياقات بسيطة غير مُقعرة.. إذن فالأدب هو قلابة اللغة، ومُنضِجَها ومُشهيها...

* في ألفاظ عديدة يقلب فيها الحروف، مثل:

قلب الظاء ضاداً.. (الباهضة) (قائضاً) (يغيض) (الفضاضة)، والعكس (مقابظ).. وقلب الذال دالاً (تدرف) (تدروك)

(المُتَبّطُ الأكبر)، ويُمكن أن نفهم أنها (المثبط) أي المُحبط، بقلب الثاء تاءاً في لكنة أهل المغرب، وكذلك في (يُباغثه) (المآثم) أو العكس في (متواهم)



كل ما يُمكنني قوله أخيراً، أن الرواية ملحمة شخصية طويلة، ممتعة، في كتاب صغير لا يتجاوز التسعون صفحة، تستحق جوائز أدبية مرموقة..






بعض الجُمل والفقرات التي راقتني:

( مختارات من رواية ليلة العشاء الأخير )

ـ المجلات والجرائد يُغريها دائماً أن تبيع أكبر عدد من النسخ، بنشر خُلاصات لمعلومات، تبوبها تحت خانة "هل تعلم"، وبالمُداومة على مُطالعتها يتهيأ للقارئ أنه أصبح يمتلك عِلماً لا يُضاهى، يُردده مُتباهياً به في كل مجلس.



ـ ذلك الأستاذ الأعجوبة، مُتنوع الثقافة، غزير العلم، خدم بلده بإخلاص. كان مُقاوماً، عانى من قساوة الاعتقال والنفي، وحين استقل البلد، زهد في كل الامتيازات، وفضل أن يستمر في أداء واجبه التربوي. إذ آمن أن عدو الأُمم الدائم هو الجهل. لذلك تجند لمُحاربته إلى آخر يوم من حياته.

تساءل في قرارة نفسه إن كان هذا الرجل لا يستحق سوى هذا النعي البئيس  في زاوية مهملة بالصفحات الوسطى من جريدة، لا تُثير فضول أحد. حين يموت عازف طبل، تقوم الدنيا وتقعد، ويتباكى الباكون، وينوح النائحون، ويتصدر الخبر شاشات التليفزيون، وميكروفونات الإذاعات والصفحات الأُولى للجرائد، ويُمسي حديث الناس في ملاعب الكرة، وعربات القطارات، والشواطئ، والمحلات التجارية.



ـ الحلم أعظم مِنّة، كَنّ بها الله سبحانه وتعالى على البشر. حتى أعتى المخابرات لا تستطيع تبين ما الذي يحلم به المواطنون، في عُمق نومهم المليء بالشخير والحشرجات والصفير.



ـ جلت في بلدكم شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. وقد وقفت على حقيقة، من الضروري أن تنتبهوا إليها. لو استطعتم أن تعتمدوا على إمكانياتكم الخاصة في العيش وحققتم اكتفاءكم الذاتي من الغذاء، لتخلصتم من كل ديونكم الداخلية والخارجية ولأصبحتم أحراراً فعلاً، تتفاوضون من موقع قوة لا من موقع ضعف. أنتم بلد فلاحي أغلب طبقات شعبكم تطهو طعامها بواسطة الفحم، وتتنقل في عربات تجرها الدواب، وتلبسون ثياباً تنسجونها وتخيطونها بأيديكم. تتداوون بالأعشاب وتتقاضون بالعُرف. لو عشتم حياتكم البسيطة هاته لبضع سنوات لاكتسبتم قوة ما بعدها قوة، تؤهلكم لدخول الحداثة والمدنية بيُسر ووعي.



ـ يخال الكثيرون أنك لا تُحب هذا الوطن. أنت لا تفتأ تنتقد الرداءة، التي تغزو البلد في جميع النواحي والمجالات. ترفض ممارسات المحسوبية والرشوة وعدم تكافئ الفرص، وكل ما يتصدر الصفحات الأولى من الجرائد بالحق وبالباطل. لكنك تعلم علم اليقين، أن مَن لا يبسط مشاكل بلاده، ويدعي أنها بلغت مبلغ الكمال مجرد مُنافق، أو جاهل، بما يتطلبه التفكير السليم. إن اللهج بغير الحقيقة، يصيب الأُمم بضرر ما بعده ضرر. كل مَن استمرأ الخطابات الوردية والبلاغة الرنانة، يهوى ببلده نحو الحضيض في سقطة حُرة، لا سرعة توازي سرعتها. كثيراً ما تمنى أن يُصبح وطنه، راقياً نظيف الشوارع، وعقول الناس، يتعايش فيه البشر، بسلام، فتنتهي الضغينة والغدر والجرائم والدسائس وكل الموبقات. يضحك كل سامعيك، ملء أشداقهم، وينعتونه بالمثالية والسذاجة، بل والحُمق.



ـ حين كان الأستاذ رحمه الله يُدرس التلاميذ مادة التاريخ مُستعرضاً أسماء هتلر وستالين وموسوليني وتشرشل... وغيرهم، لم يكونوا يعرفون عن أشكالهم وهيأتهم سوى صور فوتوغرافية قليلة نادرة، أما اليوم فبإمكان أي كان أن يراهم مُتحركين ضاحكين أو عابسين، فما زال منهم مَن يتوعد بكل أعضاء جسمه رافعاً عقيرته بالصياح في خُطب نارية متقدة. وما زال منهم مَن ينفث دخان غليونه أو سيجارته في الهواء، غير عابئ بما يخبؤه له القدر، أو منهم مَن ما زال يفتل شاربه الكث الذي أشرف على البياض في تلذذ ما بعده تلذذ !.



ـ المرض والعوز يُركعان مَن لا يركع. رأى كثيرين ممَن كانوا طغاة جبابرة، بقوتهم الجسدية أو مناصبهم السلطوية أو بما لهم، هووا نحو الحضيض صاغرين مُستضعفين، إما لفقدانهم الصحة والسلطة والمال، أو لمرضهم رغم احتفاظهم، بكل سلطهم وأموالهم، غير أن نظرة التشفي التي أصبحوا يُقابلون بها، تجعلهم يكرهون كل شيء، حتى أنفسهم.



ـ هو بالذات، لا يريد من الحياة سوى السعادة.

تلك التي لم يتذوق طعمها الكثيرون، رغم خوضهم لحروب مجنونة، ومغامراتهم في كل الأصقاع بحثاً عن حطام الدنيا. تحكي المدينة عن نماذج معروفة، أصبح مصريها حدوتة يتسلى بروايتها وسماعها السمار والندماء في المجالس والنوادي، وكلما اجتمع نفر في مأتم أو عرس أو تجمع أياً كان شكله ونوعه.

أهم تلك الحكايا التي لم يمل من ترديدها، ولن يمل أبداً. حكاية شرطي نتن أشرف على تعذيبه، أثناء فترة اعتقاله، بسادية لم ير مثيلاً لها. كان يُردد دائماً:

ــ أنا مَن يُفزعون به العُصاة من الأبناء... حين أحضر أنا يعم الصمت المكان... حين أُصدر أمراً، لا أُكرر النطق به مرتين. كثيرون تبولوا، فقط لمجرد رؤيتي، فأجبرتهم على إعادة بولهم إلى متانتهم، وكثيرون تبرزوا، فكان لا بد لهم من إعادة ما أفرزته مؤخراتهم إلى معداتهم... أنا...

غير أنه انتهى مشلولاً، يقضي حاجاته الطبيعية في فراش نومه، بينما تنعم زوجته بخلوة مع عشيقها، في مكان غير بعيد عن جثته المسجاة على سرير خشبي متآكل نتن، ولما فقد النطق، نكاية بجبروته الغابر، كانت تُعاشر عشيقها في نفس الغرفة التي مضى يحتضر فيها شهوراً طويلة. كان جسده فيها يضمر على مر الأيام إلى أن مات كفأر أجرب في مجاري مدينة مهجورة.

لكن مالك الآن وتذكر هذه المآسي، وكل أولئك القساة، الذين حاشا أن يُنسبوا إلى فصيلة البشر، والذين غابوا إلى الأبد، بعد أن أُلقيَّ بهم في مزبلة التاريخ.




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء