أحمد صوان يكتب: الرسائل (4)





الرسائل (4) - عن الألم



القاهرة- ديسمبر 2015


عزيزتي..
لا توجد اعتذارات عن تأخري في الكتابة هذه المرة، قُلت من قبل أن الأمر يُشبه مرونة لاعبة سيرك تقفز في الهواء بلا قواعد؛ بالفعل كنت قررت الانتظام، ولكن الكلمات ليست كضحايا مصاصي الدماء تأتي فور دعوتها، بل هي الفاعل في هذا الأمر، أنا أنتظر دعوتها لتستنزف ما تم جمعه من أفكار.. لا أنتظر رأيك ولا يُهمني بالمُناسبة، فالكتابة في إحدى أوصافها هي امرأة رائعة تتهيأ لتبرز كأروع ما يكون، هكذا لا يكون لأحد الحق في حثّها على الإسراع؛ هذه هي قلة الذوق التي قد اشتهر بها بين البعض، لكني لا أمارسها على سطوري لأني أريدها أن تظل جميلة دوماً.. هكذا أرى، وهكذا ليس لديك الحق في عتابك إلا لو من باب التدلل، عندها يكون الأمر مقبولاً..

علمت أنك تودين الانتحار.. رائع.. كفّاي يلتهبان تصفيقاً من تلك الفكرة الحمقاء التي حاولها ونفّذها ملايين من أمثالك.. سقطت كذلك على الأرض من كثرة الضحك بعد ما أكدتِ لي الأمر، ربما تنهال عليَّ لعناتك الآن التي تقطعها ضحكاتي العالية.. ليست المرة الأولى التي تطرأ بها هذه الفكرة بذهنك.. كالعادة السبب هو الألم مهما اختلف أشكاله.. إذن.. دعيني بدوري أحدثك عن الألم بلا أفكار أو نصائح اعتيادية عن التخلص منه، وليس هناك في هذا أي نوع من التلذذ -كما قد يطرأ لعقلك الذي يُعطبه ما لاتريدين- فقط أنا أكثر من يعرف حالة الارتباك التي تعصف بك عندما تواجهين شيئاً لا ترغبين حتى في معرفته؛ بالتأكيد هُناك شخص أو عدة أشخاص.. مرض ما.. ظروف قاسية كما يرى من يعيشها.. هناك أشياء أقل حدة إلا أنها بالفعل قد تخترق أعماق صاحبها بكثير من الـ"وجع"، لا أعني أن من يحدث له هذا من طراز الشخص "البسكويتة" كما يقولون، لكن لا أحد حوله يُدرك حساسيته؛ ابتسم بخبث وأنا أدرك أنك من هذا الطراز، وأن كلماتي أصابت موضعها.. لا أنتظر منك إفراط في الشرح بينما تكفي بضع كلمات لأشعر بمُعاناتك كما تُفضلين تسميتها..

ابتسم لذكاءك وأنك تدركين أن بعض الإطالة تأتي من أنه لا موضوع شديد الأهمية لمُناقشته هذه الأيام، بالأحرى لا يوجد موضوعات مهمة من الأساس.. الآن هي ابتسامتك التي أردتها، أحياناً تروق لي بعض الابتسامات أكثر من سواها.. وهذه هي المطلوبة، وهكذا فإن منطقك ذاته قد يكون السبب الذي جعلني -بعد عدة تجارب قاسية- أقرر الانعزال لفترة طويلة، قد تكون لإعادة بعض الحسابات أو أياً كان، هذا يخُصني ولا يُهم الآخرين، دائماً كلٌ منا مرحلة في حياة شخص ما؛ لم يُدرك أحد هذه القسوة إلا عندما يفقد أحد أبويه أو كلاهما؛ الآخرين فقط يتأثرون بلمحات من حياتك، هي بدورها لحظات وتجارب تبقى في ذاكرتهم كمثال على الـ....، لا أعرف، لكنه بالتأكيد شئ ما سيُقارنه أحدهم في ذهنه عندما تستدعيه الحاجة..

لا أقصد الإساءة، ولكن ربما بمنطقك هذا لكنت انتحرت بدوري أكثر من مرة، أقربها عندما تساءلت زميلة باندهاش عن سبب عملي الصحفي في مجال الثقافة رغم سفري كل عام لإعطاء ورش ومحاضرات سياسية بالخارج، كان تعبير "أكل العيش" الذي خرج مني وقتها بابتسامة هادئة كفيلاً بأن يقتلني من الألم لما أجبرني عليه وضعي الاقتصادي في بلاد لا تعرف من السياسة سوى تنظيف فضلات السُلطة، أو الانخراط في العمليات المسلحة ضدها، أما الوسط فهو الاستمرار في الرقص حتى تصمت الموسيقى على صوت المارشات العسكرية.. ربما كذلك عندما ربتت ابنتي الصغيرة على كتفي في مواساة، وهي تُخبرني أنها تعرف أنني لا أملك ما يشتري لعبة تريدها..

قد نُكرر الحديث عندما اخبرك بأن إصرار الآخرين على جعلك في الصندوق هو سبب حقيقي للشقاء؛ تذكري حينما صدّق الناس أحاديث اليهود بينما المسيح نفسه كان بينهم، مارسوا العنف وقد بح صوته طفلاً وشاباً من أجل السلام، خافوا الخروج وفضّلوا السير في عبودية الرومان على اتّباع من شفى أمراضهم وأحيا موتاهم بإذن ربه؛ كما فعل أسلافهم الذين تركوا موسى وعبدوا عِجله؛ هم أنفسهم من قالوا أن محمد لا يكذب، لكنهم فقط لا يتحملون فكرة أن الرجل الذي جاءته النبوة من بني هاشم، وجميعهم من نسل ابن نوح الذي تحدى أبيه بينما الطوفان يكتسح الأرض.. هؤلاء جميعاً ألقوا جيناتهم هُنا في آخر الزمان، تجدين منهم هؤلاء الذي تودين لهم ترك العالم حتى تزيد متعتهم ويتخذونك مثالاً في الكُفر، فيما ينسون أنفسهم..

لن أُطيل أكثر حتى لا يُصاب كلانا بالملل، لست واعظاً ولا طارداً للأرواح الشريرة، أنا كما تعرفينني، لا يوجد ما لم أُجربه، بداية من التدين الذي يضع "الزبيبة"، وحتى الخطايا التي جعلت الشيطان يستوقفني ليتأكد من أنني فعلتها فعلاً.. فقط أعرف أنني مُستمر إلى أن يُقرر الخالق استرداد ما أودعني إياه من روحه.. صدقيني هو أروع من أن يجعلني أتعذب..

لا تنتظري موعداً ثابتاً.. كعادتي أؤكد أن الرسالة قد تكون الأخيرة.. وأن يأمل كلانا العكس..


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء