د. إسماعيل حامد: رحيل السيد ريكسى



رحيل السيد ريكسى


د. إسماعيل حامد


عجِبتُ لمرأى المُقَل الباكية، والجفون المتورمة، والأنوف المحمرة، بكاء الرجال معجز، حتى أنني ذُهِلت عندما لمحت أحدهم يولول ويلطم خده في جهل ومرارة، قلت في نفسي لا ريب أن الأمر جلل، لا شك أن المتوفي شخصية كبيرة، مرموقة كان لها ثقلها في إحدى الوزارات. أذهلني ذاك الجمع الغفير من البشر والسيارات، مواكب تتبعها مواكب، كل منهم يضع رحاله أمام بوابة الحديقة الرئيسية للفيلا، ارتدت النساء الفساتين السوداء والقبعات السوداء وارتدى الرجال البذل السوداء ورباطات العنق السوداء، تلمح التعاسة على وجههم، يملأ الحزن داخلهم ويدغدغ الهم والكرب أوصالهم، اقتربت أكثر من أسوار الفيلا، وجدت رجل أمن يقف على إحدى النواصي فسألته مذعورًا:

مأتم مَن هذا؟

فقال في أسى: 

إنها فيلا سيادة الوزير فلان الفلاني.

فقلت في سرعة:

لا حول ولا قوة إلا بالله، هل رحل الوزير؟!

فهبَّ فيَّ كأنني ارتكبت جُرمًا أستحق عليه أشد العقاب.

لا، بل رحل ريكسي.

فتابعت:

لابد أن السيد ريكسي كان عزيزًا على سيادته، واستطردت:

إذن فهو أحد أبناء الوزير أو ربما قريبًا له.

فأجابني الرجل وقد فاض به الكيل:

ريكسي، هو كلب سيادة الوزير، داهمه إلتباك معوي فأودى بحياته في خلال ساعات.

صُدِمت لهول وغرابة ما سمعت فتابع الرجل ليكمل على قائلًا:

يقولون أن سبب الوفاة كان إثر تغيير نوعية البلوبيف الذي كان يتناولها في الإفطار، فحدث له ما حدث، لكن سيادة الوزير إتخذ قرارات تصعيدية بعد ذلك.

فقلت في فضول قاتل:

وماذا فعل سيادته؟

فقال في زهو وتشف:

لم يفعل الكثير، فقط حول مربى الكلب ومدربه إلى التحقيق في الواقعة وأمرَ بإغلاق السوبر ماركت الذي أتت منه علبة البلوبيف السامة.

ثم اقترب منّي أكثر وهمس كأنه يعطيني سرًا خطيرًا:

ستحلّ التعاسة والكدر على الفيلا بمن فيها، سيوبّخ سيادة الوزير الجميع، سينهر السيدة زوجته وأبناءه لأنه يعتقد بطريقة ما أنهم السبب وراء ذلك, ثم تابع فى خبث هامس: زوجة سيادته كانت تحب ريكسى أكثر منه.

فقلت هامسًا لأضفي جوًا من الحماسة:

ولماذا يعتقد ذلك؟

فتابع:
أنت لا تعرف ياسيدي من هو ريكسي بالنسبة لسيادته، لقد كان يعتني به كثيًرا، يلاعبه، يضع أصابع في شعره الكثيف، رأيته مرَّة يقبله في خده، أي والله، رأيته، عيانا بيانا، لا يخرج صباحًا إلى الوزارة إلا بعدما يطمئن أن ريكسي استيقظ وأخذ حمامًا دافئًا وتناول إفطاره وتريَّض لدقائق في شمس الحديقة، في الوزارة لا تمرُّ ساعتان على الأكثر حتى يُجرى إتصالًا هاتفيًا يطمئن فيه على أحوال ريكسي. عندما يرجع إلى الفيلا يقضي معظم الوقت معه، بجوار ذلك المبيت الصغير الذي بناه له، وطلب مهندسًا للديكور ليشرف على البناء بنفسه، فبنى حجرة كبيرة له وألحقها بسور خشبيّ كبير حتى لا يشعر ريكسي بالسأم. في أيام مرضه كان لا يفارقه, يجلسه فى جواره أو ربما يصطحبه لينام معه في حجرته الشخصية، داخل الفيلا.

 كانت زوجته تتبرم، تتأفف من الاهتمام الزائد بريكسي، وكذلك الأبناء، حتى أن أكبرهم كان قد طلب من أبيه الزواح فقال له في جدية، سأزوجك، عندما يتزوج ريكسي، هو الآن يبحث عن شريكة حياته، أدعو له بالتوفيق!

غير أن الوزير لم يكن مطلقًا في سابق الزمن يهتم كذلك بالكلاب، فكان يفرح قليلًا بنوع جديد من الكلاب ثم مايلبس أن يزهدهم ويملّهم حتى أهداه صديق ألماني ريكسي، حادثه تليفونيًا قائلًا له:

معالي الوزير، سأرسل لك ريكسي، ذكَر، وفي، من نوعية الجيرمن شيبرد، حصل على جميع تطعيماته، له بطاقة صحية وجواز سفر، أرجو أن تعتني به أيما اعتناء، فقد كان مِلكا لابنتي التي تُوفيت منذ شهور، طيع، سريع البديهة، أنفه نفاذ، لكنه حاد الطباع بعض الشئ.

هكذا قال لي الخادم الشخصي للوزير والذي سمع المكالمة كاملة.

أحبَّ الوزير ريكسى أيما حُب، تعلَّق به كثيرًا، حتى جاءه هذا الخبر الأليم، فتألم له كثيرًا، أخذ إجازة يومين من العمل، مرضَ، أي والله، مرضَ وتناوب عليه الأطباء ليداونه، جاء المعزيين من كل حدب وصوب للعزاء في ريكسي، تتابعت كلمات المواساة والألم على مسامعه، لبسَ الجميع الأسود لأن ريكسي لم يكن مجرَّد كلب لسيادته.

لكنني أتساءل ياسيدي: هل انقرض البشر من على ظهر الأرض حتى يتخذ أحدهم من بني الحيوان ونيسًا ورفيقًا عن بني البشر؟ اييييييه، الكيف، الكيف ياصديقي.

بعد ثلاثة أيام، كنت قريبًا من الوزارة فلاحظت أن هناك جلبة، أقدام تتخبط وأصوات تتداخل وعيون تترقب وحذر جم يملأ المكان، فقال أحدهم: لقد اقترب موكب الوزير، ابقوا على أهبَّة الاستعداد، فهاتفت أحد الإصدقاء وقلت له في مرح:

سيأتي الآن موكب الوزير، سأعزيه في وفاة ريكسي.

فباغتنى قائلًا:

لا تفعل، إياك تذكِّره بتلك المصيبة.

فقلت في إصرار:

لا، لابد من تعزيته والتسرية عنه حتى يشعر بألمي له واهتمامي، ربما يكون تلك اللافتة فرصة لي لأحصل على وظيفة ما في الوزارة.

أتى الموكب، فكان مهيبًا، كان الوزير يخطو واثقًا وورائه جلبة ولغط لم أتبيَّن منهم شيئًا. وصديقي ما زال معي على الهاتف فقلت له:

أتى موكب الوزير، لكن صوتًا عاليًا يصدح وراءه.

فقال بغتة: 

لابد أنه الحارس الشخصي له، صِفه لي.

فقلت في دقة:

صوته عال، كثيف الشعر، مقدام، يلهث في قوة، ممشوق القوام كأنه أسد جسور، يشعر سيادته بالأمان.

فقاطعني الصديق قائلًا:

هو الحارس الشخصي الجديد لسيادة الوزير، لكن لماذا يلهث؟

فتابعت موضحا:

يلهث وينبح ويمشي على أربع.






الإبتساماتإخفاء