أميرة حسني: قوامة زوجتي




قوامة زوجتي

بقلم: أميرة حسني



كعادتى اليومية بعد عناء يوم طويل  يتجدد بشكل منتظم.. كانتظام خلية النحل أهفو إلى احتساء فنجان من الشاى قد برد قليلًا.. لم أستطع تناوله بسبب استدعائى من قبل زوجى وأولادى بمعدل مرة كل نصف ساعة، كمركز استعلامات الإسعاف.. يجب أن يظل فى كامل تأهبه واستعداده التام على مدار اليوم مستثنيًا الإجازات الرسمية، وغير مبالٍ بمواعيد النوم أو الراحة.


أقلب محطات التليفزيون بشكلٍ عفوى؛ علّى أجد برنامجًا فكاهيًا أو مسرحيةً تابعتها كثيرًا، ولا تحتاج لتركيز.. تخرجنى من حالة التأهب والاستعداد التى أصبحت ملازمة لى، وكل آذانى مصغية لأى سؤال مفاجئ عن أماكن ملابس الصغار، أو جورب زوجى التائه دائمًا، والبحث عن أدوات الدراسة المبعثرة من قبل أطفالى فى زوايا شقتنا - والتى يظنون أنى أملك عصا سحرية للبحث عنها- هذا غير طلبات الطعام المختلفة وابتكار أنواعٍ جديدة من المشروبات لترضى كافة رواد المقهى.. أقصد المنزل!

وفى غمرة انشغالى بالبحث عن برنامج مسلٍ استوقفنى صوت جهورى لرجلٍ ذى لحية طويلة وعمامة.. تمتُ لعصرٍ ولّى منذ مئات السنين.. مهددًا جميع الزوجات بلا استثناء.. معلنًا أنه يجب عليهن الطاعة العمياء الخرساء -والتى قد تكون أحيانًا مشلولة- للرجل الملقب فى مجتمعنا بلقب يفوق القديس.. ألا وهو الزوج واستشهد بآياتٍ من كتاب الله وبعضٍ من سيرة الأنبياء؛ من أجل إظهار الزوج المصون بأنه الإله الثانى فى وجوب الطاعة، وربما السجود.. معللًا ذلك بالقوامة والأفضلية له كجنسٍ عليه الأمر والنهى والتحكم فى مقاليد الأمور الخاصة بالحياة الأسرية والغير الأسرية، والتى قد تمتد إلى الأهل والأصدقاء والعمل أيضًا وربما يصل إلى تحديد موعد النوم والاستيقاظ كل ليلة.


أستمع لكلام هذا الرجل وأشرد بذهنى وأنا أستيقظ قبل الجميع بثلاث ساعات على الأقل؛ لتجهيزٍ سريع لطعام الغذاء ووضع الملابس المتسخة فى الغسالة التى يهيأ لى أنينها من كثرة التردد عليها.. وسريعًا أحاول ترتيب المنزل لما ارتكب زوجى من جرائم السهر بعد ما خلدت إلى النوم.. من معلبات العصائر وفوارغ وآثار تدخين زوجى الحبيب؛ لأستعد بعدها لحملة مكافحة النوم وإيقاظ صغارى وإعداد الشطائر والتأكيد على تحضير حقائب المدرسة والأهم من ذلك شطائر صغيرى الأكبر.. زوجى وطفلى الذى لا يمل من دور الصغير المدلل من أمه قبل الزواج؛ فهو بالكاد يستيقظ  قبل موعد عمله ليرتدى ملابسه التى أعددتها له، وحقيبته الجلدية وبها كل شيء يلزمه من طعامه ومناديل ورقية وبعض أقراص المسكنات إذا لزم الأمر..  فأنا أعلم أنه لا يطيق شعوره بصديقه المخلص.. الصداع!


وكل هذا وأنا أتناوب بين الأسرة كحارس مرمى محترف لأوقظ هذا فينام ذاك.. وفجأة يهب الكل على صوت أبيهم غاضبًا من هذه الضوضاء ولم يكمل نومه لآخر دقيقة.
مع سيلٍ من الملاحظات: اغسل أسنانك.. لا تنس ارتداء الجاكيت.. تأكد من جدول الحصص فليس لدىّ وقت كافٍ لأذهب للمدرسة فى حين استدعاء ولى الأمر لمجلسٍ كان للآباء وحاليًا أصبح للأمهات فقط وكأن تغير اسمه الذى يجب أن يكون للأمهات جريمة تسيء للرجل فى كينونته.

ومع كل كلمة بتهديد الزوجة لدى عدم طاعة الزوج..أتذكر محاولات انصرافى مبكرةً عن موعد عملى للحاق بالمواصلات توصلنى للسوق على ناصية شارعنا؛ لشراء بقية مستلزمات المنزل ومحاولة اللحاق بسرعة لتجهيز ما تبقى من قلى وشىّ الطعام الذى لا يأكلونه -بالهناء والشفاء- إلا ساخنًا وحتى دون انتظارى للجلوس معهم. إذا ما تأخرت فى المطبخ لخمس دقائق أنظر للجميع وهم يتناولون الطعام بشهية، ودون أى كلمة شكر أو تقدير لهذه الأم المنهكة. ولا أبالى كعادتى لأبدأ جولة أخرى من غسل الأطباق، وتنظيف المطبخ ريثما يتم تجهيز الشاى سريعًا لزوجى لتناول سيجارة ما بعد الغداء فى شرفة المنزل ليخلد سريعًا للنوم.

هذا التوقيت أكون قد انتهيت من نشر الملابس التى وضعتها فى الغسالة صباحًا وأقوم بكيّ الملابس التى جفت.

وأذهب سريعًا لغرف أطفالى لأجدهم لم يبدؤا بعد بحلّ واجبتهم، والتى لابد من مراجعتها يوميًا، وقراءة ملاحظات المدرّسة تحسبًا لصدور سلوكٍ خاطئ منهم،، وأبحث بمنتهى الجدية عن الواجبات والدروس الواجب مراجعتها، والتى يخيل إلىّ أنى لو أعدت دراسة مقررى لحصلت على ضعف مجموعى من كثرة تكرارها.

وقبل انتهاء الواجبات أذهب سريعًا للمطبخ لإعداد طعام العشاء، وحلوى سريعة لأقارب زوجى الذى باغتنى وبابتسامة عريضة شارحًا نسيانه لإخبارى بموعد قدومهم،  وكعادتى فى التظاهر بالسعادة.. أرسم على قسماتى ابتسامةً أنهكها التعب من رحلة المتاعب اليومية، وإرهاق عينى من التعرض لحرارة الموقد، والبصل والثوم والبهارات تلبيةً لرغبة زوجى بطعامٍ يشبه أطباق السيدة والدته من قبل.

ويظل مكانى الذى أفضله عن باقى الأماكن هو مطبخ الطعام؛ فعلى الأقل هو المكان الوحيد الذى أشعر فيه بخصوصيتى؛ حيث لن يفكر أحد أبدًا بزيارته ... ليشاهدوا الإنسان الآلى الذى يعد لهم الطعام ولو من باب الفضول.

أشعر بدوارٍ رهيب من كثرة هذا الكلام عديم الأهمية، والزيارة غير المبررة. وبعد انتهاء حفلة الحلويات والمشروبات.. يقرر الضيوف الأعزاء الانصراف.. تأتينى حماتى العزيزة معاتبةً على عدم اهتمامى بمظهرى، والتزين بمساحيق التجميل، وكأنى أمتلك طاقةً لأنفقها فى التبرج. لا ألتفت لكلامها كثيرًا، فما يشغل بالى هو الحفلة الثانية لغسل الأطباق، وإزالة قطع الحلوى التى أسقطها طفلٌ على السجادة، وأمه منشغلةٌ بالسؤال عن وصفة هذه الكعكة وهذه الحلوى..  كما سأذهب لإصلاح جهاز الاستقبال الذى عبث به طفلٌ آخر، ووالده منشغلٌ بالحديث مع زوجى عن آخر أخبار فريقه الكروىّ المفضل.

أشرد بذهنى مع عبارة "القوامة بالإنفاق المادى" وأنا أنفق مرتبى كاملًا على الجمعيات والمجاملات و الزملاء.

أتساءل عن معنى القوامة الجسدية، وأنا أتولى ترتيب المنزل وتحريك الأثاث.. قبل أن يأتى زوجى من سهرةٍ على القهوة مع أصدقائه، ويصاب بالتوتر؛ لأن المنزل ليس مرتبًا.
أتذكر موعد زيارة طبيب الأسنان لطفلى، والسهر بجوار ابنتى، وهى مريضة حتى لا يستيقظ والدهما على صوت تألمهما.

أتذكر كل هذا، وأتمنى لو يبدلون مصطلح القوامة بقوامة الزوجة، لأفيق من هذا الوهم على صوت زوجى وهو مار أمام التلفاز للخروج مع أصدقائه لمشاهدة "ماتش" لفريقه المفضل؛ فهو واجب وطنى على حسب قوله، ويردد زوجى الحديث المنبث عبر التلفاز: نعم نعم.. هذا هو الكلام السليم. لأكمل فنجان الشاى البارد، وتثقل عيناى لاقتراب موعد نومى.. لأريح جسدى قليلًا قبل رحلة الكفاح اليومية، وربما محاولةً لنسيان حلمٍ عن حديث ذاك الشيخ فى برنامجه عن قوامة الزوجة.





شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء