أحمد صوان يكتب: الرسائل (6)






القاهرة- ديسمبر 2015

عزيزتي..

لا ذنب للشتاء أو نوبة البرد حتى تأتيك رسالتي متأخرة، في الماضي كان الشتاء شمّاعة ذنب بارعة مع ساعي البريد الذي يتحرك على دراجته وسط الأوحال لو كان هنا، أو الثلوج في بلدان أخرى؛ الآن الأمر لا يستغرق ثوان تُحددها نقرة الإرسال. أعترف كذلك أني عبثت لأيام في بعض الأوراق انتهت بأن أتذكر الأيام الخوالي التي كنا نُمشّط فيها الشوارع بحثاً لجمع الأخشاب المُهملة حتى نصنع الدفء حتى الصباح، اتجنب الخوض فيها حتى لا أصل للضحكات الرائقة والأنفاس التي تمزج البخار بالأدخنة.

التأخير.. لا أدري.. لا أود أن ألقي إليك بضع أسباب دون أن يكون أحدها حقيقياً، هذا لا يليق بك أو بعلاقتنا، لكن هُناك ذلك الكسل اللعين، أغلب الأحيان حينما تأتي الفكرة تجلب عواصف أخرى تُشتت الذهن، فينتهي بي الأمر وقد فقدت أصابعي قدرتها على النقر؛ في هذه الأيام يبدو الإمساك بالقلم بطولة أخرى تتخللها ظروف النسيان والبحث عنه وأوراق تصلح للكتابة كالأيام الأولى، ثُم يأتي التحدي بقدرتي على الاحتفاظ بها حتى يتم نقرها على الجهاز للحفظ؛ هناك الكثير من تلك الأوراق نجا لتتم بعثرته في أماكن شتى، ربما تأتيني القدرة على نقرها إليك يوماً.. تذكري.. لا وعود.

تُثير جنونك الكلمة الأخيرة رغم أنني أتمنى أن يحصل العالم على جزء من تفهمك.. الحقيقة أن الوعد ثقيل، يُرغم صاحبه على تنفيذه مهما تكلف الأمر، بينما أن يحدث كل شئ بلا ترتيب- طالما كانت هناك النية- يجعل الأمر مجموعة من المفاجآت الصغيرة، ومُبهجة كذلك لو راقت لك؛ ربما كانت صورتك المُبهرة في أوقات عدة شريكة في هذا، جنونك بدوره له نصيب؛ لكني كذلك لا أتلاعب بأحد.. يُشبه الأمر الجندي المُرهق الذي خاض عدة معارك فقد في كل منها شيئاً عزيزاً، هُنا لم يعد به طاقة لأن يُعطي شيئاً فيعود للفقد.

أخباري.. بسيطة، رُبما تتلخص في "لا أهاب الوحدة. أهاب خداع نفسي، بالنظر إلى الواقع كما أريده أن يكون، وليس كما هو في الحقيقة"، هذا ما قاله العبقري باولو كويلو في روايته "الزانية"؛ هذا جميل في الحقيقة ويُشجعني على عدم الذهاب إلى تلك الأماكن المليئة، وتفادي السقوط تحت عدسة ما. هُناك من يعانون رهاب التصوير لكني لست منهم، هُناك طراز تفهميه هو من يوجد في كل هذا بالصدفة فيبدو ظاهراً لتركيز الجميع على لقطته الوحيدة، لن أقضي بقيتي كآخرين يتعرون لإسقاط الضوء؛ هؤلاء ينبحون أصواتهم طويلاً ويعيشون طبقاً لنظرية البارانويا العتيدة. 

لا أنفك يوماً أبحث عن مسارات بديلة من أجل الخروج من كل هذا، تُعجبني قدرتك على العثور على تلك المسارات وإن كان حذري التقليدي -مع لمحة من المغامرة-  يمنعني من سلوك الطريق ذاته، ابتسم كذلك وأتذكر نظراتك العابثة التي تُرحب بالمغامرة رغم بعض القيود. هُناك حديث قد دار يوماً عن الجنون وعشقه، هناك من اكتفى بكلمات مليئة الخوف من خصاله مع إغفال رونقها. دار في ذهني وقتها- بخبث عابث- أن من أمتع خصال الجنون الشراسة، لها أوقاتها التي تجعلها أكثر إبهاراً، ربما كانت مدخل مميز لصاحبها طالما كانت ممتعة لا مؤذية، تلك النظرة الخاصة التي لا يفهمها سوى من يتفقون سريعاً. لا تُرهقي نفسك إن لم تفهمي المعنى إن لم تُجربي تلك النظرة؛ هكذا تقوديني إلى إحدى مشكلاتي من وجهة نظر الخائفين، يرون بوضوح عدم قدرتي على أن أكون طبيعياً، وأن أفعل كما الآخرون، هذا لم أعد التفت له، تدريجياً هذا الانسلاخ يجعل النظرات هي الطريق للمعرفة، أؤمن بشدة بالتعبير القرآني العبقري "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"، الخالق أشار إلى الباب الحقيقي للنفس، بينما استغرق البشر دهوراً ليكتشفوا الكذب من جهاز فحص القزحية.

السخافة الحقيقية هي أن استمر الآن في الكتابة بينما ذهني مُشتت عندما قادني الحديث إلى البدائل. لقاء ما قد يحسم هذا الأمر رغم أن الكسل يمنعني حتى من التفكير فيه.. نوبة اكتئاب!.. لا أعتقد، ربما هو انخفاض للمعدلات الحيوية كما يفعل الراتب في جيب كل منا.. الخلاصة أني سأنهي الخطاب الآن..






شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء