أحمد صوان يكتب: الرسائل (5)



الرسائل - 5 - نوستالجيا




القاهرة- ديسمبر 2015

عزيزتي..
بالفعل أرى ابتسامتك العابثة بينما تطالعي هذه الكلمات الأولى، لسان حالك يقول "عرفت أنه سيفعلها" رغم أنني دوماً لا أعد بالمزيد، لا يتوقف الأمر على معرفتك العميقة بي فحسب، بل ربما كذلك لأنك مثلي ممن ينشطون في البرودة ويختنقون في الحر الذي يصنع الزحام، هذه الأمور المُتطابقة التي تجعل الآخرين يشعرون بالحصار تدفعني إلى ابتسامة مليئة بما يُمكنك وحدك معرفته؛ لا أدري حقاً ما أهمية هذا.. ليس حديثي عميقاً، لكنه في الوقت نفسه ليس تافهاً لدرجة تُصبح الأعلى مبيعاً أو قراءة.. في أحيان كثيرة يكفي شرف الكتابة وحده..

هناك اتهامات عديدة تُلاحقك هذه الأيام.. تُغرقك بالصفات البشرية والاكتفاء بأنوثتك بينما ترفع عنك كينونة الحالة، لا آبه ولا أعتقد في جدوى الشرح لهؤلاء أصلاً، فهم يرون الأمر من زاوية "جميلة أخرى يكتب إليها" فيما يحترقون بالفضول بحثاً عن الهوية، أو ربما الشكل كذلك.. لاتعقدي أملاً على من يستخدمون الحواس في البحث عن الحالة.. هذه شخصيات ميؤوس منها.. تذكري الاتفاق القديم بأنهم قابعون في مواضعهم أمام الشاشة بينما نحن كعادتنا خارج النطاق.

لم اعتد الكتابة إليك نهاراً، إلا أن الضباب الذي تلفحت به شمس القاهرة هذا الصباح يُعّد لي حافزاً لا مثيل له، ها قد بدأ الشتاء يُفصح عن وجوده بقوة ناشراً مزيد من السعادة لأمثالي.. أنا واحد من ابناء الشتاء، لا أطيق الصيف ولا الشمس الحارقة ولا درجات الحرارة التي تدفع الحياة للتساقط من المسام وسط جو خانق؛ لو كان هناك "بيات صيفي" فهو ما يحدث لي في تلك الأشهر الكئيبة التي تنزف الحياة عرقاً وتُصيبني بالاكتئاب؛ هناك مجموعة من الحمقى لا يفهمون من روعة الشتاء سوى أن المرء لا يُبالي بالقابعين بدون أغطية.. هم يتحدثون على موجة أخرى لا مجال لها وسط حديثي، لا يجب عليَّ أن أنُكّس رأسي خجلاً لأني أحب الشتاء بينما هم يتشدقون بصوت عالٍ بحبهم للمساعدات الإنسانية، مقالهم يختلف عن المقام الذي نخوضه.

الشتاء يبدو كذلك كمخزن لـ"النوستالجيا".. تُحييها نظرة خلف حاجز زجاجي بينما الأمطار الغزيرة تضرب الشوارع بلا هوادة، عندها تندلع الأمنيات الأخرى التي قد تُبقيك حياً حتى العام القادم.. تُحادث نفسك عن جدوى ما حدث.. تنتظر أول قطرة مطر كي تندفع الذكريات المزدحمة خارجاً بعد أن ألهبتها قطرات العرق والصمت، يُمكنني أن أسرد عليك الآف الأشياء التي تستدعي الحنين، بداية من لحظة ميلادي الأولى في جو عاصف، حسب ما ذكر لي والدي الراحل -وهو ذكرى اليوم نفسه الذي تنحى فيه الجنرال الثمانيني- وحتى اللحظات الأخيرة مع جميلة حملت اسماً فارسياً، اكتفت بأن قضت الشتاء ثُم سارعت بالرحيل، حتى أنها لم تترك سوى ذلك الركن الهادئ الذي أيقظه الضباب، ودعيني اعترف أنه ركناً لا يُستهان به في خزينتي، ليس فقط لروعة أيامه القلائل، ربما لأنه ترك غصة ممزوجة بشعيرات بيضاء أخرى لم أعد أعبأ بعّدها، لكن يُمكنني بالفعل الإشارة إليها وسط لحيتي النصف نامية دوماً، وكأنها مع ذلك الركن أبت أن تُشارك الآخرين شعيرات الرأس، واستأثرت بموضع آخر جعلني اتفادى النظر طويلاً في المرآة.

من اعترافات الشتاء أنه دوماً البوابة السحرية للتجربة.. يبدأ بالدعاء ألا أخوضها بينما نفسي تتوق إلى المزيد.. الرغبة في اقتناء رقعة أخرى في ثوب الحكمة الذي لايزال في مرحلة التجميع، مع محاولة تقليل الضرر الذي يتحول لكوابيس أخرى لا ترتبط بالنوم في أغلب الأحوال فأعتاد الحديث إليها؛ يُمكنني بابتسامة خافتة أن أقلل الضرر بعد أن تعتاد صُحبتي، لكنها تظل حتى تأتي أخرى تصنع طبقة أخرى.

الشتاء أيضاً يمتلئ بذكرى الأيام الأولى للحلم الذي غاص في المرارة.. تبدأ منذ أذاب الهتاف عرش الطاغية المُتجمد، وحتى استقر آخر صديق في سجون الجنرال اللطيف، بعد أن تلاعب المحترف الوحيد بقطع الشطرنج وجعلنا جميعاً خارج الصراع؛ هي بدورها نوع من النوستالجيا لمن اعتقدوا أنهم قادرون على الاستقلال عن الجوارح المُستقرة على أكتاف السُلطة؛ هؤلاء من اجتمعوا في أمسيات باردة عاشت المعركة أمام جذوة من نيران دافئة، لا تُشبه الأخرى المُتساقطة من فوهات البنادق لتخطف الأعين والأرواح؛ ربما يتحقق أمل البعض وتسمح أمسية شبيهة بأن تتعرفي بهم.. منهم الصغيرة ذات المكانة الخاصة، التي ملأت الدنيا ضجيجاً ثُم أدركت أن تحت السطح أعقد مما ينبغي، هي لازالت تتعلم بينما أتابع خطواتها بمزيد من التشجيع.. المُقاتلة التي غاصت إلى العمق ففقدت الأمل، بدورها انتهت إلى حياة تقليدية أكثر مما ينبغي.. اللعوب التي وجدت نفسها ضحية الجميع بعد أن خانتها الحيلة، فتركت البلاد كلها بلا رجعة.. 

لا أتمنى أن يكون هذا حديثي الوحيد عن الشتاء بعد أن بدأ في التألق.. هناك أوراق عديدة كتبتها في أيام شبيهة قد أفرج عنها يوماً أو أخبرك بمحتواها، ربما كذلك قد تواتيني الجرأة واكشف عن الرسالة الوحيدة التي احتفظ بها حتى اتمتع بشئ من القسوة.. قد يمنحني الشتاء كذلك الرغبة في خوض حالة أخرى تدفع أوراقي إلى الاستمرار.. لكنني اكتفي الآن لأن هناك ما يجب أن أخوضه وسط الشوارع المبتلة.. 

من يدري.. قد أخيب أملك وأتوقف حقاً هذه المرة رغم كل ما قلت.. الحالة هنا هي القاعدة الوحيدة..


اقرأ أيضًا:   أحمد صوان يكتب: الرسائل 


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء