أحمد صوان يكتب: الرسائل (7)





الرسائل -7 - أخر العام 


أحمـد صـوان 

 القاهرة- ديسمبر 2015


العزيزة..
لا أستطيع إخفاء غضبي تجاهك أو حنقي على قطراتك القليلة في الأيام السابقة، ولكن.. هذه هو آخر خطاباتي هذا العام، لن أُضيع وقتنا أو أستهلك حروفاً في العتاب.. لا لوم كما لا وعود.. ربما كصحفي يُمكن هذه المرة أن أتحدث وكأني أسطر حصاد هذا العام، ماذا، وكيف، ولماذا.. هذه أمور تحدث كعادة يومية؛ العادات لا تصلح لك، نتقارب حتى نتنفس بعضنا وفي لحظة أخرى لا يُعير أحدنا اهتماماً، القاعدة التي لا تتغير أن نظل مُتغيرين؛ هكذا أحكي لك فقط ما علق بي وأحاول ألا آخذه معي بعد قُبلة الثانية عشرة؛ لذا.. لا يمُكنني تصنيف هذا العام كما يفعل الآخرون.. خاصة إذا ما لجأت لعادتي وحدثتك بالرموز.. أحاول كذلك مُمارسة هوايتي في الاختزال..

 تأتي نهاية العام فيما تظل الأوراق التي اعددتها لأي كلمات عابرة من الرواية بيضاء من غير سوء؛ كان هناك زخماً قبل أشهر أعادني إلى الحكاية، حتى عادت شخصياتها تُشاركي الوجود، أعقبه سكتة مفاجئة وكأنما استهلكت أدرينالين الكتابة دفعة واحدة؛ فيما تبقى في الأشياء الثابتة الرسالة التي تقع في مكانها قبل أعوام وتحمل ذكرى الأيام العزيزة، الحالة التي احتلت المركز الأول لأعوام حتى انتهت بالصمت، لا تزال خطوطها تبعث على الراحة. بجوارها أوراقي المُبعثرة التي اعتز بها كثيراً. أتحول لطفل فوراً إذا ما عثرت على إحدى كتابات المراهقة، أو مخطوطة رواية قديمة حكمت عليها بألا تُنشر؛ لا أتذكر الثوابت كثيراً إلا ما يترك بداخلي بهجة، لذا ألقيتها كلها كما أفعل مع ما لا أعرف أهميته لكنه في بحقيبة السيارة.

"وكانت هذه السنة أشد سنواته مشقة"، لا تنطبق عليَّ مقولة تولستوي لأنني دوماً أتوقع الأسوأ حتى ابتهج بالموجود؛ انتهى الاهتزاز بعد أن جاءت الجميلة التي تحمل اسماً فارسياً في المركز الأول لقائمة الخسارة. من زاوية أخرى برحيلها جاء فصل الربيع -رغم أني لا أحبه- بمثابة فترة نقاهة تمتد لفترة حتى تأتي حالة ما؛ بالمناسبة هي تترك ذكريات شرسة لكنها تختلف.   

هُناك كذلك البربرية ذات العنين الواسعتين.. راقبتها فضولاً عن كثب، فيما لم تزل تُبقي شعرة معاوية وتستهلك من بريقها لتجول على كل هؤلاء الحواة الذين طالما عرفتهم، هكذا لا تنتظر سوى من سيجعلها تمنح كاميرا السيلفي ابتسامة أفضل مع لمعان ساقيها لتستمتع بمغازلات سُكارى الدائرة القديمة، بينما تُخرج من حسابها من لا يُضحكها على المستوى المطلوب.. أنهت هذه أية أفكار مع عذر ليس واهياً حقاً هو اختلاف الحدود.

كذلك.. لم أدر كيف سقطت دمعة -وهي شئ نسيته منذ زمن بعيد- وسط ضحكاتي الساخرة العالية، عندما عرفت أن ما تبقى من نُسّخ مجموعتي الأولى، التي ظلت لفترة حبيسة الأرفف، يتم تصريفه في سور الأزبكية كجزء من مخلفات العام التي تُباع بـ"الكرتونة".. لم أهتم بهذا وسط قوم نصيبهم السنوي من القراءة أحد عشر سطراً، لكن في الوقت ذاته شعرت بأن أحد أطفالي لم أربيه جيداً فاستحق كلانا مصيره؛ ربما سقطت كنبوءة لمصير الرواية التي استهلكت حتى الآن سنوات خمس دون أن تنتهي.. إشارة للتوقف؟!.. لا أعلم، ولكن هناك عدة دوافع أخرى لاستمراري في كتابتها.. هي وسيلة لإخراج لساني للجميع عبر المقتطفات التي ألفظها بين الحين والآخر في بلد يبرز فيها "صفوت" كعنوان للمرحلة.. قد يقرأؤها أحدهم بعد أن تفني عظامي ليعرف ماذا حدث لتُغلق الدائرة مرة أخرى على دولة الأخ الأكبر.. وربما يُدرك الكثيرون بين صفحاتها أن ذاكرة الذبابة التي أتمتع بها لم تنطبق على سنوات الخداع السابقة.

الرسائل بدورها تستهلك الكثير من الأدرينالين، يبدو هذا بينما تنقر أصابعي ببطء مُنذرة بالهبوط حتى الخط الأفقي الشهير الذي نراه في آخر رسم للقلب.. فقط اجعلي من أمنياتك مع سانتا أن تأتيك رسالة أخرى.