كمال مصطفي جاد: الملائكة يزورون غرفة أبي - قصة



 الملائكة يزورون غرفة أبي - قصة


كمال مصطفي جاد


**

يتخاصم أبي وأمي فأصبح أنا -علي الفور - همزة الوصل فعندما يريد أبي الكلام معها.  يوجه لي الكلام فأنصت مرتبكا بدهشة لعدم الفهم أحيانا وهكذا أمي.. نتناول طعامنا صامتين مع إرسال رسائل اللوم والعتاب والتقريع - بينهما - مذيلة باسمي.. لاضحكة.. لا قفشة. صمت تام..

يفجأنا جدي ﻷمي بزيارة فينقلب الحال.. يرفع الخصام كضباب تضربه  الشمس فجأة. تنطلق الضحكات بينهما  أسراب طير من أوكارها... البشاشة وأطايب الطعام تخرج تتحول أمي فراشة يسكرها الضوء.. يسألها جدي عن الحال فتحمد الله مهللة علي نعمه الكثيرة فيتهلل وجهه  قائلا :
- ربنا يريح بالك يابنتي  زي ما أنت مريحاني ...فعلا أنت العاقلة اللي في عيالي ..الله يريح قلبك .

ينهض جدي للخروج فيحثه أبي وأمي علي العشاء لكنه يصر علي الخروج لبعض شأنه يهمس ﻷبي ليوصيه بها فيشير أبي لعينيه ممتنا.

وماإن يخرج جدي حتي ينزل صقيع الصمت والبرود مرة ثانية وأنا في دهشة من أمري.

بعد انتهاء حصة التسميع أنادي الشيخ هامسا:
- ياشيخنا أزاي نصلح بين اتنين متخاصمين 
يصمت الشيخ قليلا ثم يسألني : 
-في المدرسة ؟؟ أم في  مكان آخر ؟؟
أهمس وعيوني في اﻷرض - في البيت ياشيخنا 
يفهم  .. يصمت ثم يقول بصوت خفيض كأنه يلقي  سرا  : 
- عليك بالقرآن فانه شفاء للصدور وعندما تقرأه تأتي ملائكة الصلح لتصلح بين المتخاصمين ...إقرأ ماتحفظ بقلبك  قبل نومك  
-  وأعرف إزاي  ان الملائكة جاتنا ؟؟!
يضحك الشيخ فتنمحي  التجاعيد  :
- لاعليك ... يابني .. لمجيئها علامات .. وأحوال.. وتغير حال الي حال .

يتركني الشيخ وهو يدعو لي وﻷبي وﻷمي ولسائر المسلمين .

عندما أنهي واجبي، وأخفض شريط اللمبة وأدخل تحت اللحاف ، أتلو ما أحفظ حتي أغفو فأصحو علي صوت أمي توقظني والحال هو الحال فأهم بسؤالها لكني  ابتلعه  وأتساءل لماذا لاتأتي الملائكة ؟؟!!.. ربما لضجيج وشجار  إخوتي الصغار قد افزعهم فلم يزورونا الليلة  !!!
في الليلة التالية أطلب منهم الصمت التام ثم أتلو  ما أحفظ.. يتراءي لي أن غرفة أبي يزداد نورها.. أسمع همسا.. كلمات مبتورة ..  بسملة .. صلاة علي النبي ..ابتسم... ﻷن  الملائكة اﻵن يصلحون بينهما اﻵن  ... سأحرص علي شكرهم عندما يهمون بالخروج .. فجأة أسمع ... وشيش  الماء في الجردل الكبير فوق بابور الجاز وصوت الكباس يعلو فيسخن الماء . 

ربما أمي  تصنع لهم شيئا كواجب للضيافة قبل الفجر
أترقب ... أصحو علي صوت أمي الرائق كنبع. توقظني بحنان وهي تخرج من غرفتها تمشط شعرها المبتل ... أسالها 
-مشوا  ؟؟
يفجأها السؤال 
- مين اللي مشوا  ؟؟!!!
- الملايكة .. أصل انا قريت  عشان  يزورونا ويصالحوكم علي بعض .. أنا عايز أشوفهم..
علامات الدهشة والبشر علي وجه أبي 
تسرع أمي لتحضنني قائلة - هم مشوا .. لكن سابوا لنا واحد هنا ... 
- فين؟؟!!
- في حضني أهو .... ربنا يبارك فيك ويحرسك من كل شر .قوم يللا ...انا عاملة لكم رز بلبن ساخن 
وأتت أول طبق. 
تلتفت ... لتجد أبي يضحك ضحكا شديدا فتضحك معه وتضربه بمزاح علي صدره 
- شايف .. الولد ... بيفكر ازاي  عشان يصلحنا ...  كبر الولد ..

تمر اﻷعوام والسنون فأعرف أن هناك أشياء أخري تصلح بين المتخاصمين في سرير واحد .. 

تموت اﻷم ويتبعها اﻷب، تتبدل الدنيا.. يتغير البشر لكن كلما أدخل غرفة أبي وأمي.. أشم عبقهم الطيب..  فأتوقع أن أري الملائكة .


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء