اسراء عبوشي: نافذة الحياة



نافذة الحياة


الكاتبة : اسراء عبوشي



إنها نافذة تطل على الحياة، لكن ما جدواها وقد أرهقته الأوجاع، وأخذت الروح للنهاية، تطوف في آخر المشوار الأماني حول الرجاء داعية بالرحمة، ملبية لابتلاء القدر بالرضا، كل شيء يتلخص برحمة رب السماء.. في النهاية .

حسان شاب في العقد الثالث من عمره، أصيب بذلك المرض الذي يفتك الخلايا، ولا يأخذ الروح الا بعد رحلة علاج منهكة، يُرى فيها الموت مراراً، يلوح من بعيد، فلا هو آت ولا هو مختفيٍ .

اقتصرت الأقدار ما حاكته الأحلام بلحظة، حينما أخبره الطبيب انه مصاب بالسرطان،  وليس أمامه إلا الخضوع لعلاج طويل في المستشفى، صفعة ضربت خطوات اجتهاده التي كان سيكللها عما قريب بالنجاح بمشروعة الذي أمضى لأجله سنوات من التعب والجهدر فجأة لا يريد إلا الشفاء، ولا يربط حياته إلا برحمة الله التي يراها تطل عليه كلما اقترب منه، في لحظات الشدة لا يشفي إلا قول ( يا رب )، امسك بالمصحف وأخذ يقرأ في آياته ليطمئن قلبه، ويريح باله المجهد من التفكير بالعملية المرتقبة التي حذره الأطباء من تدني نسبة نجاحها، لكن لا خيار عليه أن يجازف لينهي أوجاعه، في كلا الحالتين سيتخلص من الآلام، سواء بالنجاة أو بالموت .

نظر لجواره فرأى أمه تضع رأسها على جانب سريره، مغمضة العينان، هي لا تنام أعياها الحزن على إبنها، ومهما تجلدت بالصبر الجميل لا تستطيع أن تخفي تفطر قلبها على إبنها، مطلوب منها رغم قلقها أن تظهر له ابتسامتها ولو خالجتها دموع العيون، عجزها على مد يد العون لأبن ساعدته ليكون وليشتد وليصبح رجلاً، لكنه الآن لا شيء أمامها، لا شيء يمكن أن تفعله لتدفع عنه الموت  إن آتاه، ليت المرض يستشيرنا حين يأتي، منّ يختار ؟ أم تموت كل لحظه وهي ترى إبنها يتعذب أمامها، ويخاف الموت، أم يختارها ويترك إبنها يكمل أحلامه بالحياة، ينال ما نالت من زواج وإنجاب.

وكم يؤلمها الخوف بعينيه، ما زال الخوف عالق من أثر المفاجأة، يطرق مسامعه خبر مرضه فيهز عالمه، قبل أن يسقطه طريح الإستلام، فكيف بين يوم وليلة يستوعب أن بداخل جسده الفتيّ مرض يفتك بخلاياه، وخوف من الموت فشتان بين ضمة صدر الأم وضمة موحشة  بالقبر، يبعد نظره عن وجه أمه الذي يجد الأمان بتقاسيمه الطيبة، وينظر للنافذه حيث ضوء الفجر يأتي من بعيد، معلناً ميلاد يومٍ آخر، توالت الأيام يحمل روتينها الأرهاق لجسده، أيام متشابهه طويلة فر منها الأمل، وكأن النور القادم يستثني البعض . 


ناداها : أمي 

أجابت مسرعة واللهفة تشع من عينيها 

: نعم ما بك يا بني 

: نمتِ ؟

: لا إنا معك يا عمري ؟ 

: أعرف أني عمرك , وأنا حزين إن عمرك فيّ قصير، ستنتهين معي وإن أكملت حياتكِ، ما يحزننا برحيلي أنتِ يا أماه ، يحزنني ألمك على فراقي،  فعديني أن لا تبكي .
ردت والدموع تنهمر من عينيها : بعد الشر عنك أنا ولا أنت إبني .

: بل أنا لأسبقكِ وأبني لكِ قصر الحمد .

: هناك أمل أشعر أن العملية ستنجح . وتتعافى وتبقى لجواري ولن تتركني، فقط قل يا رب .

: يا رب

: نم يا بني لا ترهق نفسك إني أودعتك للرحمن .

يكتمل دخول نور الشمس ليملأ الغرفة اشراقاً، يتلفت بأركان المكان وكأنه يودع النور، ولا ينتظر القادم منه  . 

آتى موعد العملية، دخل عليه الممرض ليجري له آخر الفحوصات ويجهزه للعملية وقد كان ممسك بالمصحف بين يديه، قال لأمه : أكملي عني هذا الجزء من القرآن الكريم , فأن فارقت روحي جسدي سأكون قد أنهبت ما بدأت، لا أريد أم باكيه تسقي ابتلاء الله بالعجز , بل أريدها باسمه تودعني ببسمة كما استقبلتني عند قدومي للحياة ببسمة , قد أخاف من الموت والقبر والحساب , أشغلتني الحياة عن تمام العبادة، لا نفكر بالطاعات إلا عندما لا يصبح معنا وقت، كل جهدي زائل، لكني كسبت شيء واحد هو رضاكِ يا أمي . 

: الله يرضى عليك وتخرج لي بالسلامة .

نظر للنافذة ولجدران المستشفى وللمريض الذي بجواره، نظر لكل شيء بتمعن قد تكون آخر ما يراه  بالحياة من صور 

ثم قام الممرض بنقله لغرفة العمليات، وأمه تجري خلف السرير الملقى عليه، وتقول : بالسلامة يا بني يا رب، الله يرضى عليك ويرجعك لي بالسلامة .

وصلت لمدخل غرف العمليات وهنا غاب عن الرؤيا، فحضنت المصحف وانهارت على الأرض، وبعد أن استعادت وعيها فتحت المصحف واكملت ما بدأ حسّان، والدموع تتساقط على الصفحات، وتبلل الآيات الشريفة، أنهت الجزء الذي بدأ فيه حسّان، ثم دعت: لا تحملني ما لا طاقة لي به يا رب، سيخرج إبني سالم وسيتعافى هذه ثقتي بالرحمن، فمنذ أن رحل والده وأنا أضمه لحضني وبأنفاسه كل الحياة، عشت له وعشت به، وهو ليس ابن إنه روحي التي تسري بجسدي، فيا رب لا تحرمني منه . 

مر الوقت وكأنه عجز عن المسير، ما بال الدقائق تصبح ساعات ؟ّ! .
هل تجمدت ساعة  الزمن ؟ !.

وبعد إنتظار طويل رأت من بعيد عبر نافذة باب غرفة العمليات الطبيب يخطوا نحوها , وأسارير الفرح بادية على وجهه، في ملامحة رسالة إطمئنان، فتح الباب لكنها غدت وكأنها مخدرة أمامه، تلجم لسانها تماما، فقال الطبيب : الحمد لله حققنا اليوم إنجاز طبي هائل بنجاح هذه العملية المعقدة الصعبة .

سجدت الأم شاكرة لله، ثم لحقت الطبيب تسأله عن وضع إبنها ومتى ستراه، شيء من الإرادة الحياة جذبه ليعيش ويرفض الموت،  قد يكون أمه بدعائها وحاجتها له، وقد يكون نور نافذة الحياة ما زال يغريه بالمزيد، لكن فوق كل هذا وذاك  ( رحمة الرحمن ) . 




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء