محمد حسن: 7 شارع فريد شوقى - قصة



7 شارع فريد شوقى


بقلم: محمد حسن



   صمت رهيب يشبه لحظات ماقبل رفع الستائر وبدأ العرض.. صمت لا يقطعه إلا أصوات الرياح والأمطار التي تهطُل بين الحين والآخر كطفلٍ عابث بجرس الباب لدي جيرانه!.

  العاشرة مساءًا، غرفة مظلمة اللهم إلا هاتف محمول في يد الجالس القرفصاء علي سريره..
  الهاتف يهتز فجأة بإشعارات جديدة "notifications" علي موقع التواصل تويتر رسالة خاصة من عصام "هنتقابل في شارع عبد العزيز فهمي بعد ساعتين ".

 - تمام

-  انا همسح الرسايل وانت كمان سلام.....!
   انتهت المحادثة، وضع رأسه تحت الماء حوالي نصف الساعة، جفف شعره وجسده جيدًا، ارتدي ملابسًا خفيفة، جهّز حقيبته، الساعة وصلت الحادية عشر مساءًا بالتمام والكمال، جلس يستمع إلي بعض الموسيقي الكلاسيك قبل أن يغمض عينيه ويذهب في إسترخاءٍ تام، انتهت قائمة التشغيل أو الـ "play list" بعد نصف ساعة، خلع سماعة الأُذُن وانطلق نحو شارع عبد العزيز فهمي.....

   دقيقة واحدة قبل إنتصاف الليل في عروس البحر المتوسط، هكذا يظهر دائمًا في دقة تخرجه من عباءة المصريين، الثانية عشر تمامًا ظهر عصام وتبادلا التحية، ثم ذهب الإثنان إلي مقهي قريب، جلسا سويًا وتناولا القهوة ثم غادرا سريعًا، وصلا إلي لسان سيدي جابر، فتحا حقائبهما، أخرج كلاً منهما بدلة ونظارة للغطس، ارتديا البدلتين ثم قفزا نحو البحر في الواحدة بعد منتصف الليل، وصلا إلي لسان جليم في الثانية والربع ثم خرجا، وأختفي كلاً منهما في طريقه، مر أسبوع علي نفس الحال، غير أن مكان المقابلة كان يتغيّر في كل مرة، وفي اليوم الثامن تقابلا مبكرًا، في شقة صغيرة لدي عصام في أبي قير، جلسا يشاهدان نشرة التاسعة علي القناة الأولي بشغف، وبالتحديد النشرة الجوية، إستمعا إلي خبير الأرصاد الجوية وهو يحذر من النوة في الإسكندرية، تزامنًا مع بدء هطول الأمطار كما يبدو المشهد من النافذة الصغيرة، قفزا حتي كادا يصلا إلي السقف  وكأن خبير الأرصاد قد أحرز هدفًا علي طريقة أبو تريكة في الدقيقة 90 !.

غمرتهما السعادة لأن الخطة تسير بشكل أكثر من رائع

-  علي بركة الله ، إحنا كده اعتقد علي ما يرام وهنتحرك في ميعادنا الساعة 1 بالليل يعني خلاص كلها ساعات..


-   يضحك كريم كما لم يضحك من قبل ثم يرد : علي بركة الله ! انت طالع عُمرة

-   مش وقته ، يالا يادوب نريح ساعتين عشان نتحرك.


ذهبا في نومٍ عميق وبعد ساعتين ارتدي كلاً منهما بدلته، والق عصام نظرته علي الخريطة قبل التحرك، وبالفعل في الواحدة نزل الإثنان إلي الشارع والمياه قد غطت ارتفاع اكثر من مترين ونصف وهو ما كان يتوقعه عصام كما أشار إلي كريم الذي كان يريد الضحك لكنّ الظرف لم يسمح وعصام سريع الغضب فأسرها في نفسه مؤقتاً  تحركا بهدوء، ثم قفزا في الماء، لحسن الحظ كان الشارع يبدو خالياً من البشر، وكان عصام مستمتعاً بالعوم في الشارع أكثر من البحر، كريم كان يبدو عليه أيضا جانب كبير من الكوميديا لكن بعد نصف ساعة من العوم أشار كريم إلي عصام بالتوقف !
وبالفعل توقف وخرج من تحت الماء....

-   في إيه يا زفت

-   تقريباً جالي شد عضلي

-   جالك إيه ؟.. أُمال بقالنا أسبوع بنتنيل نتدرب علي إيه ؟

-  معلش بس 5 دقايق ارتاح وهرجع أكمل، بس شفت قاعدة الحمام اللي كانت ف أول الشارع، ولا كان في عشرة جنيه كنت هموت وامسكها بس جريت من تحت إيدي كان عليها قلب وسهمين أحمد وسها.


-   ياعم الله يقرفك حمام إيه وسها إيه، الوقت بيجري، هعملك شوية تمارين عشان تتنيل تكمل خلاص مش فاضل كتير.....

   وبالفعل أكملا المسيرة، وصلا إلي سيدي جابر في حدود الثانية والنصف، صعدا إلي المنزل بصعوبة بالغة كان الدور الأول ملئ بالكراكيب والأخشاب..

-   هو صاحبك دا كان بيطلع في العادي إزاي أصلاً ، ثم يصدر صوتاً يعبر عن ألم مفاجئ : في خشبة دخلت في رجلي

-    يقاطعه عصام بعنف : اسكت خالص

   يصعد عصام بحذر حتي يصل إلي الدور الثالث ، باب متهالك مفتوح ، شقة غريبة ، كأنها مأوي للأشباح ، قطع أثاث يبدو عليها الإنهاك والحزن ، عصام يشعر بالإنقباض ، لكنّه مُصر علي المغامرة ، فجأة ترتفع أصوات جماعية تردد "سنة حلوة يا جميل" ولا تزال ترددها ، عصام يتسمر مكانه ، يصيبه الذهول ، لكنّ الذهول كان أرحم من القفا الذي أُصيب به فجأة وبمنتهي القسوة ، نظر حوله فوجده فريد شوقي ينظر إليه شذراً ثم قال : إلا هي سبحتك فين يا معلم.

   تذكر ذلك المشهد الشهير من الفيلم ، فكر أن الشفرة هي ما قاله زكي رستم وقتها : الله أكبر
فقالها لفريد شوقي 

فأعطاه القفا التاني وتكرر الأمر عدة مرات قبل أن يظهر كريم ووجه متورم

يسأله عصام بإنهاك : إنت كنت فين

كنت في الأوضة التانية زكي رستم لسعني 100 قلم علي وشي !

-   قولي إني بحلم وإن دي تخاريف الميد تيرم.


-  والدم اللي علي وشك دا إيه ، بلاش وال 100 قلم اللي طرقعوا علي خلقتي جوه دول إيه ........
   كان الوقت قد تخطي السادسة صباحاً ، صعد غفير يبدو علي وجهه الطيبة وكان مبتسماً ثم قال : هو عملها فيكم.

دي خامس مرة تحصل ، الواد دا زي الشيطان معرفش بيجيب المغفلين زيكوا منين ، بس مابيوقعش إلا الطماع ....

يقاطعه كريم : إلا قولي ياحج هي العمارة دي إسمها إيه..


-  دي إسمها عمارة فريد شوقي وبقالها 100 سنة ع الحال دا ، أي حد يعدّي جنبها من بعد 12 يسمع أصوات غريبة ، وكل اللي يدخولها بالليل يحصله اللي حصل معاكوا، أصل صاحبها كان بيحب فريد شوقي ، حتي كان معلق صوره ف كل حتة !.
هو مين اللي ضربكوا معاه المرة دي ؟

-  زكي رستم ياحج
-  حظك وحش جدا ، دا إيده تقيله في ناس طلعلها الشويش عطية وناس طلعلها محمود فرج ، بس الغالب اشتكوا من زكي رستم.

يالا يابني حظكوا كده معلش ، بس دي اخرة الطمع والجشع..

ينزل الثلاثة معاً ، يجر عصام خيبة أمله في تكوين ثروة ونهب دولارات صديقه التي اودعها في المنزل..

يظل كريم واضعاً يده علي وجه صامتاً ، والجميع يضحك علي ملابسهم في الشارع.....
بس عارف يا عصام ، الموضوع دا فكرني بقصة عقلة الاصبع بتاعت 5 ابتدائي..

-  انت تاني اسكت الله يخرب بيتك ما هو التعليم دا هو اللي بوظ الحكاية ، يدخل الاثنان في نوبة من الضحك الهيستري ثم ينصرفا حتي يختفي كلا منهما عن الانظار..!


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء