رانيا المفتى: موقف إنساني



موقف إنساني

بقلم: رانيا المفتى 


***

الخريف بدأ، كم أكرهه.
كانت أوراق الشجر تتساقت بكثافة مع رياح منتصف الليل..
أعلم ما يدور بذهنكم، ماذا تفعل فتاة مثلي في الشارع بمنتصف الليل؟ وبالأخص ببلد غريب وبعد الأحداث الأخيرة.

لو كانت أمي هنا، لسمعت منها درسًا في الأخلاق. "البنت المحترمة لا تظل خارج المنزل بعد العاشرة" إن عرفت إني أغادر المنزل في منتصف الليل، بالتأكيد ستصاب بجلطة ما.

مازلت أتذكر الليلة الأخيرة.. التي اضطررت بها التسلل إلى المنزل، كان قبل أن أغادر البلاد. أصدقائي أقاموا حفلًا لتوديعي، وكنت أعلم أني لن أعود إلى البيت قبل الثالثة صباحًا. عقدت اتفاقًا مع أبي أن يساعدني في التسلل، على أن أعود قبل موعد الصلاة. سينكشف أمري إن لم أكن بالمنزل حين تصحو أمي، وتوقظني معها؛ لندعو الرب أن يغفر لنا، ويرحمنا، ويهدني عن أفعالي الغريبة، ويهدي أبي لأنه لا يصحو معنا للصلاة، وأن يكافئنا على صبرنا وصلواتنا بإدخالنا الجنة. 

أمي تفعل كل شيء آملة في حياة أحسن بعد الموت، شيء لم أفهمه قط. كنت أرى في عيني أبي عدم الاستيعاب لأفعال أمي، ولكنه لم يتذمر. عندما غادرت البلاد للدراسة، لم تمانع أمي بالقدر المتوقع، باختفائي، تتخلص من التجسيد لفشلها لتربيتي.

اشتدت الرياح، كسيت رأسي بالوشاح الشتوي، الآن لن يتعرف المارة علي، على أني مغتربة. لون بشرتي وشعري يكشفان حقيقتي؛ أني لست من هذه البلد. في الماضي.. لم يكن أصلي عقبة في معيشتي هنا، كان الناس يرحبون بي، ويستقبلونني بالكثير من الأسئلة عن بلادي البعيدة وثقافتي المختلفة. كان أصدقائي يعرفوني على الناس بفخر، فهم أصدقاء لفتاة العالم الأخر، وجودي بينهم كان يعطيهم مرتبة أعلى من الثقافة لسبب ما. لكن بعد أن اندلعت الحرب في بلادي، وجاء أبناء عرقي يتوافدون على حدود موطني الجديد، تغيرموقفي.

تغيرت نظرات الغرباء لي، بعد أن كنت الفتاة الأجنبية، التي تضيف على مجتمعنا ثقافة جديدة.. أصبحتُ "الفتاة اللاجئة التي جاءت تسرق أرضنا" كأني سأقتحم بيتهم في يوم ما، وأسرق طعامهم وأتركهم يموتون من الجوع. يتحامون بخطوط وهمية رسمت على الخرائط، يلقون عليها دول، ويفرقون بين الناس حسب حظهم بموقع ولادتهم. يحددون من له الحق في دخولها ومن سيمنع من نعيمها، كأن الأرض ملك لهم وحدهم. لا يرون أننا جميعًا ولدنا على هذا الكوكب البائس، وأن في يوم ما، ليس ببعيد، كانوا هم من يتوافدون على أراضي "غيرهم" هربًا من بطش حكامهم.

 موقفي بين أصدقائي لم يتغير بنفس السرعة. في بادئ الأمر لم يكترث منهم أحد أن أبناء بلدي يملئون مخيمات اللاجئين حول المدينة، حتى من كان يرى في وفود اللاجئين كارثة، لم يكن يرى في وجودي كارثة، فأنا هنا للدراسة، ولست لاجئة، كأني سأعود من حيث أتيت عندما تنتهي دراستي.

مع تصاعد أحداث العنف في بلادي الجديدة، تصدر أهل موطني الأصلي قائمة الاتهام. لأنهم هم من جائوا من بلاد حرب، وهم من يحملون نفس ملامح الجنود التي تنشر الفساد في البلاد البعيدة. فبالتأكيد طبيعتهم ومجتمعهم ودينهم يحضون على العنف على عكس المجتمع المتحضر الذي لجؤوا إليه. كأن ذلك المجتمع لم يكن يقاتل بعضه البعض منذ أقل من قرن، ولم يرتكبوا جرائم ضد الإنسانية في معتقلاتهم القديمة. وكأن إضطهادهم لأهل عرقي، ومضايقتهم، واصطيادهم كالحيوانات في بعض الأحيان، تصرف طبيعي ومتحضر.

صغرت دائرة أصدقائي بالجامعة، حتى عزلت نفسي عن من تبقى منهم لكي لا أضعهم في موقف حرج. كنت أرى نظرات التخوين لكل منهم. بابتعادي انا قبل ان يضطروا لمقاطعتي في المستقبل، رفعت الحرج من عليهم. 

وصلت المتجر. كان الوحيد الذي يظل يعمل حتى هذا الوقت من الليل. العاملين به كانوا ينظرون لي نظرات تشكك عندما بدأت في التردد عليهم في أوقات متأخرة، ولكن بعد الزيارة الثالثة لي، وبعد تأكدهم أني لن أقتلهم أو أسرق البضائع، بدأوا يتعاملون معي بطمأنينة.

اليوم هو بداية عطلة نهاية الأسبوع، بالتأكيد هناك ثملين بالمتجر يبتاعون المزيد من الكحل لكي يزدادوا ثمالة. في حياة سابقة، قبل الحرب، كنت سأكون معهم، أحتفل بنهاية أسبوع شاق في الدراسة، وتحرري من وجودي بمجتمعي القديم الكابت للحريات الشخصية. ولكني الآن أعيش "بحذر" لا أملك رفاهية إذهاب عقلي وسط مجتمعي الجديد العنصري.

رآني أحد الثملين، وبدأ في مناداتي بالألفاظ المعتادة، لم أكترث بالرد عليه مما جعله يظن اني لا أفهم ما يقول، فتمادى في الشتائم، وبدأ في قذفي بمنتجات المتجر. عندها تدخل العامل وطرده هو وأصدقائه. 

انتهيت من اختيار متطلباتي، وذهبت للعامل لدفع ثمن الأشياء.
بدون أن أطلب، وضع علبة سجائر ضمن المشتريات، إشارة منه أنه يعلم من أكون وماذا أبتاع. ثم نظر لي بتفحص وقال بلغته الأصلية: "عليك أن تأتي في أوقات مبكرة، الشوارع ليست آمنة بالليل، فالثملين لا يدركون ما يفعلون ويمكن لأحد أن يؤذيك."
إشارة أخرى انه يعلم أني لست لاجئة.

ابتسمت قائلة: "الثملين لهم عذرهم، فعقلهم مغيب، في الأوقات البكرة، لن أجد عذر لباقي الناس"
أخذت أشيائي وغادرت.

سلكت طريقًا مختلفًا، تفاديًا لاحتمالية أن يكون من قابلتهم في المتجر يعرفون طريق عودتي. لم أكن بحالة تسمح بالركض أو المشاجرة.

مررت بجانب حديقة أطفال، ولحظي، كان هناك مجموعة جديدة من الثملين. لم أنظر ناحيتهم وأكملت طريقي بخطوات ثابتة. عندما سمعت أحدهم ينادي.

-"انظر هناك، إنها تلك الغجرية التي نراها في الجامعة"

وسمعت خطواتهم ورائي، ولكني لم أنتبه إليهم، عندما شد أحدهم وشاحي.

"كنت تظن أنك تختبئين وراء هذا الوشاح" 

لم أرد..

"لا تدعي الغباء، أعلم أنك تفهمين ما أقوله. سمعتك تتكلمين لغتنا مع أساتذة الجامعة بكل وقاحة".

لم أرد

"لم أرك منذ فترة في الجامعة، هل تنوين الرسوب حتى لا تضطرين للعودة لديارك؟ ولكي تظلي "لست لاجئة" كما تدعين"

لم أرد..

عندها نفذ صبرهم لصمتي, ودفعني أحدهم فسقط على الأرض، وسقطت أكياسي.

"لا تظني أننا سنكون رحيمين بك لكونك فتاة، فكلكم غجر، همج، مرض انتشر بيننا"
نظر أحدهم للأخر "ماذا نحن فاعلون بها؟ هذه فرصة لن تعوض. لن يفتقدها أحد، فهي بلا عائلة، عكس باقية الغجر في المخيمات."

ثم بدؤوا بركلي بأقدامهم، لا أعرف كم من الزمن مضى وهم يركلونني. سمعت صوتًا من بعيد يأمرهم أن يتوقفوا، ثم صوت أقدامهم وهي تركض مبتعدة، ورأيت وجه ما مألوف يسألني إن كنت بخير، ثم.. ظلام.

***

تتشابه غرف الطلاب في تصميمها، حتى ظننت أني استيقظت في غرفتي، ولكن سرعان ما أدركت أني بغرفة غريبة. على المكتب كان يجلس شاب يقرأ، عندما لاحظ استيقاظي توجه نحوي بحذر.

"نحمد الله على سلامتك، هؤلاء الثمالى كادوا يقتلوك"

كنت أنظر حولي بارتياب.

"إصاباتك لم تبد خطيرة، فقررت أخذك إلى غرفتي بدل من المستشفى، لم أكن اعلم إن كانت المستشفى هي الخيار الأنسب في هذه الظروف. كدت أندم على هذا القرار، ولكنك استيقظت أخيرا"

"كم من الوقت مضى؟"

"قرابة الإثنى عشر ساعة"

"يجب أن أذهب"

"لا تقلقي بشأن البحث، لقد تحدثت مع الأستاذ وشرحت له ما حل بك الأمس، هو سيعطيك فرصة حتى تتعافي"

لم أفهم ماذا يقصد، فأكمل شرحه:

"رأيتك من قبل في المحاضرات، وأعلم أن برغم من تغيبك عنها الآن، أنك مازلت مواظبة على الدراسة، فتحدثت مع المحاضر"

"لماذا؟"

"لا أفهم"

"لماذا فعلت ذلك؟ لم تكن مرغمًا على شيء"

ارتبك ولم يرد، فأكملت قائلة: "لا أحتاج معاملة خاصة من أحد، كنت سأسلم البحث بعد ميعاد التسليم، وأخسر درجات التأخير. أما عن مساعدتك لي مع هؤلاء الثمالى، فأنا شاكرة لها، ولكن لم تكن مجبرًا على أن تأتي بي إلى غرفتك، كان يمكنك أن تصل بالإسعاف وتنصرف"

"ما فعلته هو الموقف الإنساني الطبيعي، أعلم أن شعبي الآن ينادي بطردكم، ولكني لا أرى أن هذا هو الخيار الصواب، ولست الوحيد، منا من مازال به فطرة إنسانية" 

"هل تظنني بالغباء الذي يقودني لتعميم تصرفات بعض الحمقى على شعب بأكمله؟"

"لم أقصد ذلك، فقط.."

"فقط أردت أن تكون مثال للإنسانية، ما فعله الثمالى هو أيضًا مثال للإنسانية"

"كيف تقولي ذلك"

"الإنسان يقاتل ويذبح منذ أن وجد على الأرض، في الحقيقة، لم يوجد وقت بدون حروب في بقعة ما على هذا الكوكب، بإطلاقنا على العنف بأنه فعل غير أدمي، تهرب من الواقع"

"فأنت تؤيدين أعمال العنف في بلادك؟"

"لم أقل ذلك، العنف ستظل منبوذة، ولكنها متوقعة. نحن في حرب."

"ولكن مجتمعي بعيد عن الحرب، الأشخاص الذين هاجموك بالأمس لا يمكن وصف تصرفهم ب"المتوقع""

"كلنا في حرب...فقط لأن من يقتلوا ينتمون لأراض أخرى غير أرضك، هذا لا يعني أنك بعيد عن الحرب. عندما تستوعبون ذلك، ستفهمون أننا لا نحتاج شفقة منكم، لا نحتاج معاملة خاصة، فقط نحتاج لحقوقنا، ونحن مستعدون أن نؤدي واجباتنا. الإنسانية، كما تقولون، بأكملها في حرب. أنت لم تفرق عن الثمالى في شيء، كلاكما تريان أن وجود شعبي هنا أمر غير مألوف، وأمر مؤقت، سينتهي في يوم ما وتعود الحياة كما عتدتموها، الفرق الوحيد بينك وبينهم أنك ترى الأمر المؤقت مرغوب فيه، وهم يرون أنه يجب أن ينتهي بأسرع وقت."

لم أعطه فرصةً للرد، حقيبتي وأغراضي كانوا بجوار باب غرفته، أخذتهم محاولةً إخفاء الآلام التي انتشرت في كل جسدي. فتحت الباب. نظرت له قبل أن أغادر قائلة:

"لا تسئ فهمي، فأنا ممتنة لمساعدتك لي، ولكن كما قلت، لم تكن مرغمًا على فعل شيء."

ثم غادرت.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء