عمرأحمد سُليمان: قراءة لرواية "زهور هيروشيما" لـ إديتا موريس




قراءة لرواية "زهور هيروشيما" لـ إديتا موريس
ترجمة: محمد مصطفى غنيم


بقلم: الروائي: عمرأحمد سُليمان




نعومة الانتقام.. اللغة والتقنية






رواية رائعة، لم أود أن تنتهي أبداً..

جمال الأسلوب ورقته، وسلاسته، وحماسته، وإبداعه..

روائية استثنائية.. كتبتها بطريقة لم أتعرض لها من قبل..



أثرت فيَّ شخصياتها للغاية.. لدرجة أنني كنت أراهم أمام عيني بدون حتى قراءة الرواية..

أوهاتسو: الجميلة برشاقتها ومرحها وبراءتها، ورأفتها، ومُعاناتها، وكُرهها للأمريكان، وكل ما يتعلق بقنبلتهم..

هيرو: بأصالته اليابانية، ووسامته، ورقي أسلوبه، وحبه العُذري، ورومانسيته.. كملك ياباني صغير..

فوميو: بأدبه الجم، وهدوءه، وتفانيه، وألمه، وقوة احتماله، وفناءه البطيء..

سام: بمرحه الأمريكي وانطلاقه وتأثره بجمال اليابان، وبساطة أهله وأدبهم وأخلاقهم، حيرته وتأمله وانطباعاته إزاء النكبات والفظائع، وتغيره التدريجي من الأمريكي المتغطرس اللامبالي إلى المتواضع الإنساني..

ميدا: بفنه، وحكمته، وتأثيره في الآخرين، وأثاره المُعلمة بكل مكان، سواء على حوائط المنازل أو في خُلد الشخصيات التي حوله، أو بمساعدته للفقراء ومُساهمته في رعايتهم..

يوكا: بذكائها وتلميحاتها، وذكرياتها المُرة والحلوة، ومسؤولياتها، وطفولتها ونضجها، وإبداعها، وحبها للطبيعة، وللحياة، وللبشر، واهتمامها لأسرتها، وحبها لزوجها وطفليها وأختها، وحُسن تدبيرها، وانتقامها الناعم في صورة وداعتها، واعتناءها، ورقة مشاعرها، وعناءها، وقتالها بشرف..

وكأنني أرى اليابان مُجسدة في شخصها.. قمة الرُقي والسمو والتفاني والشرف، والمثالية.. وهي ليست مثالية معصومة.. إنما تظهر الشخصية الإنسانية بأخطائها وحسناتها، تقصيرتها وتضحيتها في صورة الإنسان الكاملة، الذي ليس بملاك، ولا شيطان..



جو الرواية:

الياباني الصرف بكل إشراقه وجماله ومظاهره وعاداته ومناسباته وطقوسه الرائقة.. أشجار الكرز المُتناثرة أوراقها وثمارها في كل مشاهد الرواية تقريباً.. براءة اليابانيين وطفولتهم العبقرية المُترعة بالإنسانية، واحترامهم للغير، حتى لو لم يكن إنساناً.. قدرتهم على كبت مشاعرهم، وإشاعة السرور والبساطة فيما بينهم، برغم فداحة الأنغاص والخطوب والمصائب..



الرواية مكتوبة بحس أنثوي رقراق، وذكاء مُتناهي، وقدرة على الموازنة بين الأصالة والانتماء والولاء، وبين الانفتاح والإطلاع باحترام على مختلف الثقافات حتى لو كانت ثقافة العدو ومسببي النكبة..



* باختصار هي قصة امرأة يابانية متزوجة، تكتب بضمير المتكلم، برقة متناهية، بعد قنبلة هيروشيما بعشرون سنة، ساردة كوارث مدينتها التي تعيش فيها، داخل إطار من التردد والمنع والمواراة عن الضيف الأمريكي الذي يزور اليابان في مهمة عمل مُحتملة، بعد أن ترك الطب على غير رغبة والده الطبيب..فتدعوه لتأجير غرفة في منزلها، من باب رتق فقرها، فيستجيب من باب حاجته لرؤية اليابان الحقيقية..

الراوية تستخدم في سردها تقنية غاية في الذكاء والبساطة.. تلعب بالمواقف والأحداث المُباغتة التي تعمد فيها المرأة إلى تعريف الأمريكي على الحياة اليابانية الرائقة بعيداً عن أي منغصات قد تُكدره، فتُخفي علامات الاستفهام التي تسطع بوضوح أمامه، إلا أن الأمور تحتدم رغم إرادتها؛ لتُعلن مُضطرة عن الحقائق والأسرار الكامنة والمخاطر المتجذرة والنتائج الواقعة التي خلفتها القنبلة، ولا تلبث في النهاية إلا أن تُصرح عن ولائها الحقيقي، وانتمائها الذي تفخر به، واعتناق هويتها كأولوية لديها, عن أي محاولة لطمسها لدى الأمريكي:

((وفجأة لم يعد الأجنبي يهمني في شيء. ما أعجب ذلك، فإنه منذ جاء وأنا أبذل جهوداً جبارة لكي أخدعه، وتحركت نحو هاردا، وركعت أمامها...))

وفي موضع آخر: (( أواه.. كم يشعر كل منا بأنه قريب إلى الآخر.. إننا الآن صنف خاص.. الصنف الذي أصابته الإشعاعات الذرية.. الصنف الوحيد من نوعه على ظهر هذه الأرض، إننا جميعاً أخوة وأخوات، جمعت بيننا الكارثة التي كنا ضحاياها دون ذنب ارتكبناه..))

وهو أسلوب سردي ينم عن مدى سمو اليابانيين المتمازج مع درجة انتقامهم.. فكل سياقات الأحداث تدل على خوف ومُراعاة وحُسن معاملة، في حين أن في باطن ذلك الانتقام والكُره وتغريم المسؤولية..

في الحقيقة أن الراوية كانت تُمارس الانتقام من أول لحظة في مشهد البداية، بلا تصريح مباشر ينم عن ذلك أبداً..

لا تعلن أبداً عن طريقتها في الانتقام، أنها تقصد إيلامه، بالمعرفة القاسية.. حتى عندما أصبحت قادرة على مُصارحته بواقع القنبلة بلا مواربة عزت عزمها إلى حجة معرفة الآخرين، في صورة مؤدبة ظاهرياً، لكن أكبر انتقاماً من معرفته وحده، ليكون ألمه الذي لمسه هنا وما عرفه من فظائع، رسالة مُوجعة وعدوى قاتلة تنقلها إلى أكبر شريحة من الأمريكان في موطنه..

((أماه.. سوف أذكر له كل شيء الآن.. لقد امتنعت عن ذكر اسمك الغالي لأحد كما تعلمين يا أمي العزيزة، ولكن سام أصبح واحداً منا الآن، ولا بد أن يعرف.. وعن طريقه سوف يعرف آخرون الأشياء التي حدثت هنا..))



* إذن الرواية بمثابة تحميل فاجعة هيروشيما بالكامل إلى الأمريكان.. نستخلص منها أن مَن يجب أن يتزوج الشابات المنكوبات هُم الشباب الأمريكان.. أن مَن يجب أن يُداوي المائة ألف الناجين من القنبلة عدا التشوهات المترسبة في دمائهم وأنسالهم هُم الأطباء الأمريكان..

أرادت الأخت الكُبرى تزويج أختها الصُغرى للأمريكي، لأنه وقومه سبب نكبتها، بتلك الدماء المُشعة المُشوهة، على عكس ظاهرها الغض الناضر.. لأنه هو الذي يتحمل مسؤولية مستقبلها الضائع ونزوع الشباب عن تزوجها.. لأنه يستحق نسل مُشوه بما كسبت يدى قومه..

وهي لم تُصرح بذلك إطلاقاً، بل على العكس عزت أسباب حلمها في تزويج أختها منه ليعم عليها الخير والنماء بما لديه من غِنى مادي وشخصي..

ولما انتهت آماله لدى الأخت الصغرى الجميلة العذراء.. نجد أن عواقب القنبلة تمتد إلى زوج الأخت الكُبرى عامود الأسرة، الراعي الأول والأخير.. وبطريقةٍ مسترسلة في الأحداث تنشأ علاقة ود وإعجاب وترابط بينها وبين الأمريكي.. بالتوازي مع انتهاء حياة المُعيل لها ولطفليها.. الأمر الذي يجعلنا نتساءل مَن يُنقذها من فقرها وعدمها؟.. فيكون هو في موضع معنوي يُفهم منه أنه الأقدر على ذلك، المُحتم عليه تحمل المسؤولية عن تسببه هو وقومه في نفق جسد الزوج، وهلاكه في عز شبابه.. وهو المسئول عن إسعاد تلك العائلة وإعالتها، والفناء من أجلها، مُقابل ما فعله إخوانه سفاحي الأجيال فيهم..

ولعل بعض الجُمل والفقرات تُلمح جيداً عن هذا النسق:

((يرقد في المستشفى بين الحياة والموت. ضحية من ضحايا ظلم الإنسان لأخيه الإنسان دون ذنب جناه أو جريرة اقترفها))

(( لماذا جعل الإنسان ـ الذي لا يستطيع خلق شعرة واحدة في ذيل السنجاب ـ من نفسه خبيراً في القضاء على الكائنات الحية ؟ ))

(( لو أن الفتيات الصغيرات رفضن إنجاب الأطفال، فإنهن سيكن أكثر قوة من الطيارين وما يحملونه من قنابل. فالطيارون ليس لديهم ما يُقدمونه غير الموت، في حين أن أمثال أوهاتسوا من الفتيات الضعيفات يحملن في أجسامهن بذور الحياة نفسها. الحب ))

وهكذا انتقمت من الأمريكي بالحب.. جعلته يُحبهم، ويتورط في عِشرتهم ورُقي إنسانيتهم، ومن ثم يتألم من أجلهم، ويهتز بقوة، وينفر من فعلة قومه.. وهكذا هو سمو الانتقام ونعومته..



* أظهرت الراوية بقوة، ملامح أنفة وشموخ على الأمريكان بصفات الحب والتربية والأدب لدى اليابانيين، يتجلى هذا المعنى بقوة في هذا المشهد:

((وابتسمت وأنا أذكر كيف حاولت أن أشرح لضيفنا الأمريكي كيف ينشأ الطفل الياباني على احترام أبويه احتراماً بالغاً يكاد يصل إلى حد العبادة.

وقال لي سام:

ــ ليس لدينا شيء كهذا في الولايات المتحدة، لقد كنت أحب أبي حقاً، ولكن هناك فرق كبير بين هذا الحب، وبين التقديس الذي تُظهرونه لآبائكم هنا في اليابان.. إنني لا أستطيع أن أفهم هذا الموقف.

وأخذت أُصور له الطريقة التي يُبدي بها الأبناء احترامهم لآبائهم في كل المناسبات وكيف يحنون رءوسهم أمامهم حتى تكاد تمس الأرض. ولكن رغم كل ذلك كان واضحاً أن سام لم يفهم أبداً هذه التقاليد التي تغلغلت جذورها في حياتنا منذ آلاف السنين.

والآن بينما نحن جلوس في هذا القطار المهتز، أنظر إلى هيرو الجالس في مواجهتي، أدركت أن هذه التقاليد تخصنا نحن اليابانيين وحدنا.))



* كذلك لاحظت محض الأدب وحُسن المعاملة البالغين يُرافق اليابانيين في كل أمور حياتهم، حتى في أحلك الظروف سواداً:

((كان يعض على شفتيه؛ ليمنع نفسه من الصراخ؛ حتى لا يُزعج زملاءه من المرضى في الجانب الآخر من الغرفة. إن فوميو مؤدب جداً، وقد كان دائماً مؤدباً جداً.))














شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء