داليا عادل: زمان.. ودلوقتي - الرحلة باختصار



زمان.. ودلوقتي..!

1.  الرحلة باختصار

بقلم: داليا عادل 

قررت أن أكتب مجموعة مقالات تحت عنوان "زمان.. ودلوقتي..!".

ليه يعني؟ أطلع مين أنا؟ وإيه اللي هاقوله هايفرق؟ وهايفرق مع مين؟
أنا هي أنا .. روح. وما قررت أن أكتبه هو رحلتي. ليس على أنها "الرحلة" كما يجب أن تكون ولا ألا تكون؛ فقط على أنها رحلة روح .. مسيرة مشيتها حتى هذه النقطة من الزمن. ما الفرق الذي ستحدثه ومع من؟ مبدئياً ستحدث فرقاً معي. كثيراً ما امر بمواقف الآن وأرقب فعلي ورد فعلي وأتوقف وأتذكر كيف اعتدت أن أفكر وأشعر وأتصرف منذ سنوات مضت عند مروري بمواقف مشابهة وأنبهر! لا أقصد مدحاً في ذاتي ولكن أنبهر من التغيير كماً وكيفاً وعمقا! لو كانت عرافة لقتني من سنوات ورسمت لي صورة روحي وملامح ذاتي في المستقبل – كيف سأفكر وأشعر وأتصرف – لنعتها بالجنون! سيفيدني أن أوثق هذه الرحلة لذاتي. ستذكرني بالكثير .. بما كنت وما أكونه الآن بكل ما يحمله ذلك من إمكانيات؛ بقوة القرار وأنه ما من جهد يذهب هباء؛ بالأمل في نفسي وفي غيري وفي الحياة .. مهما بدت اللحظة الحالية مظلمة ومفتقدة لكل مقومات الأمل؛ مازال هناك أمل. 

هذا غير أني أجد الكتابة وسيلة لاكتشاف الذات طوال الوقت. هناك فرق بين مقال مكتوب وحديث عفوي مع صديق. المقال يحتاج ترتيب للأفكار. ولكي أتمكن من ترتيب الأفكار أحتاج وضوح المفاهيم أو حتى الوعي بعدم وضوحها وإدراك الفجوات. وخلال حديثي الداخلي مع ذاتي قبل أن أضعه على الورق كحديث خارجي أعيد اكتشاف أعماقاً جديدة داخل روحي.

بالطبع أتمنى أن تساعد رحلتي مسيرة غيري مثلما أن الخطوات التي يخطوها آخرون تنير طريقي. فليتصرف الكون. لو أن رسالة تحتاج أن تصل إلى روح ما في مكان ما في وقت ما فستصل إليها. فقط أتمنى أن يستخدمني الله وأترك الأمر له.

طيب فكرة عامة كده؟ ايه شكل ال before وازاي أصبح ال after  وإيه النقطة أو النقط الفاصلة؟

التجربة الأساسية اللي شكلت وجداني كانت تجربة تحرش جنسي عميقة استمرت لسنوات الطفولة وأوائل المراهقة. اعفوني من تفاصيل التجربة احتراماً لذكرى بعض أطرافها الذين رحلوا ورحمة بالبعض الذين مازالوا على قيد الحياة ولم يعلموا بها. لا أريد تشويه صورة أحد في نظر غيره حيث أن جميع الأطراف كانوا في دائرة قريبة جدا.

أورثتني هذه التجربة الكثير. حزن .. ألم .. خوف .. وحدة .. غضب .. نظرة متدنية للذات.. والكثير غير هذا. وعشت بهذه التركة سنوات وسنوات .. الغالبية العظمى من عمري. أغلب سنوات عمري – حتى منتصف الثلاثينات – كنت شخصية كئيبة ومكتئبة وعصبية وحزينة وغير واثقة في نفسي وفي حرب دائمة مع ذاتي ولا أحتمل صحبتي ومفتقدة الحب ومتطلبة في علاقاتي وزنانة وقماصة ومتقلبة المزاج جدا ومن النقيض للنقيض ومتمسكة بالكمفورت زون (ده لو لقيت كمفورت أصلا) وأقبل على التجارب الجديدة بصعوبة وأعشق السيطرة control freak وغير متسامحة خاصة مع نفسي ومتعصبة لآرائي .. كفاية كده ولا إيه؟!

حاولت الكثير لأتعامل مع الحزن والغضب والنظرة المتدنية للذات على وجه الأخص. وعانيت من نوبات اكتئاب متكررة. وأقصد الاكتئاب كمرض يستلزم العلاج الدوائي والنفسي وأحياناً الإجازة المرضية وليس الاكتئاب ككلمة نطلقها مجازاً لنعبر عن سوء حالتنا المزاجية. 

انعكس كل ذلك بالطبع على حالتي الجسدية وكانت قمة صرخات الجسد تحت وطأة الحمل حين استيقظت في يوم غير قادرة على الحركة مع ألم شديد في الظهر وعلمت بإصابتي بانزلاق غضروفي. وكان الأمر مستغرباً جداً من الأطباء حيث سني صغير ووزني قليل ولم أقع ولم أصب في حادث ولا مررت بتجربة حمل وولادة ولا أي مسبب من مسببات الانزلاق الغضروفي. ولكنها الأحمال النفسية. وفهمت لاحقاً في الحياة علاقة نوعية المشكلات والمشاعر التي كنت أعاني منها بمكان ونوعية الإصابة من وجهة نظر علوم الطاقة. لم يستجب جسدي للعلاج الدوائي والطبيعي لمدة ثلاث سنوات تقريباً ولا تحسنت حالتي بعد العملية. وساءت حالتي النفسية للغاية بعد العملية نظراً للتوقعات العالية التي رسخها عندي الجراح مقارنة بحالتي بعد العملية وما صارحني به الطبيب: احنا عملنا العملية عشان ماتتشليش بس لازم تتأقلمي مع الألم.

في هذا الوقت بدأت ممارسة اليوجا لأسباب جسدية بحتة – تحسين حالة ظهري وتخفيف الألم. ولكني شعرت من أول مرة بتأثيرها على حالتي العصبية والنفسية واتخذت قراراً أن أنتظم في ممارستها حتى لو لم تساعد على تحسين حالتي الجسدية. من يعرفني الآن يعرف أني أقود دراجة وسكوتر وأتسلق جبال وباتنطط وباروح وباجي ولا يعرف أني في مرحلة من الحياة – وكان المطلوب أن أتأقلم على نمط الحياة -  كنت أجلس لمدة 15 دقيقة ثم أقف خمس دقائق وأمشي عشر دقائق وأستلقي عشراً وهكذا. ركوب الخيل والدراجات والجري والهري والتنطيط اللي أنا فيه ده لم يكن في الصورة.

ممارسة اليوجا والتامل بانتظام لعبا دوراً أساسياً في "تحولي". أذكر أني كنت أعمل مع بعض القيادات في إطار مشروع كنت أديره ثم توقف العمل بضعة شهور كنت أمارس اليوجا والتأمل خلالها. ثم عدنا للعمل سويا وكان تعليق أحدهم: هي دي أستاذة داليا بتاعة زمان اللي كانت بتشخط وتنطر؟ انتي اتبدلتي!

ورغم أن التغيير كان بادياُ إلا أنه لم يكن عميقاً للدرجة التي تساعدني على التعامل مع كل التحديات والأفكار والمشاعر المترسخة من سنوات الطفولة. كانت بداية قوية إلا أنها لم تمنع محاولاتي الانتحار. آخر محاولة – من حوالي ست سنوات – كانت بالفعل سيئة للغاية واستغرق الأمر شهوراً لأخرج من تبعاتها وأعود إلى ذاتي .. ليس ذاتي الحالية ولكن نفس ذاتي قبل محاولة الانتحار. ذات منهكة متهالكة غير مقبلة على الحياة تجر نفسها وأثقالها جرا ولكنها مسجلة على قيد الوجود. نعم طوال عمري ناجحة في دراستي وفي عملي ويتفاجأ الكثيرون عندما يدركون ما كان خافياً بداخلي تحت السطح – نفس نظرية الجبل الجليدي.

ولما فشلت آخر محاولة انتحار بذلت فيها أقصى جهد عندي أدركت انه لا مفر! طالما مش باموت يبقى لازم اعيش! طالما مكملين مع بعض – أنا ونفسي – لازم نوصل لصيغة للتعايش.

وهنا بدأت الرحلة الحقيقة من العمل. صحيح اليوجا والتأمل ساعدوني كتير بس كمان كان لازم جهد واعي للتغيير وإحداث النقلة النوعية بدرجة من العمق تضمن استمرارها وتأصلها حتى تتحول لأنا الجديدة بدلاً من كونها حالة مزاجية جيدة بعد جلسة تأمل مثلا.
وهذا ما أحب أن أشاركه معكم فانتظروني.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء