أحمد صوان يكتب: الرسائل (8)



الرسائل - 8 - الحفل ذاته





القاهرة- يناير 2016

العزيزة..
لا تتوقعي أن أُغيّر رأيي لأدعوك "عزيزتي" لمجرد أن هذا أول خطابات العام الجديد، لاتزال أبخرة الغضب تُصاحبني من العام السابق، لن أُشغل عقلي بمحاولاتك الصبيانية لإبهاري، كذلك لن تغلبني صورتك وأنت في قمة تألقك كما أحب، رغم أنها دفعتني للابتسام، في الوقت نفسه "وحشتيني" هي الكلمة المطلوبة بعيداً عن ثرثرة اللغة.

جاء العام الجديد بمصادفة طريفة جمعنا فيها الحفل ذاته، لم يتوقع أحدنا أن يلتقي بالآخر دون موعد يخلفه كالعادة، رغم الزحام الذي صادفت فيه عشرات الوجوه القديمة كان تألقك ما جعلني أتابع العيون المنبهرة حتى توقفت أمامك؛ ابتسمت بخبث وأنا أنظر لارتعاشة صدرك الخافتة -كأخرى مُقدسّة تبعث دفئاً أذكره- عندما انتبهتي لعيناي تُحيطان بهالتك البراقة، رغم غضبي راقني فستانك الأسود الذي أبرز ساقيك. قوامك الممشوق كفرس بعث دفئاً نشرته خصلاتك الطويلة التي انسدلت على فراء راقٍ. لم يروقني نسيانك لقرطك الضخم بقدر ما استمتعت بعنقك العاري، هالتني دقات كعبك العالي بموسيقاها الأنثوية.

 كانت الأفكار تتوالى مع الكؤوس وامتزاج الأدخنة، ضحكت عالياً عندما قرأت في عينيك موافقتي على عدم الرغبة في الجلوس وحدنا، لا أحد يدري مال الذي قد يحدث.. وقح!!، ربما، علاقتنا مزيج خاص من الجنون، تماماً كتلك الرقصة البارعة التي حاولت تعليمي إياها يوماً، لا أجيدها ولا أتذكر اسمها، فقط يروقني اقترابنا حتى نكاد نُصبح واحداً فأتأمل ارتجافتك، ثُم الابتعاد فجأة وكأني لم ألمسك يوماً؛ لا أثر للسُكر وأنا أنقر إليك هذا، فقط تذّكري أن هاروت وماروت قتلا من أجل امرأة.. ربما تكون جدتك.

كالعادة تركتك تبحثي في ملامحي بينما أغوص في صفة المُراقب التي لا تُثقل الكاهل، أتعلم المزيد يوماً بعد الآخر، أتجاهل الأمور تباعاً فتتخلص روحي من أثقالها القديمة، لكن هناك تلك الأشياء الرافضة التي لا تسقط بالتقادم.. في كثير من الأحيان تغلبني القاعدة، الكاتب لا صديق له حقاً، يجول بين الحكايات دون أن يستقر، هو كما قال صديق لي يوماً خائن للحكايات التي يراها، إلا أن خيانته راقية، فيمزج بين عدة حكايات ليخرج مولوده الجديد، لا يشعر بصدق الحكاية إلا من اكتوى بجانب منها؛ هكذا اتابع الجالسين، أشارك هذا سيجارته الزرقاء، اقترح نخباً مع تلك الثمِلة، لم أنس طيلة الجلسة حوارات عيناك المُثيرة حيناً، والمُعاتبة تارة، المتساءلة دوماً. لا تملكين رفاهية الغيرة كما لا أملك علم الخِضر لأجيب ما قد يُسيل لعابك. قد أقبل يوماً مُقايضة لهذا اللعاب، كعادتنا لا ثوابت، أصول اللعبة دوماً هي ما يُحددها. حتى الآن يستمتع كلانا هكذا.

"هتتعب".. أراوغ نفسي مُبتسماً وصوتك في أذني يُكرر هذه الكلمة، كمزيد من المراوغة أُخبرك أن همساتك ذات النكهة الأفعوانية يُشبه موسيقى فاجنر التي فوجئت بأنك تحبينها -في جلسة ما سنستمع إلى "فالكيري" سوياً- ومع تكرار الكلمة ترتفع ضحكاتي عالياً، السنوات الماضية أنهت هذا الشعور، لم أعد ابن الثامنة عشرة حتى انتظر ابتسامات خافتة مدفونة في حقيبة، ربما كنت في أحيان كثيرة أخشى عليك من التعب نفسه، لا أحد يثق في مثلي إلا وناله التعب، هنا قد ترتجفين مرة أخرى بعد إدراكك من أقدمتي على ثقته. في لمحة ما أخبرك بأن العطاء بلا وعود لا حدود له. لست بوذا الذي ينصح تلميذه، لكن مع مزاج متقلب لا تثقي بحدسك وحده، هُناك من ينهشه الملل من الانتظار فيرحل بلا مقدمات.

هذه المرة كنت أود مُمارسة "الفضفضة" حول الشتاء أيضاً -وربما كنت لأقول عزيزتي كذلك- لكن غضبي حال دونها، ربما لأذّكرك كذلك بأنك لست قس اعترافي، ولن تصيري، لا اعترافات كما لا وعود. فقط الأمر يبدو أشبه بالمشهد الخالد في فيلم "الأب الروحي" عندما أفاض الرجل في الحديث أمام البابا الجديد، لم يكن ينشد الدعاء أو المغفرة، فقط أراد أن يُلقي بأثقال قلبه في أذن لن تلومه رغم فداحة الخطايا، في أحيان كثيرة أراك تلك الأذن، هكذا أتورط في فضفضة أخرى عن كٌل منا، لا تستحقي الحديث عن الأفضل هذه المرة.




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء