وفا الشرع: العشق والخراب


وفا الشرع: العشق والخراب


بقلم: وفا الشرع 
      كاتبة سورية

 هل ينقذ العشق من الخراب ؟  
العشق قديس من نوع آخر، العشق الهروب الأخير في ظل الخراب للبحث عن الظمأ العاطفي، ينسج شباكه كعنكبوت في زوايا الدمار، مثل نصف مجنون تشفق عليه تارة من الضياع، وتارة تغني له مثل عاهرة تحاول التوازن في الحرب عند سماعها أزير الرصاص من اليمين والشمال، حيث يتحول ضيق النفس بين نهديها إلى نافورة دم من مستنقع مسكوب بالكحل الأسود في صدر المدينة المتعبة ،ثم تتعلق بالعشق بدهشة وولع خوفاً من طلب الموت الأكثر رحمة . 

ليبقى العشق انتحار بطيء لذيذ على سرير الموت المنتظر آخر الخراب حتى تقول في آخر الأغراء (إنني لا أعرف ماذا أريد) .

فمنذ خلق الكون والتفاحة الأولى خُلق العشق في الخراب الدنيوي ليكون الحمى اللطيفة، والجرعة القديمة الأولى التي تعطي الصورة الحق للرغبات المعاشة بمختلف أشكالها .

والشيء الأهم أن هذا المقدس العشق كان خارجاً من البشر، فكل الآلهة التي تشكلت في تلك الأزمنة كانت معروفة من قبل الناس، فاسم أفروديت يعني بطناً واسم عشتار بمعنى الرحم وكلها آلهة عشق تعني الخصوبة (قدس الأقداس) وكانت متواجدة في ظل الخراب والحروب، وكان الآلهه زيوس يزيد من عددها جراء مغامراته العاطفية مع بني البشر الفانين، فتكثر النزوات التي لا يمكن تفسيرها، أسماء آلهية على صورة بشر,يعشقون يمارسون الجنس ولم يكونوا آثاماً ولم يتأثموا بعد .

حيث استطاعت الحضارات القديمة وأغلب الأساطير، دون أن تبذل أي جهد، أن تعيش العشق قبل اختراع الذنب . 

ففي الحروب مثلاً ثمة الألم الناتج عن حالة من الانكسار فهو لا يحقق اللذة إنما يثيرها و يحركها و يقودها إلى الإغراء لتقع في سلطان العشق القهري الذي يتحول في بعض الحالات إلى تعود جسدي وقهر جنسي .

و أيضاً هناك عشق آخر خارج من الألم مثل، التعبير بالغناء عن حب الوطن، أو رسم لوحة لدفن الحزن الداخلي لرثاء بعض الأشخاص، أو تصوير فيلم لعشيقان يقبلان بعضهما فوق حجارة الحرب، أو قول بعض الكلمات الساذجة عالفيس بوك باعتباره خزان يستقبل الكبت الداخلي في ظل الحروب والأزمات التي تجتاح البلاد .

إلا أنني أجد أن الألم,أو بتعبير آخر الإيلام الذاتي، أو الخارجي الذي يحدثه الآخر لنا لا يحقق اللذة إنما يقود تحول العشق إلى لذة موجعة قليلاً من خلال تعاطف الآخر معنا من الواقع المعاش  في بعض الحالات إلى أن تصل إلى مرحلة الأذى، ضمن حد من الخوف ولكن لا تنبذ .

وبما أن لدى البشر عادة لا تتحدث عن العوالم التي تعيشها، إلا أن لا لوم ولا لوامة عن أي عشق يصدر عنهم بعيداً عن أذى الآخر حيث أن ثمة لحظات ينقذ فيها العشق خراب دورتنا الدموية تكون تلك اللحظات انتصار للرفض والصمت وإرضاء لذاتنا المشوهة بفقدان الأمل المشوهة بالإحباط، باليأس، إلى النزوع إلى حياة عادية في وقت غير عادي وقت التهلكة، والتشرد، واللامبالاة في الاحتجاج على الواقع.

ولم يذكر التاريخ أي عشق انتصر في ظل الخراب والحروب فملكة قرطاجة ديدو لم تحظ بحب إنياذ رغم عشقها المتيم به التي أودى بها إلى الانتحار حباً .

وفي العصر الجاهلي رغم بسالة وقوة بأس عنتر بن شداد في معارك عبس لم يتزوج من أحب عبلة.. وقيس بن الملوح الذي كتب أجمل الأبيات بحب ليلى إلا أنه لم يحظى بها.. فالقبائل المتقاتلة والعصبية القبيلة في ذلك الوقت كانت بعضها في حروب بسبب العشق والحب .

حتى في الوقت المعاصر وفي ظل النكبات خرج شعراء وكتبوا في العشق أجمل الأبيات أمثال نزار قباني ومحمود درويش ورياض صالح الحسين فضلاً عن علاقاتهم بالعشيقات ومنهن كاتبات مازلن بعضهن يحتفظن برسائل المحبوب فالعشق لا ينقذ الخراب هو بلسم للروح لانتزاع الألم وضوء لبث الأمل في عتمة الظلام وزع ابتسامة في القلب وشهوة مضاعفة لاستفزاز الحواس .

بحيث يغدو العشق جزءاً من الواقع, حتى يبدو حالة انفعالية باعتباره الخلاص الوحيد من ذلك الخلل المستبد العنيف الذي يسمى الخراب .


وفا الشرع



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء