د. إيمان الدواخلي: عند السماء الثامنة



عند السماء الثامنة

د. إيمان الدواخلي


سألتني صغيرتي يوما متى يقف الزمن.. فكرت كثيرا في إجابة. أعرف أنهم -لا أدري من هم- قد أضافوا الزمن إلى الطول والعرض والارتفاع، فجعلوه جزءً من المرئيات.. هم على حق، فإن لم نكن نراه، فأثره يحاور أعيننا، فلا تفر منه. أخذني التفكير، حتى ضاع مني الزمن، وفوجئت به يقول: "الآخر يللا".. أقصد سائق الميكروباص وليس الزمن بالطبع من يقول! نظرت حولي، فوجدت أني سأعود حاملا الصغيرة، التي نامت، محطة كاملة فوَّتها شرودي. تحاملت على الركبتين المتعبتين، وأخذت طريقي.


هناك رأيتها، في الشرفة، بعيدًا عن زحام الحفل، وهي تستسلم بين ذراعيه لقبلة زارت أحلامها طويلا فاشتهتها. قلت لأمها إنني أثق فيها، صرخت مولولة على خيبة أملها في رجولتي، لكنني، في هدوء، ذكرتها بأول مرة أخطف شفتيها في قبلة. يومها عرفت أن أحدًا لم يمسها قبلي، فلم تتعلم بعد أن القبلة لا تكون من طرفٍ واحد. هكذا - مثلها تماما- كانت صغيرتي، التي تعلمت لتوِّها مذاقا جديدا للحياة.. نعم، بالعند في زوجتي، أثق فيها.


هناك تجلس، مع أمها كالعادة، بينما أنشغل مع الصغار. كنت من سامحها حين قبَّلها الحبيب، ومن ناصر خطبتها له، ومن أخفى الكثير لكي ترضى حماته عنه. 
رغم ذلك، فها هي أمها من لا تخلو أذنها من أسرارها وهمسها بالحكايات، وأما أنا فرفقتي فقط الصغار!. 

الشاي والشكوى، شريكا الحوار الدائمان عند ذكر النساء للأزواج؛ هكذا كلهن كلهن كلهن حتى ابنتي! كنت أحبها تلك البنت أكثر قبل أن أشرد.. بعض الشرود سيَّرني على خطوط ذلك البعد الرابع الذي سألتني هي عنه يومًا، وهي إذ ذاك تجلس على فخذي، لتتحول دون أن أشعر لمجرد امرأة أخرى، ولا يمكنني إدراكها. 

أنظر في عيني صغيرتها، لكأنما هما عينا أمها تماما، فقط فرق مسافة السنين ما بينهما!


تبكي.. لا أحب عينيها تبكيان وتحمرَّان هكذا. لم يمكنني أن أنهرها وأنا مكتف في ذلك الثوب الأبيض، مغمض العينين. يرفعونني، ويمشون بي.. أراها خلفي منهارة. بس يا امرأة، أريد أن تكون آخر صورة لك في عيني كما أحببتك، ألا يمكنك أن تنكمشي قليلا وتعودي طفلة؟!.. 

ابنتها تلعب على السلم.. أكاد أقفز من فوق كتف ذلك المخبول الذي نهرها فأفزعها، لتوَسِّع الطريق للنازلين. ابتسمت لها، وأشرت إليها، دون أن أحرك يدي.. ابتسمت.. وحدها من رأتني.. وحدها من ودعتني بابتسامة.. ووحدها جلست على درجة السلم لا تفهم أين يذهبون بي. 

كانوا يكادون يغلقون باب السيارة عليّ، حين رفعت رأسها تسألني:
- جدو.. ممكن اعمل لك سما بالمكعبات تقعد معايا فيها بدل ما تموت في السما اللي بعيد؟بالطبع ممكن، فكما الأبعاد زادت.. ما المانع أن تصنع لي سماء ثامنة من المكعبات؟!.. تركت السلم وجرت إلى مكعباتها.. لكنني شردت قليلا.. ولم أجدها بعدها.




الإبتساماتإخفاء