أشرف مصطفى توفيق.. كاتب الظل (1)







أشرف مصطفى توفيق.. كاتب الظل (1) 



حوارات: السيد إبراهيم أحمد






- كل حوار صحافى ناجح هو حب، يكسر الوحشة ويدمر الغربة.. ولو على الأقل خلال مدة الحوار  .. أشرف توفيق

- أما بعد.. حوارنا.. كان حبًا لايعقبه مرارة...              السيد ابراهيم أحمد



***



كلمة اولى

بقلم: السيد إبراهيم  أحمد 


كان من المفروض أن أضيف لقب لواء اتفاقًا للحيلولة دون الخلط بين كاتبنا الروائي لواء أشرف توفيق وبين غيره ممن يحملون نفس الاسم ويبحرون بقاربهم مثله في عالم الرواية، ولكن الواقع أن للرجل أسلوبه الذي يتميز به عن غيره من حيث الرشاقة، وجزالة اللفظ المبثوث بمهارة في ثنايا تعابيره، والفكاهة وخفة الدم التي تزيل فتيل التوتر بينه وبين قارئه، والتنوع المعرفي أفقيًا ورأسيًا من حيث التخصص والهواية، الذي يبدو جليًا في كتاباته المختلفة، وهذا السر وراء كتابة الكاتب قبل الروائي وكان يجب أن أضيف قبلهما الباحث لولا طول العنوان.

لا تستطيع أن تقرأ أشرف توفيق في إبداعه كتلة واحدة؛ فلابد أن تمرحل حياته ليس بشكل تاريخي لدراسته ولكن لأن حياته أصلًا تحمل مراحلها وتقدم نفسها لمن أراد أن يخبرها، ولولاها لما استطعت أن تتعرف على أسلوبه أو منهجه الفكري حين يكتب وهو الرجل الشرطي، والقانوني الأكاديمي، والروائي، وإن شئت الكاتب والمؤرخ.

هذا الرجل مهموم بالتوثيق الدقيق مستعينًا بالكتابة سواء الأدبية أو الأكاديمية لكل عمل قام به شرطيًا أو مدنيًا، ولم يقصر جهده وطاقته الإبداعية على فرع واحد من فروع المعرفة والأدب؛ فرسالته في الماجستير كانت عن "المعارضة ــ الأصول والممارسة"، وقد حصل قبلها على جائزة سعاد الصباح للدراسات الإنسانية فى بحث فى نفس الموضوع الذى استهواه فجعله فيما بعد أطروحته للماجستير. ولاهتمامه بفن المقالة حصل أيضًا على جائزة يوسف السباعى للمقال النقدى لثلاث سنوات.

تتالت أعماله حين انتقل إلى مقعد القضاء العسكرى بالشرطةأعمال النيابات العسكرية بالقوات المسلحة والشرطة"، فأخرج عدة كتب، هي: "دفاع المتهم في الجرائم العسكرية معلقًا عليها بأحكام النقض"، "الإستدلال بين الضبط القضائي والضبط العسكري"، "الدفوع الجوهرية أمام المحاكم العسكرية"، وحين ترك الخدمة ومارس مهنة المحاماة كتب رواية "الأفوكاتو"، ولما دخل سوق المال تكليفًا من الدولة لم يتركه حتى غرس فيه نبتة من قريحته وبراعته فكتب "كيف تتعلم استثمار الأموال في البورصة"، ورواية قصيرة "مائة يوم من البورصة".

استغل الروائي اللواء أشرف توفيق حال كونه ضابطًا كل أدوات مهنته في البحث والتحري، والترقب وعلم النفس الجنائي، وقراءة أحداق ومهج المتهم لإرباكه والضغط عليه حتى يفوز بالحقيقة، فأخرج أعمالًا تعتبر تمهيدًا وجسرًا عبر عليه حتى استقر على مرفأ الرواية، وقد اختلط في هذه الكتب التاريخ بالأسلوب القصصي، ولكنه ــ ويا للعجب ــ تجرد بل تبرأ من الأسلوب النمطي والمباشر الذي تتميز به محاضر الشرطة التي يدونها ضابط الاستقبال "النوباتجي"، والتي يستخدمها الضباط لغة للتخاطب بينهم من المرؤوس للرئيس والتي تشي بلغة ليس فيها غير التكرارية والهوة السحيقة بينها وبين جماليات اللغة العربية!..كيف فعلها؟!.. وليس العجب في التبروء والفقد بل العجب يكمن في اكتسابه لغة لها أسلوبها وقوامها لم تمر يومًا على مخفر أو مديرية أمن، فيخرج من جعبته أسلوبًا لغويًا وبيانيًا دال عليه،عدة كتب:"العالم السري للنساء (جرائم المرأة)"، "وقيدت ضد مجهول"، "مشاهير وفضائح"، "نساء الملك فاروق"، "حريم في حياة سعد زغلول ــ الثورة التي أيدها الحرملك" وكان إذا تناول شخصيات ضمن كتاب ثم راقه أن يتوسع فيها أفرد لها كتابًا خاصًا بها، وهذا هو النهج الذي يربط بين تلك الدراسات والكتب.

ثم قطع شوطًا فعاقر فن الرواية ولما لا وقد مهد لها بهذه الكوكبة من الكتب التي تصلح كل دراسة منها بأن تصنع رواية، كما أن المعهود عن الرجل أنه لا يدخل ميدانًا دون أن يقرأ فيه وعنه قراءة واعية يتجلى هذا حين غمس ريشته في نقد الرواية ليكتب كتابه: "في عشق الرواية"، والذي به يؤكد بأنه قرأ الرواية وقرأ النقد، والعنوان جاء محملًا بمعانٍ منها أنه لايكتب الرواية هوايةً بل عشقًا، وعلمًا، وفهمًا، بل أن مقالاته تحمل بين ثناياها سطورًا تفوح بمفهومه الخاص عن النقد ووظيفته ودوره كما يفهمه وكما يجب أن يكون، وبهذا الفهم والحرفية أخرجت قريحته إلى المكتبة العربية عدة روايات:: "سرير بلا أحلام"، "غزوة وداد قرني"، والرواية ذات الجزأين: ""الطريقة الفرنسية"، كما كان له عدة قصص لم يجمعها فى كتاب،وانما نثرها فى الصحف والمجلات منها: "موجة حارة"،"ولاد الإيه"،"كاتبة"،"امرأة فى هذا المكان"وغيرها لم اتوصل لحصرها  ولكنه لم يضمها فى مجموعة، فليس له أى مجموعة قصصية؟!

غير العديد من المقالات التي لا تخلو من روح القص، وأسلوبه كما في رواياته في الدخول على قارئه بحميمية وتلقائية ليضعه في مركز الدائرة أراد أم لم يرد ولكنه أمام هذا الفيض من الوصف والحكي يأتيه طوعًا.

كان من الواجب بعد هذه التقدمة التي كانت مفتتحًا للتعرف على الكاتب والروائي المصري المعاصر أشرف مصطفى توفيق أن ألتقيه وأحاوره وأخلي بينه وبين قارئه، ليضيف إليه ما يريد أن يزيل به المجهول حوله أو عنه:



____________________________________________________

* الاســـم  : السيد إبراهيم أحمد 

المؤهل الدراسى : حاصل على بكالوريوس التجارة ، ودبلوم الدراسات العليا فى المحاسبة المالية ، جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية ، وكذا دبلوم الدراسات العليا بالمعهد العالى للدراسات الاسلامية بالقاهرة ، وحالياً بشعبة ماجستير الإقتصاد الإسلامى ، وعضو فى اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
حالياً متفرغ للكتابة .

إنتاج علمى : كتاب المعجزة المحمدية ، كتاب السهل المفيد فى أحكام التجويد ، كتاب سياحة الوجدان فى رحاب القرآن ، مجموعة قصصية : (سلطان عرش الدخان) ، وديوان للأطفال: ( نادر يبحث عن السعادة )

كتب تحت الطبع: الإعجاز المحمدى ، هذا رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ، حكايات اسلامية معاصرة ، القرآن ماذا فعلنا به ؟

____________________________________________________




الجزء الأول 




ضابط في بلاط صاحبة الجلالة






***


       لم يكن ضابط الشرطة أشرف مصطفى توفيق الوحيد أو الأول أو الأخير الذي عشق مهنته كضابط فأبلى فيها بلاءً حسنًا، ولم يكن ليتنازل عن حبه وعشقه للحرف.. للكلمة فحاول امتشاق القلم ليكون فارسًا للكلمة ليس في مجال الدراسة الأكاديمية وحده أو القصة القصيرة أو الكتابة التاريخية أو الروائية، ولكن أيضًا في فن المقالة الذي عشقه وأتقنه ليفوز ثلاث مرات بجائزة الراحل يوسف السباعي والذي كان ضابطًا صحفيًا وروائيًا أيضًا.. ولكنه تجاوز الأمر ليس في مجال الدراسة الأكاديمية وحده أو القصة القصيرة أو الكتابة التاريخية بل وصل للرواية؛ فقد التقى بداخله ضابط البوليس بالجورنالجى، كما تتلاقى أنابيب الإختبار فى نظرية الأوانى المستطرقة..

   نحن اليوم في حضرته ليكلمنا عن مشواره الثري والسِري فى بلاط الصحافة، وهو أكثر تحررًا من ذي قبل بعد أن خرج من جلباب الوظائف ولم يخرج منه القلم.. والغريبة أنه لم يسكنه الألم.. لا ضد أحد ولاضد أقداره.. فهو مؤمن بأن كلٌ ميسر لما خلق له، فلنبدأ وأرجو أن نفوز في حوارنا معه بتوثيق تاريخي عن علاقته وقصته مع الصحافة.

ــ يجب أن يكون السؤال الأول للأديب والصحفي أشرف توفيق ماذا عن بداياتك المبكرة منذ الطفولة مع موهبة الكتابة؟

ــ  كل شيىء تدفق، انفجر فى المرحلة الثانوية، وكانت مدرسة التوفيقية هي البيئة التي فجرت فيَّ ذلك.. أما قبل هذا.. فأنا فى قمقم.. أسرة مسيطرة تقول وأفعل.. وكانوا لا يريدون لي إلا النجاح والتفوق المدرسي وغلب حبهم عنادي.. فاستسلمت لهم.وفى المدرسة التوفيقية خرج المارد من القمقم بقوة خروج البخار من حلة البخار الحديثة "سب"؟!

 إذ وجدت فيها فرع لمنظمة الشباب فدخلت.. ووجدت فرق لكل لعبة فالتحقت بفريق الباسكت.. ولعبت، وكنت أساسي فى الفريق، وجاء من يدخلني أشبال النادي الأهلي، واستمر الأمر معي حتى بعد دخولي كلية الشرطة فلعبت في فريق الكلية..

وكان يصدر من منظمة الشباب مجلة "الشباب" وكان أصدقاء التوفيقية الذين دخلوا معي للمنظمة يكتبون فيها الشعر والقصة، وأنا معجب بهم، ولكن لا أعرف كيف أقلدهم، لا أعرف كيف يحدث ذلك؟ كيف يكتبون؟! حتى أصدر"نيكروما" كتابه عن"الإمبريالية والإستعمار الجديد" واحتفى به عبد الناصر..

ــ تقصد الرئيس الغاني "كوامي نكروما"؟

ــ نعم، وفى يوم وليلة كان الكتاب محل حديث المنظمة.. وجاءت كلمة السر ومعها وقت التحرك من يكتب عن الكتاب عرضًا وتحليلًا لنشره في المجلة.. ورفعت يدى وقلت: أنا.. ونشر ماكتبت وعرفت كيف أكتب.. وظهرت جريدة "الطلاب" فى وقت عقابى بالخروج من منظمة الشباب، وذلك لخروجى مع من خرجوا من المدارس الثانوية ضد احكام الطيران الهذيلة بعد نكسة 67 والغريب أننا اتجهنا للتحريركما حدث فى 25 يناير2011؟! وهناك تجمع المتظاهرون، وكان معظمهم من طلبة الجامعات.. والشيىء الغريب أننا لم نكن ضد عبد الناصر؟! وتحرك النظام وجاء د. كمال ابو الخير، وفاوض اتحاد طلاب الجامعات، وقال جئت لأسمع وبسرعة أمر عبد الناصر هيكل أن يكون للطلاب جريدة تقول مايردون حتى تسمعها الحكومة.. وفى جريدة الطلاب تعلمت الصحافة من الخبر للريبورتاج.. وكيف تجرى حوارًا.. حتى ماكيت المجلة تعلمته من الأستاذ "سليمة" الرسام التشكيلى الكبير.

- كيف ظهرت جريدة الطلاب؟! 

أتذكر أول مظاهرة طلابية ضد عبد الناصر، حين خرج الطلبة ضد أحكام الطيران الهذيلة بعد النكسة سنة 1968.. فى هذه المظاهرات وعند بلوغها مبني المجمع فى"التحرير"لم يكن مع قوات الأمن إلا الهراوات وكان الضباط يركبون الخيل وشعر النظام بالخوف، لم يكن  في مصر وقتها أحزاب وإنما حزب واحد لتحالف قوى الشعب، كانت الفلسفة التي روج لها محمد حسنين هيكل وقتها: "أن الذى يحمى الديمقراطية هو أن يصل للسلطة وطنيون حقيقيون، لا أن نخلق تعدد فى المنابر داخل الحزب الواحد أو أن نسمح بالأحزاب). فالحزب في حقيقته كما قالوا لنا: 

(طليعة سياسية لطبقة اقتصادية أو اجتماعية ولايمكن أن يكون شيئًا آخر) وبالتالى فالحزب الواحد تأمين للصراع الطبقي فلا تتفاوت الفوارق لدرجة القطيعة، فلا يجتمع على الهدف الواحد إلا أصحاب المصلحة الواحدة.  وقتها شرعية المعارضة كانت غائبة، وأمر بعدها ناصر بأن يكون للطلبة جريدة "جريدة الطلاب"  تعبر عنهم ووعد أن يعى الانتباه لها..

يقول:خلال المرحلة الثانوية ومن الطقس الذى خرج فيه بخار كَبتى.. حلمت وقررت أن أدخل "كلية الأدب – قسم صحافة" ولكن من يقاوم سطوة العائلة؟.. ظهرت نتيجة الثانوية العامة، وفجعت أمى 70%: (لم أحسن التربية؟ أين تفوقك السابق؟! أين ذهبت الـ90% فى الابتدائية والـ 93 % في الإعدادية؟!.. أفسدك الجورنارجيه).. ورفضت توزيع شربات النجاح.. ولبست الأسود، وقالت كلمة لم يتوقعها منها أحد: (ابنى لا يكون غير طبيب أو مهندس أو ضابط).. وانتقلت لبيت خالى، وكان ــ رحمه الله فى مكان والدي الذي توفاه الله في طفولتى، وقال خالي لي: (إن كنت موهوبًا ستبقى موهبتك تدفعك في أى وظيفة كنت)، وحدثنى عن مصطفى محمود ويوسف أدريس كيف عملا بالطب ولكن لا أحد يقاوم موهبته، واستسلمت لحب وعناد أمى، وذكاء وحكمة خالي.. وهى على كل حال أقدارنا.. وتدربت فى جمانيزم، فلم يكن متاحًا طبقا لمجموع 70% من آمال أمى إلا أن اكون ضابطًا.. رغم إنى أخذت الثانوية العامة عام1972. فازمة مجموع الثانوية العامة- قديمة وحالة فى كل بيت؟ 

ــ سبحان الله، فاز الأديب أشرف توفيق ثلاث مرات بجوائز صحفية في مسابقة يوسف السباعي  الأدبية، فعن أي مقالاتك كانت؟

ــ جائزة  يوسف السباعي أدبية وليست صحفية، وتعطى للمقالات النقدية عن الروايات فى الأساس. ولكن بدايتى معها جاءت صحفية محضة، فقد كتبت في الملحق الأدبى للأنباء الكويتية مقالًا عن: "يوسف أدريس .. المشاغب العاشق"، ذلك أني زرت الرجل في مكتبه وأجريت معه حوارًا.. فبهرنى.. كانت عيناه بها لمعة تسلمك لحضرته، قلت له: (أن يوسف أدريس على عكس النبى زكريا دعا ربه أن يذره فردًا، فجاء مختلفًا له تركيبة خاصة، كان يرى أن من حق الكاتب أن تكون له حرية مطلقة ضد أى طابو مقدس، حتى لوكان هذا المقدس قوانين الإبداع نفسها). وعشت معه من خلال كتاباته بحثًا عن نظريته في الحرية المطلقة للأديب. واطلعت على أكثر من حوار معه، أذكر منها حوارًا امتد ثلاث حلقات بمجلة صباح الخير مع رشاد كامل، قال فيه إنه ليس من أنصار أن يهدى الكاتب شيئا مما يكتبه لزوجته وهو لم يفعل، وأنه يرسل زوجته إلى أمها كثيرًا بسبب الكتابة؟ فهو لا يعرف أن يكتب وحيدًاحد بالمنزل؛ فالكتابة عنده عورة لا يطلع عليها أحدًا حتى يتم النشر، كما لم يكن يؤمن بنظرية موت المؤلف.. أويقول بماقال نجيب محفوظ: (الرواية إذا خرجت للمسرح والسينما صارت ملك لفنون أخرى فليس لى الولاية إلا على النص الروائي فقط). وانما هو يرى أنه الرب لكل عمل وضع تحته اسمه!.. ولذا لم يعتبر السينما عالم منفصل عنه.. فالنص هو كل الفنون.. ولذا أصر على اختيار "فاتن حمامة" للحرام وتدخل فى السيناريو ليكون التطبيق لروايته.. وكرر ذلك باصراره على "نادية لطفى" في قاع المدينة ولم يترك للمخرج أن يسمى فيلمه بغير اسم روايته. لم يكن هذا فقط بل هو كثير المعارك تارة ضد وزير الثقافة، وتارة مع توفيق الحكيم ضد الشعراوي، كان يفهم الدين بغرابة ثوري، يراه مع الحرية إذ سمح للحرية الإنسانية أن يكون لها حق الزواج والتعدد والطلاق، فهذا خير من ضياع العمر بلا حب حقيقي. ولكنه لا يريد للدين أن يغيب عقله. ولذا قال للشعراوى: (ياشيخ عقلى يفتح الديوان). وذلك إثر حديث للشعراوى قال فيه: (العقل كالمطية يوصلك للسلطان ولكن لا يدخل بك عليه)..وغيرها وغيرها كقيامه بلا تكليف وبمبادرة منه بعمل مصالحة للعلاقات المصرية الليبية فى وقت كانت فيها متعثرة، وعرض النتائج فيما بعد على رئاسة الدولة! فيوسف أدريس له خلفية سياسية منذ أن كان عضوًا بارزًا في الحزب الشيوعي (حدتو).. المهم  طورت مقالتي بالحديث عن رائعته "بيت من لحم" وربطت بينه وبين مجموعتة القصصية: "أنا سلطان قانون الوجود".. فكان الموعد الأول مع جائزة السباع... فى المرة الثانية فهمت ولم انحرف عن قواعد الجائزة وكان المقال عن "رواية نجيب محفوظ - أولاد حارتنا".. أما الأخيرة فكانت عن توفيق الحكيم "من عبثية المسرح لرسالة إلى الله" وكان الحكيم فى آخر أيامه كتب عدة مقالات بعنوان:"حديث مع الله".. وعاتبه عليها أشد العتاب الشيخ الشعراوي لغويًا ودينيًا وقال له: (كليم الله موسى لا تشطط) وشط الحكيم فى وجهه وتبع يوسف أدريس .. وعاد الحكيم وغيرعنوان مقاله الأخير ليصبح:"حديث إلى الله"، ولكن لم ينتهِ أدريس من شططه حتى مماته، رحم الله الجميع.

ـــ ضمت الصحافة المصرية منذ نشأتها أعلام وأقلام ومدارس صحفية رائدة.. أيهم اتخذته رائدًا لك، وإلى أي مدرسة تنتمي؟

ــ تسنكحتُ  كثيرًا في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة.. وكنت في شارع الصحافة حجر دائر لا ينبت عليه عشب.. أنا صحفي من بيوتهم غير منتمى لمؤسسة أو جرنان.. فصعب القول بأني ماكتبت ينتمى لمدرسة  صحفية ولكن لو جمعت أوراقي من الصحف وكتبي غير القانونية لأمكنك القول.. بأنها تننمى لمدرسة أخبار اليوم، وأعلامها المشاهير: محمد التابعى و مصطفى أمين و أنيس منصور

     
أما عن:
 علاقتى بالراحل أنيس منصور فهي علاقة روحية.. وجدت كتبه بمنزلنا وحين بدأ الشغف بقراءة جورنال الصباح وتفليْته في المرحلة الثانوية، كان الأخبار، وشغفت بعمود أنيس منصور اليومي "مواقف"، ثم أدمنت مقاله كل يوم سبت فى العدد الأسبوعى من"أخبار اليوم".. وامتدت متابعته في الإذاعة فقد كان له عدة برامج أتذكر منها الآن: "شيء من الفكر"، وبرنامج عن حياته مع الكتب اسمه: "حياتي مع القلم .. حياتى مع الألم" وعشقت صوته ونطقه، وقابلته ــ رحمه الله ــ ثلاث مرات أجريت فيها حوارات معه ونشرتها فى: [جريدة الطلاب ــ الأنباء الكويتية ــ القبس]، وقد أهدانى ثلاث كتب:[الخبز والقبلات – قالوا - وكانت الصحة هى الثمن]، وعرفت أن احساسى بصوته الحلو حقيقة وأنه وصل لحد الذهاب لعبد الوهاب ليكون مطرب وفي كتبه حكايات مطولة عن ذلك يحكيها أكثر من مرة.. وبسبب تعلقه بالغناء درس أشياء كثيرة عن الصوت وكانت له تعليقات عن الأصوات كصوت أم كلثوم وعبد الحليم وكانت تفخر"فايزة أحمد" بأن أنيس منصور وصفها بأفضل صوت معاصر.. ويأتى السؤال: هل تاثرت به؟ وأقول من عمل بالصحافة في زمني خلال السبعينات والثمانينات ولم يستفد من أنيس منصور فليرفع يده؟ لا أحد.. وأنا لم استفد فقط ولكن الرجل تغلغل داخلي ويبدو أن هذا قد طفح على كل كتبي فيما بعد؛ فكتبه مرجع أساسى لى.. وقد وثق ذلك "حنفى المحلاوى" فى مقالة وطلع تعبير "الابن الروحى لأنيس منصور"..

ــ كنت ضابطًا مرموقًا فهل سعيك للكتابة في الصحف كان للشهرة أو للكسب المادي أو تأكيدًا لموهبتك في كتابة المقال؟

ــ هذا السؤال غريب بعد كل ماصرحت به فيما سبق. فلاسعيت للشهرة ولا اشتهرت ومدرسة البوليس تكسبك شهرة أكثر من الصحافة. 

ضابط المباحث فى منطقته أشهر من محمد حسنين هيكل. وقلت لك كتبت فى الصحافة متخفيًا بكل مهارات كلمبو.. فلا كاب ولانجوم.. وإنما بالجلباب، اختصرت الاسم ونسيت البوليس وتقمصت دور الصحفى .. وكنت حجرًا لا ينبت عليه عشب. لو حصلت على كسب وتلبست به أُفصَل من البوليس. وإنما الكتابة مرض مزمن، إدمان! وكانت الصحافة كلها تغرينى، فلم أكتب المقال فقط، حاورت أديبات مصر معظمهن ونجيب محفوظ وأدريس وصنع الله إبراهيم. وكتبت التحقيق، حتى العمود الصحفي كان لي منه نصيب.

ــ هل حدث يومًا تعارض بين عملك بالشرطة وكتابتك في الصحف؟

ــ كتبتُ فى مجلة"الشرطة" وهى مجلة صحفية وليست أمنية، وكانت تصدر عن العلاقات العامة لوزارة الداخلية وجمعتْ بين ضباط ومدنيين، ومن هؤلاء المدنيين أسماء كبيرة كجمال الغيطانى مثلًا.. ولم اشعر بتعارض بل بتشجيع فهي ليست مجلة سياسية.. وكتب معى فيها نابغة فى الكتابة الساخرة وهو الضابط (حسام حازم) وكان يوقع"ح.ح" وفيما بعد احترف المسرح الكوميدى وله مسرحية شهيرة "ربع دسته اشرار" قامت ببطولتها الفنانة شريهان.. ورغم ذلك تسكعت بحذر في شارع الصحافة أسلم أوراقى وأنصرف، وعند بدايات نشر الاسم اخترت اسم مختصر لاسمى الذى يعرفنى به الضباط فبدلًا من أشرف مصطفى توفيق نشرت باسم "أشرف توفيق" فلم تكن لى صداقة ولا شلة صحفية، فمثلًا نشرت في روز اليوسف عشرة مواضيع وقصة قصيرة ولم يكن يعرف سري غير الصحفي "نبيل عمر" وهو صديق طفولة من "شبرا".. ولعدة سنوات ارتبطتُ بمكتب الأنباء الكويتية ولم يعرف أحد أني ضابط سوى "حسن عامر" وجعل العلاقة به مباشرة.. ودخلت مجلة سيداتي سادتي وخرجت ورئيسة التحرير"هالة سرحان" تعتقد أني صحفى لهلوبه بيلَّقط لقمته. ونفس الحال في مجلة (عيون) التى أسستها عائشة أبو النور.. ولكن نشأت صداقة كبيرة بيني وبين الصحفي "حنفى المحلاوي" من وقت أن كان يعمل في صفحة الأدب بالأخبار وكان من الطبيعي أن أرسل له كتبي كصديق مقرب وبحسن نية وشهامة عرض كتابي"اشهر قصص الغرام".. وقال عن الكتاب: (كأنه يقرأ أنيس منصور).. وعقد مقارنة بيننا وقال عني أنني  تلميذه.. ثم فجأة أفشى السر: (أنه ويا للعجب العقيد شرطة فلان الفلان)!.. فانتبهوا.. وكان وزير الداخلية وقتها اللواء زكي بدر.. وحولت للتحقيق بمعرفة التفتيش.. ووقع التعارض.. فمن هذا الضابط بتاع الحب والغرام؟!.. إنه سيغيْر الصورة الذهنية للضباط عند العامة؟!  قلت للواء الذي أجرى الاستجواب معي: (الصورة الذهنية عننا  "لو كان صباعك عسكرى أقطعه!").. وتدخل اللواء فاروق الحينى وهو رجل خلوق.. وشنه ورنه؛ إذ عُيْنَ وقتها بقرار رئاسي مع اللواء عبد الكريم درويش ليكونا وكيلين لوزير الداخلية زكي بدر فى سابقة تاريخية بالوزارة، وكنتُ قد عملت معه "بحث شُرَطي" بكلية الدراسات العليا للشرطة مع ضابطين آخرين"عن المخدرات" ومن الوهلة الأولى أصبح البحث مرجع عربي لقضية المخدرات، وحصل على المركز الأول كأفضل بحث جماعي، واقتربنا منه أو سمح هو بهذا الاقتراب، وانتهى التحقيق بجرم لا إنفلات منه.. الكتابة والنشر بدون إذن من الوزارة.. وكان العقا ب شديدًا بالنسبة لضابط برتبة ضابط عظيم "الإنذار" الذي تبعه النقل "لقنا" فى أول حركة تنقلات، وهكذا نزلت من قطار الصحافة وركبت قطار الصعيد.. وودعت هوايَّ ونسيتُ الصحف والمجلات.. وقلت: (باى باى صحافة منذ عام 1988).. ولكن يا جبل ماتهدك ريح.. قدامك أهه لسه أنا بكتب... وأه ياليل؟

ــ بعد أن استقر كاتبنا الكبير في "قنا" هل لعن القلم وقصفه، بعد أن لام نفسه، وبعد أن أثر بالسلب على أسرته، هل كرهت الزوجة "القلم" وتوجه إليه الإنذار الثاني بالإقلاع نهائيًا من مطار الإبداع..عن هذه الفترة أتحدث وليس الآن؟ 

ــ واحدة من أهم الإشكاليات التي تستدعي تفكيرًا في الكتابة هي تلك الحدود القائمة بين الحقيقي والمتخيل, فمما لا شك فيه أن الكتابة عن الذات تتطلب بالضرورة كتابة عن الآخر. والحال كما يقول أندريه موروا في كتابه "فن التراجم والسيرة الذاتية": ( أننا إذا قررنا أن نقول كل شيء عن حياتنا, فنحن لا نملك الحق في أن نقرر أن نقول كل شيء عن حياة الآخرين". بل إن إحساسًا بالمسئولية قد يفرض نفسه من حيث وجوب حماية أولئك الذين رافقونا، أو ارتبطوا ارتباطًا مباشرًا بالأحداث من خلال صلتهم بنا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأديب يعطي لقارئه ما يظن أنه النصيب الحقيقي له فتكون العملية الانتقائية محكومة في كثير من الأحيان برغبة في الصون من الابتذال؛ ففتح خزانة الحياة كلها وفقًا لتعبير فدوى طوقان: (نبش الخصوصيات ليس بالأ مر الهين) 

ــ وأنا أحترم رأيك، ورأيك يلتقي مع المفكر الكبير دكتور محمد حسن كامل وأنا مازلت أجري معه حوارًا مطولاً، وقال نفس عبارتك: "أنا أعطي للقاريء ما يهمه".. ونعود لحوارنا: ما أشهر مقالاتك التي سلطت الأضواء عليك، وأشهر النوادر التي قابلتها في حياتك الصحفية أو سمعتها، أو نقلت إليك؟

  ــ إلا الأضواء فشعاع من نور بطارية حنفى المحلاوى ألقى بى للصعيد. ولكن فى سنة 1972 كتبت نوال السعداوى كتابًا قلب الدنيا "المرأة والجنس" وهو لايزال شهيرًا، وبعد قراءته طلبت من الأستاذ سليمة* أن احاور الدكتورة.. ونشر الحوار فى صفحتىّ الوسط بالطلاب، بصورة لى معها ورسم له سليمة تألقاته، وكنت وقتها فى نهاية المرحلة الثانوية، وكتبت عنى وعن الحوار د.نوال فى مجلة  "الصحة" وجاء مالم نكن نعرفه من وزارة الصحة.. نوال السعداوى مستبعدة من الوزارة وماجاء فى كتابها ليس علميًا. ومجلة الصحة ليست تابعة للوزارة؟! وشرف المجلة وزيرالصحة "محفوظ" ونشرت ندوته فى ثلاث صفحات ..

وخرجت من الطلاب غير محزون على.. ولكن استمر مابينى وبين د. نوال، شربت قهوتها ودخلت بيتها وكل كتبها باهداء منها بمكتبتى.

وبعد سنين صار سليمة نائب رئيس التحرير لمجلة الشباب التى تصدر من الأهرام وسمعت صوته على التليفون: 

(حضرة الضابط أنامستنى شغلك بتاع الطلاب.. ولو تبعته مع المراسلة) 
..ولم أرسل شيئًا. ضقت بأن اعامل كضابط فى بلاط صاحبة الجلالة








ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الراحل الأستاذ محمد سليمة من خريجي كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية‏، ولأنه كان من شباب الحركة الطلابية في مصر فقد أصبح مسئولًا عن مجلة الطلاب التي يصدرها اتحاد طلاب الجمهورية في سبعينيات القرن العشرين,‏ وهي الفترة التي يتحدث عنها الروائي أشرف توفيق، وكان رسامًا وناقدًا فنيًا رائعًا، ولهذا أختاره عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس لرسم لوحات رواياتهم بالأهرام.  






شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء