أحمد حلمي يكتب: تاريخ على ضوء القناديل المتراقص


تاريخ على ضوء القناديل المتراقص

بقلم: أحمد حلمي




لماذا الأدب؟ السؤال الذي أطلقه الأديب البيروفي ماريو فرغاس يوسا بعد حصوله على جائزة نوبل في العام 2010, وحاول الإجابة عنه في مقال بديع لا يمكن مقاومة فتنته.. أذكر منه بيت القصيدة الذي يستحق وضعه داخل إطار ذهبي "إن مجتمعًا لا يقرأ, أو مجتمعًا يرمي بالأدب في سلة النقائص أو الكماليات هو مجتمعٌ همجي الروح, ويخاطر بحريته كذلك, ﻻ‌ﺷﻲﺀ ﻳﺤﻤﻲ الإنسان ﻣﻦ ﻏﺒﺎﺀ ﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﺘﻌﺼﺐ ﻭﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﻟﻘﻮﻣﻲ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻈﻬﺮ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﻓﻲ ﺍﻷ‌ﺩﺏ ﺍﻟﻌﻈﻴم, إنني اشعر بالشفقة تجاه أولئك الذين يستطيعون القراءة لكنهم اختاروا إلا يقرؤوا, هم فقط لا تفوتهم المتعة التي تسببها القراءة فحسب.. لكنهم لا يدركون أن الحياة الواقعية هي آخر ما يُكتشف, وأن الحياة الوحيدة التي يمكن أن تعاش بكاملها هي التي يحيكها ويحكيها الأدب" هنا ينتهي كلام يوسا, لكن إبراهيم نصر الله - الذي يرى أن كل كتابة هي بمثابة معارضة للواقع حتى عندما نكتب قصيدة حب فإننا بذلك لا نقيم وزنا لأي قوانين مجتمعية, لأننا إن أحببنا على طريقتنا فإننا نخالف ما يريدون لنا أن نكون عليه, نعارض أولئك الذين يحمون قتلة الحب بقوانينهم- أنار لنا دربًا أولى بالمسير, يقول: " نكتب؛ لأن حكايانا إن لم ندونها صارت ملكًا لأعدائنا" هذا ما جال بخاطري عندما قرأت روايته "قناديل ملك الجليل" الصادرة في العام 2012؛ ولأن ملك الجليل هذا كان مجهولًا تمامًا بالنسبة لي -على عظم مكانته وحجمه- فإن حكايانا كانت ملكًا لأعدائنا.. حتى بعد تدوينها. وأخيرًا, هناك سبب ما يدفعني كل مرة أن أبدأ حكاياتي من المنتصف لابد وأن أعرف ماهيته أو أن أكف عن ذلك. لنحكي من البداية إذن.


إبراهيم نصر الله المولود في عَمّان -لأبوين فلسطينيين اقتلعا من أرضهما (قرية قرب القدس) بعد نكسة 1948- بدأ مشروعه الأدبي كشاعر تُمنع دواوينه من النشر, ثم يفرج عنها مرارًا دون أثر يذكر, لكن التحول الأكبر في حياته الأدبية كان مع صدور روايته "براري الحمى" في مطلع الثمانينات, والتي تم اختيارها كواحدة من أهم عشر أعمال روائية تتناول الوطن العربي من الداخل بحسب مجلة الجاريان البريطانية.. لكن مشروعه الأكبر والذي لم يتخيل هو ذاته ما سيؤول إليه كان عندما بدأ في منتصف الثمانينات في تدوين التاريخ الفلسطيني الحديث تحت عنوان "الملهاة الفلسطينية" بصدور روايته الثامنة في هذه السلسلة "قناديل ملك الجليل" فإن الملهاة الفلسطينية تغطي ما يقرب من 250 عامًا من تاريخ فلسطين.. بدءً من نهاية القرن السابع عشر.. إبان الحكم العثماني وحتى الانتفاضة الثانية. الرواية محل حديثنا اليوم ملحمة تاريخية تحكي بحسب تقديم نصرالله ذاته لروايته عن رجل أفنى عمره في أنبل هدف يمكن لرجل أن يسعى لتحقيقه, إنه بناء وطن مستقل, بمجرد قراءة الجملة السابقة تداعت كل بقايا التاريخ في ذهني وانهارت وجرفت كل شيء في طريقها.. تاركةً أسماءً فقط, سيل من الأسماء, أحاول بلا جدوى أن أستدعي ذلك العظيم الذي لابد وأنه في منزلة صلاح الدين وشهرته مثلًا, لكن المفاجأة كانت في السطر التالي أن الشيخ ظاهر العُمَر الزيداني مجهول تمامًا.. ولم يمر اسمه أمامي من قبل ولو على سبيل الصدفة, والحقيقة أن الحسرة ظلت تتنامى على طول الرواية كلما تزايدت عظمة إنجازاته.

إن كنت ستقرأ الملهاة فالبداية من هنا, لكن ما لفت نظري حقًا هو كيف كتبت ملحمة روائية تاريخية عظيمة كتلك بعد عمل عظيم مثل "زمن الخيول البيضاء", بل ما يثير دهشتي حقًا, كيف يكتب من الأساس, زمن الخيول البيضاء من الأعمال التي يوضع القلم بجورها فلا يرفع مجددًا.. لكن التجربة هنا مدهشة خاصةً لو علمت أنه كتب ولا حائط في ظهره, لا شيء على الإطلاق, كل ما هنالك مجرد وريقات متناثرة عن ذلك الرجل الغامض عظيم الأثر, كأن التاريخ تواطأ ليمحو خطأه, ويهدم شاهد قبره ويسويه بالأرض. ولأن البطولات كشمس الضحى.. لا تستطيع مواراتها مهما بالغت في ذلك, فالشيخ ظاهر الذي تحدى الدولة العثمانية ووزراءها لما يقرب من سبعين عامًا لم تمت بطولاته. لكن الشيخ ظاهر له رأي آخر فيما يخص البطولات, يقول: إن أسوأ فكرة خطرت للإنسان هي أن يخوض حربًا كي يصبح بطلًا, بإمكان الإنسان أن يصبح بطلًا في ألف ميدان آخر لكن ليس ف الحرب, هذه الحرب فرضت علينا لا لنخرج منها أبطالًا.. إنما لنخرج منها بشرًا. حين ننهي حصارنا ونبني مدننا بأمان سيصير كل منا بطلًا حقيقيًا.

في ٥٥٥ صفحة يختلط الروائي بالمؤرخ في هذه الرائعة.. لو أنك لا تعرف أن إبراهيم نصر الله لم تطأ قدماه أرض فلسطين قط, لو أنك لا تعرف أنه ابن مخيم الوحدات الأردنية لظننت أنه لازم الشيخ ظاهر في كل غزواته, وريقات قليلة حولها الروائي القدير إلى صفحات من التاريخ.. ربما يظن التاريخ ذاته أنها سقطت منه سهوًا, كيف نسج إبراهيم نصرالله كل تلك الشخصيات والأحداث والوقائع والأماكن حول لاشيء تقريبًا؟ ليس هذا فحسب, بل كيف أقنعك بها, هناك كاميرا صغيرة محمولة بيد راوٍ لا تشعر بوجوده قط يتنقل بين المكان والزمان أيضًا, هو لا يحكي, هو يرى لك, أنت في قلب المكان, ترى وتسمع, بعد أن تنتهي الرواية تصبح فلسطين ومدنها وقراها وأناسها وأسواقها ومزارعها وبساتينها تتشرب كل خلاياك.. صف لي بعد أن تغلق الرواية كيف أنك لم تذهب إلى طبرية؟ وأي طبرية.. لماذا تدمع عيناي الآن مع ذكر طبرية؟ ربما لأنني تذكرت ليلة ميلاد ظاهر, لماذا تتبعثر خيوط الحكاية مني كلما حاولت لملمتها؟ لنحكي من البداية مرةً أخرى.


هناك مشهد فنتازي في بداية الرواية ستبتلعه لأنك تريده أن يسير بذات الطريقة.. المؤلف يعرف أن التاريخ المسطح الممل مصقول الحواف.. لابد وأن يتحول لشيء حاد لا يكتب على الورق فقط.. بل يحفر في الصخر كذلك؛ لذا تحولت كل شخصياته وأحداثه ووقائعه لذات الأشياء الحادة التي تفسح لنفسها عنوةً مكانًا داخل الزمان والمكان, لذا تجد الشيخ عمر الزيداني شاهرًا سيفه يحارب الموت الذي لا يراه حتى يبعده عن ولده الذي التقى بأمه كي يتم وداعها في لحظة ميلاده, يصرخ الشيخ في الموت الذي يعرف أنه لم يغادر الدار بعد, وهو يوجه طعنة للفراغ: اخرج يا جبان وواجهني.. حتى تكل ذراعاه العاريتان, ويغرس سيفه في الأرض أمامه ويجلس واضعًا رأسه بين كفيه, ثم يستدعي نصرالله الأسطورة للواقع لتقتنع تمامًا أن ظاهر رضع من لبن الجياد لينجو من الموت, مع كل ما تصبغه الأسطورة من صبغات على حياته, وكل ما تلقيه من خلفيات.. قبل حتى أن تطأ قدمه أرض المعارك.. مستقبلًا سيقول ظاهر أن حليمة الفرس الأصيلة هي أمه, فيما بعد سيغير ظاهر على قبيلة ليسترد فرسًا سلب منه؛ لأنها أخته في الرضاعة. ظاهر الذي كان يعرف أنه جاء لهدف ما أكبر من أن يعيش حياةً عاديةً.. ألقته لعبة القناديل في معمعة بناء الأوطان مصادفة, لكن الأقدار لا تتبع الصدف أبدًا, من قال أن الأوطان الحرة تبنى بالصدف أو بالنوايا الحسنة.. هو يلخص الأمر ببساطة فيقول: لا تحدثني عن إيمانك حدثني ماذا تفعل به.

لن أحكي لكم عن عذوبة اللغة.. لكن يكفي أن يكتب شاعر روايةً من خمسمئة صفحة, ماذا تتوقعون إذن, هناك كل شيء بمقدار, ليس هناك لفظًا ذا إيحاء زائد, أو معنى أنقصه اللفظ قدره, هذا بالإضافة للموسيقى الخفية التي لا يمكن إغفالها بين السطور, أنت تتمايل طربًا مع كل سطر.. اللغة هنا تكمل الصورة, لا يمكن أن تصف كل هذا الجمال.. كل هذه الروعة.. كل هذا التاريخ لا يكتب بحروف عادية.. حتى التراب هناك كان يقطر حكمة, إبراهيم نصرالله كان يدرك جيدًا كيف يشيد دعائم التاريخ العظيم فلا ينهار أبدًا مهما قلبت صفحاته, لذا كان يفعل هذا بكل كيانه, فانتقل لكل كيانك.

"هناك قناديل يا شيخ لا تطفأ وقنديلك منها, بعد كل ما فعلته.. أتراك تعتقد أن أحدًا يستطيع إطفاء قنديلك, أنت كل هؤلاء, صحيح أن لا أحد يجرؤ اليوم على الجلوس لتدوين ما فعلته؛ لأنهم يخافون الدولة التي لا تخاف شيئًا أكثر من الحبر.. لكن بعد عام أو عشرة أو خمسين سيتغير كل هذا, ويتقد قنديلك, وتتقد كل القناديل التي أطفأت دفعة واحدة يا شيخ" كانت اللعبة التي ارتضوها حكمًا من البداية بعد موت الشيخ عمر هي أن يجلس الأربعة أبناء قبالة قناديلهم المشتعلة حتى ينطفئ أحدها فيكون صاحبه صاحب العمر الأقصر هو من سيخلف والده ويرث المخاطر, وحملها ظاهر صاحب الستة عشر عامًا, فصار الشيخ ظاهر بعد أعوام قليلة. صارت طبرية قلعة منيعة تستعصي على وزراء الدولة العثمانية, وظلت القناديل تحكم كل ردود الأفعال فيما بعد.

حينما قال له ولده متى ستموت يا أبي حتى أصبح متسلمًا مثلك؟ كان يعرف أن أيامه القادمة لن تكون مشرقة كما تمنى.. بعد أعوام عندما صارت حدود دولة ظاهر تضم معظم بلدان فلسطين وساحل الشام وقناديله تضيء قلوب المدن وقلوب أعداءه رعبًا كان أبناؤه يطالبون بأن تقسم البلاد عليهم, فما كان منه إلا أن قال لهم ومتى ملكت حياة الناس حتى أقسمها عليكم, ما ثبت بالوثائق أن ظاهر الذي عاش لما بعد الثمانين وعاشت دولته ما يقرب من ستين عامًا هدم حلمه بخيانة أقرب أقربائه.. لكن قناديله بقيت عبر الزمان والمكان تضيء الطريق, وتقول: كيف ضاع كل شيء؟ تقول: من أين أتت الطعنات؟ الرواية ملحمة تاريخية بالغة الرقي لا يخرج منها قارئها كما دخلها أبدًا, هناك أشياء كثيرة تبدلت.. أيسرها تضاريس التاريخ التي غفلت عنه طويلًا, أحب أن أختم بمقطع آخر من مقال يوسا العظيم؛ لأنه يقول ما أود أن أقوله تمامًا: "هذا الرابط الأخوي الذي ينشأ بين البشر بسبب الأدب يجبرهم على التحاور ويوعيهم بالأصل المشترك وبهدفهم المشترك وبالتالي فهو يمحو الحواجز التاريخية.. الأدب ينقلنا إلى الماضي, إلى من كان في العصور الماضية قد خطط.. استمتع, وحلم بتلك النصوص التي وصلت لنا.. تلك النصوص التي تجعلنا أيضًا نستمتع ونحلم.. الشعور بالانتماء لهذه التجربة البشرية التراكمية عبر الزمان والمكان هو أعظم إنجاز للثقافة, ولا شيء يساهم في تجددها كل جيل إلا الأدب" هل سيسأل أحدكم عن ماهية الأدب مجددًا أو يراه رفاهيةً؟ لا أظن!


دمتم في حفظ الله



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء