أحمد صوان - الميلاد والتنحي - الرسائل (12)




الرسائل- 12 - الميلاد والتنحي




عزيزتي..
أعود بعد أيام طويلة من الانقطاع، أيام شاقة منعتني أن أخط حرفاً سواء في رسائلك أو غيرها، الإرهاق كان عنوان هذه الفترة، لا أقدّم سبباً بينما لم أعدك قبلاً بالاستمرار أو الانتظام، فقط برزت في ذهني ذكرى ميلادي التي توافقت مع نزول الديكتاتور الثمانيني عن الحكم، راق لي أن اتحدث قليلاً برموزي التي تُصيبك بالجنون إذا عجزتِ عن حل أحدها..

هذه المرة رسالتي مزيج غريب، فما بين ذكرى الميلاد وتنحي الجنرال المشلوح ثلاثة عقود كاملة، تصادف أن كلاهما في اليوم ذاته، يُمكننا أن نضيف أنها ذكرى ميلاد آخر ملوك مصر، ربما لا حظ لي من هذه الصدفة إلا لو تصادفت النهاية، هكذا اكتب هذه المرة دون مراعاة أخطاء اللغة، كأن سطوري البائسة تحتفل بالفوضى التي لا أسمح لها بها أبداً، تماماً كالسخافات اليومية التي لا تجد لها حلاً سوى التجاهل. لا توجد حكايات كثيرة حول الميلاد، هي الذكرى التي لا تنفع سوى صاحبها، عام آخر من الإخفاق مع قليل من النجاح. تتذكر ما كان يُمكن أن تفعل بينما تضحك على ما حدث. يمكنني أن أسرد لك الكثير من الأخطاء في الأعوام السابقة، لكن لا جدوى طالما تجاوزت الأخطاء إلى عالم الخطايا، لا فارق بينهما إلا لمن عاش التجربة فأدركه. رغبت كذلك أن اتحدث عن أوقات الندم، لكنها قليلة ولا تترك أثر، في الحقيقة لا اتذكر شيئاً بعينه كعادتي؛ هي فقط تلك اللحظات الرائقة التي أدركت فيها أنني اكتسبت صديق، قرأت كتاب حقيقي، نظرتي في عينين لا أنساهما برغم السنون، أيضاً خفقتي القلب، الأولى والأخيرة، كلاهما لايزال عالقاً بتفاصيله حتى الرائحة.

يدور بذهنك الحديث عن أيام الديكتاتور الأخيرة بينما نحيا ما بعدها، كانت هذه خدعة ميلادي الكبرى عندما اكتشفنا هذه الأيام أن الهدية زائفة؛ فليكن.. دعيني أحكي لك شيئاً.. كانت مهازل محكمة الثورة لا تطاق، كان الفاسدين يخرجون بالمئات بينما يحل الشباب محلهم.. ترى الواحد من هؤلاء يبتسم لعدسات التصوير ربما بتألق أكثر من عهده السابق، أحدث البدل تسطع تحت أضواء الكاميرات، كان أشهرها لكبير البصاصين السابق الذي نافست نظارته الشمسية ابتسامته الواسعة. 

هناك في المقابل الضفدع، واحد من ملح الأرض الذين ساقتهم أحلام الثورة إلى تطلعات لم يجرؤ عليها في عهد الديكتاتور الثمانيني.. يوم سقوطه الذي وافق ذكرى ميلادي أدرك أن باستطاعته الحلم رغم ذراعه المعاق وإمكانياته البسيطة؛ تحمس بشدة فمارس فنه في الشوارع وعلى صفحات الانترنت والمسرح. لم يدرك أن الفكر جريمة غير مدرجة في دفتر الأحوال، إنها كنوع من "العقاب الأحمر" الذي مارسوه على الجندي في جوانتانامو عندما يخذلهم، ويعقب ذلك "مؤامرة الصمت" الشهيرة لدى المافيا، لا أحد يتكلم عن الأمر.

هكذا وجد الفنان النحيل نفسه إرهابياً محكوم عليه بالإعدام، وطبقاً للتحقيقات كان ذلك المثير للشفقة يستطيع مواجهة فرقة من العسس، ويحوي أثاثه الرقيق أسلحة تكفي خط الصعيد. 

ضعي الصورتين أمامك.. 
بالضبط.. هكذا أفكر الآن.. فهمتي؟..
برغم هذا الجزء الأخير إلا أنني الآن أرى ضحكتك الرائقة التي تعني أن ما أريد، حتى لو لم ألفظه، قد وصل إليك..


1 comments:


الإبتساماتإخفاء